
أمريكا وجنون الإرهاب
كاظم الشبيب
لا يمكن القطع بأن الإرهابيين مجانين. كذلك يستحيل الجزم بأنهم عقلاء. فللمجانين سمات تنتفي عنهم بمطالعة نتائج الدراسات التي تناولتهم, كما في المغرب العربي ومصر وأوروبا, إذ أكدت وجود متعلمين وأصحاب شهادات عليا بينهم, بل إن أوضاع بعضهم المادية تتراوح بين عادية وجيدة, مما ينفي فكرة اعتماد الجماعات الإرهابية على المعدمين والفقراء. وللعقلاء صفات أيضاً تستحيل على وصف الإرهابيين بها مقارنة بنتائج ما يقدمون عليه من أعمال انتحارية يسقط من جرائها الأبرياء كل يوم وفي كل مكان.
يلحظ المتابع, في الوقت الذي تقلصت فيه هجمات الإرهابيين في أوروبا, وانعدمت كلياً عن أمريكا منذ «غزوة مانهاتن»- كما يحب الإرهابيون تسميتها- في 11 سبتمبر 2001, اتساع رقعة العمليات الإرهابية كماً ونوعاً في البلاد العربية والإسلامية. فبينما واشنطن التي ترفع وتقود «إستراتيجية محاربة الإرهاب», وتقود حربها هذه خارج أراضيها, تنعكس النتائج السلبية لتلك المواجهات على دول وشعوب غيرها, حتى لو كانت تلك الدول حليفة لأمريكا, وخير شاهد الهجوم الأخير على السفارة الأمريكية في اليمن والتدمير الانتحاري الذي وقع على فندق ماريوت في اسلام اباد بباكستان.
تكمن مشكلة العالم العربي والإسلامي في تحول الإرهابيين إلى جبهة تواجه البيت الأبيض في ديارهم لا في الديار الأمريكية, من جهة أخرى تحولوا إلى سلاح وورقة عسكرية تعمل لزعزعة الأوضاع في بلدانهم يستفيد منها السياسيون المتنافسون في صراعهم على السلطة, وهو مسلك أكثر جنوناً عند السياسيين من جنون الإرهابيين, لأن الجميع يعدُ ويصنفُ السياسيين من العقلاء لا من المجانيين.
أمريكا لا يعنيها, وليس من أولوياتها, حماية مصالح حلفائها بقدر ما يعنيها حماية مصالحها أولاً. لذا لا فرق عندها بين وجود أو سقوط الرئيس الباكستاني برويز مشرف الذي تبنى استراتيجية محاربة الإرهاب أو فوز الرئيس الحالي زرداري بالرئاسة, ما دامت مواجهة الإرهاب تتم بعيداً عن اراضيها و لا تُعرض مصالحها للخطر. المواجهة الأمريكية للإرهاب لا تخلو من بعض سمات الجنون أيضاً. إذاً, أليس من الجنون أن تنجرف مناطقنا العربية والإسلامية نحو الجنون الأمريكي في مواجهة الإرهاب!
فإذا كان الإرهابيون مجانين, ينبغي لمن يتعامل معهم الا يكون مجنوناً مثلهم. والتعامل مع المجانين يختلف عن التعامل مع العقلاء, وهذه بديهة لا تحتاج إلى ايضاح, لأن مواجهة المجنون هو بحد ذاته جنون أيضاً. السياسة البديلة للتعاطي مع الإرهابيين هي سياسة معالجة المجانين لا مواجهتهم. وهذه المعالجة تحتاج إلى حكمة العقلاء أكثر من حاجتها إلى تهور سياسي قاده الأمريكيون بحربين في المنطقة, في أفغانستان والعراق, أججت نفوس أهلها وحولت بعضهم إلى أرقام جديدة في صفوف المجانين من الإرهابيين.
معالجة المجانين عبر المتابعة المستمرة مع المستشفيات والعيادات النفسية هي مرحلة تسبق مرحلة الحجر الصحي عليهم. ولكل مرحلة منهما مضادات حيوية ومنشطات ومسكنات تجبر بعض الخلل وتداوي بعض العلل. المتخصصون يفرقون بين المريض النفسي والمجنون, ولكن عامة الناس تطلق مفردة «المجانين» على كل مريض نفسياً. وكما أن المعاقين عقلياً يتدرجون بين الإعاقة البسيطة والمتوسطة والكبيرة, كذلك هم الإرهابيون. وتشخيص هذا التفريق يساعد على معالجتهم بشكل أنجع.
سبع سنوات مضت على محاربة الإرهاب ولم تنجح أمريكا في قطع دابر الإرهاب, مما يعني فشل السياسة المتبعة في هذه المواجهة. سياسة الحدة في تلك المواجهة باتت ضرباً من الجنون كما يقول حكماء العرب القدماء « الحدةُ ضرب من الجنون, لأن صاحبها يندم, فإن لم يندم فجنونه مُستحكم»! فهل تعي واشنطن الدرس أم أن أهدافها تُسوغ بقاء حربها ضد الإرهاب لأغراض متعددة ومتنوعة؟ أم سيكون للحكومة الأمريكية القادمة رأي أخر؟ نأمل ذلك





