سقوط نظام زعيم الفريج!
عماد الدبيسي
يقول أحد علماء القطيف: قد يُتصور أن النظام السياسي هو الوحيد الذي يعنوَن بالاستبداد، وهذا وإن كان أظهر وأوضح أنحاء الاستبداد، إلا أنه لا ينحصر به ذلك لأنه في كل شخص يوجد مشروع استبداد لو لم يسيطر عليه بالتهذيب والتربية.. في كل شخص مشروع طغيان وتفرد... الوالد في بيته قد يكون مستبدا... الزوج من الممكن أن يكون مستبداً... المسؤول في الدائرة... المدرِّس في المدرسة مع الطلاب... رجل الدين مع الناس... بل الإنسان العادي في المجتمع أيضا... وهكذا الولد مع أخيه وأخته.
ولكني هنا أقدم شخصية مختلفة عما ذكر وهي «زعيم الفريج»! في صغري كنت زائرا دائما لمنزل أقربائي فلاحظت أن في هذا الفريج «الحي» شخص يتحكم في الصغار لأنه يكبرهم ولأن أصله من منطقة تُصنف من قِبل البعض بأنها منطقة المعارك والقوة، وهو في حقيقة الأمر نموذج مصّغر لنظام مستبد، لأن هذا الرجل كان يسيطر على كل الأولاد، مثلا: لا أسمح لفلان أن يتحدث مع فلان وإن علمت بأنهما قد تواصلا مع بعضهما بأي شكل من الأشكال سأعاقبهما، وإذا غضب على أحدهم فانه يشطبه من قائمة من سيلعبون كرة القدم اليوم، ويجبر الجميع بأن يقاطعوه ليضطر للاعتذار منه ويبقيه تحت سيطرته وحكمه! ولديه أساليب عدة في العقاب، وكان كل شيء تحت تصرفه، والكل لا يرفض له أي طلب متى وكيفما شاء، وإذا أقبل من بعيد فالكل يصمت مترقبا، والكل يحسب له ألف حساب.
طبعا سبب انصياع هؤلاء الأولاد لهذا الرجل أولا لأنه هو الوحيد الذي يخرج معهم للتنزه بواسطة سيارته ويدافع عنهم إذا تعرضوا لأذى من أي شخص باعتبار أن أصله من المنطقة الكذائية ويلعب معهم مختلف الألعاب التي يحبها كل من في سنهم ، فهم يعلمون أنهم لو لم يطيعوه سيحرمهم من اللعب ومن الكلام مع أي شخص، وسيفرض عليهم إقامة جبرية في بيوتهم، للأسف أن الأهالي لم يكونوا على علم بأنه يتحكم بالأولاد وإنما يظنون أنه حنون عليهم ويُسليهم، وإذا علموا بأن أولادهم أو إخوتهم معه فانهم يطمئنون! بينما كان هذا الرجل يستغل ثقة أهاليهم فيه ليتحكم بهم ويعاقبهم بكل صغيرة وكبيرة بمختلف الأساليب.
الجميع كان يعتبر هذا الرجل رمزا للقوة وأنه لا يهزم وقد تعارك مع الكثير وهزمهم ولم يعودوا لفريجه حسب تعبيره، ولكن احدهم قد طفح به الكيل ولم يكن راضيا ومقتنعا بكل ما حدث طوال هذه السنوات، فاستدعى شخصا عادي الجسم وقزما ولا ينتمي لمنطقة هذا الرجل وتعارك مع الزعيم أمام الجميع والكل كان يتوقع انتصار زعيم فريجهم كالعادة وخاصة أن الرجل الذي تعارك مع الزعيم لا يمتلك أي شيء من مؤهلات القوة ولكن المفاجأة الكبرى أنه انقض على الزعيم وأسقطه أرضا وترك علامات على وجهه ولأول مرة يحدث هذا للزعيم، فما كان من الزعيم إلا أن توعد وهو ذاهب إلى بيته والدماء تسيل من وجهه وهو يرى نظرات من حوله مابين شامت ومشفق، فلم يخرج من البيت لأكثر من ثلاثة أسابيع وكان يرفض مقابلة أي شخص، وحينما قرر الخروج من المنزل اقتصر على الذهاب إلى عمله فقط، فهنا الكل أدرك أن نظام الزعيم قد سقط، وبعد ذلك تنفس الكل الصعداء وعادت الحياة الطبيعية للأولاد وتذوقوا طعم الحرية المفقودة وكسرت حواجز الخوف والرعب والتحسب والترقب.
أنا هنا لا أريد أن أوحي بمنهج العنف في مواجهة الاستبداد ولكن ما أحببت قوله هو أن كل شخص أو نظام فاسد أو مستبد وقوي مهما طغى وتجبر سيأتي يوم ويسقط بأي شكل من الأشكال .





