الرئيسية وطنيات أخبار بانوراما أقلام حقيبة التوافق لمراسلتنا من نحن البحث

الأكثر قراءة في اسبوع
 

شمعــــة تضيء ...
عادل بن حبيب القرين - 2008-10-19 06:37:12 - القراءات [419]

شمعــــة تضيء ...

عادل بن حبيب القرين

في ليلةٍ قد جُن فيها عاشق بمعشوقته، وتغنى الفلاح بنخلته، فرحاً بتمرها الهجري الأصيل، حينها وقفت في أحد أزقة رفعتي الشمالية، ورأيت شيخاً هرماً، كغصن لبان تفوح من دشداشته رائحة بخور الأصالة ومسك العراقة وأذكى روائح عنبر الماضي، جالساً على دكة داره متربعاً فسلمت عليه وقبلت رأسه ، وجلست أمامه جلسة  التلميذ أمام أستاذه، والمريد أمام شيخه، وعيناي تسترق بعض النظرات من ملامحه المهيبة، فبادرته بسؤال طالما وددت أن أسأله إياه قائلا له: يا عم،  صف لي الناس الذين عاشرتهم وعايشتهم في حياتك؟

فتأوه بآهات لاهبة لفحتني ريحها، واغرورقت عيناه المغطاة بأهلة الشعيرات البيضاء بالدموع ،وكأنها معزوفة ناي فارسي وتقوسات جبينه توحي بالإيمان ونور يشع منه من أثر السجود والعبادة عاكساً ظلاً  ذا هيبة على تقاسيم وجهه المتصدع كجبل القارة الأشم في هيمنته ليفوح من ثغر مغاراته نسمات دفئ الشتاء وهبوب عليل الصيف، وقال:  الناس يا ولدي أنواع شتى...

فمنهم التقي الصادق الأمين اللين الهش البش المتقي ربه في السر والعلانية..

ومنهم الكيس الفطن الذي حين تلقاه يفرحك ويزيل عنك همك..

ومنهم الغارق بغروره وجبروته حيث يمتطي دابته دون أن يدري أين يذهب  بها وحين يترجل عنها يحار في أي طريق يسلك!!

ومنهم من تهطل الحكمة من تحت طيات لسانه فتجده في سحر الليل قاعداً وراكعاً وساجداً ودموعه قد شقت أنهاراً على خديه خائفاً وجلاً متضرعاً لخالقه عز وجل وتجد نفسك أمامه غارقاً في ذنوبك كقارب صغير قد أضاع الساحل الآمن وحيكت أشرعته من خيوط العصيان وحبال الذنوب والكبائر..

ومنهم من تخجل الكلمات في مجاراة قولهم سوى دعاء أمٍ حنون قد فرشت أضلاعها على عيدان من هامتها دائماً تعانق العلا بالصبر والتضحية والإيثار والخلق الرفيع.

ومنهم يا ولدي أناس إذا أكرمتهم بالقول والفعل اعتقدوا بأنك ساذج أبله وأضافوك لقوائم الفرائس !!

ومنهم من أفنى عمره في خدمة غيره دون كلل وملل بل بكل جدٍ وتحدٍ واجتهاد وتسابق في الخيرات ليهديه حساده في الحصاد باقات جحود ونكران الجميل..

ومنهم من خانه زمانه ورفاقه عند افتقاره بينما كانوا بالأمس القريب يتزاحمون لالتقاط دنانير من فناء منزله، ومن تحت تراب قدميه..

ومنهم من يتغنى بلسان غيره في السوء وهتك الحرمات وحينما يرتطم المعدن في الصخر يفر هارباً ويظل بعيداً خائفاً  على لحم أنامله من أن يأكلها المغفلون الذين عُزفت على أوتارهم نغمات الحقد والكراهية والبهتان.

ومنهم من يرتزق على أموال غيره حيث يكدح الفلاح في حرث أرضه وغرس شجيراته وحين يأتي وقت صرام التمر يسرقه في ليل دامس بسواده وحين تحتضن السماء صفار يوم جديد يزوره في بستانه ليواسيه..

ومنهم من يكدس الأموال والذهب والفضة لغيره وكل همه حصد الدنانير حتى ولو بالحرام ليعيش عيشة الفقراء في حياته ويحاسب محاسبة الأغنياء بعد وفاته.

ومنهم من يدعي معرفة كل شيء متبختراً في مشيته، تفوح من حنايا وجهه أمور أخرى بخلاف ظاهره الجميل يتصيد عيوب غيره متناسياً نفسه فهذا مريض بداء العظمة والكبرياء.

ومنهم المتواضع الكريم في كل شيء حتى في ملبسه ومأكله يتفقد الناس في الطرقات ليقضي حوائجهم ويجالس الفقراء والمساكين في مأكلهم ومشربهم   ولو كشف عن كرمه لنفد تبره قبل تبنه، فهو عالم جليل..

ومنهم من اشترى قوتاً بنصف رزق يومه لعياله وتصدق بالنصف الآخر سراً في ظلمات الليل فهنيئاً له الجنة مخدوماً بالولدان المتناثرين على زعفرانها الأصفر، آخذا من أثوابهم خيط حرير ليصنع به سبحة من لؤلؤ وعقيق وزمرد وأحجار كريمة ليذكر الله بها ويصلي على النبي المختار وآله وصحبه الأخيار فعسى تكون خاتمة أعمالنا خيراً لنحظى بجنة عرضها السماوات والأرض تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً آمين يا رب العالمين ..

ولا يزال بحر عمي مداداً على كراستي ويراعي ناعس قد أُخرس صريره من هول ما خط وبعد أن أتم حديثه قبلت يده المرتعشة ودموعه تتساقط على الأرض وكأنها ترسم خلفي تضاريس خريطة بكر تتمتم " وداعاً يا ولدي .."

 

تعليقات الزوار
1 | المتيم -الخبر
مداد من ذهب لله درك كاتبنا الكبير ( نسيم الروح ) ننظر جديدك بشوق دمت بود



 
ذات صلة
 
جديد التوافق

عرض جميع المقالات »

تقارير مصورة

مذبحة غزة

صورة اليوم

عدد الزوار
6337252

 

تصويت
هل أن الأزمات – حصار غزة نموذجاً – تسهم في توحيد الأمة؟
نعم
لا
لا أدري

شارك برأيك

حدث في مثل هذا اليوم
< Jan 2009 >
س أ ن ث ر خ ج
          1 2
3 4 5 6 7 8 9
10 11 12 13 14 15 16
17 18 19 20 21 22 23
24 25 26 27 28 29 30
31            

عرض جميع المقالات »

 

 
 

النشرة البريدية
إشترك معنا في نشرة الموقع لتصلك بالبريد الإلكتروني
الاسم
البريد الإلكتروني  
|

حقوق الطبع محفوظة لدى شبكة التوافق الأخبارية © 2004 - 2007م

المقالات المدرجة لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع التوافق