الحلقة الثانية والأخيرة
كيف نستثمر شهر رمضان ؟ 2/2
الشيخ محمد علي الحرز
مما لا يختلف فيه اثنان من المسلمين إن شهر رمضان هو خير الشهور ، وأن الله كرمه وفضله على باقي الشهور لما يحمله هذا الشهر من نكهة خاصة لا نجدها في غيره سواء على الصعيد الديني أو الاجتماعي أو الاقتصادي بل وحتى على الجانب الإعلامي لذا اكتسب طبيعته وميزته .
فهو شهر الهداية والارتباط بالله سبحانه وتعالى ، قال عز وجل : " شهر رمضان الذي انزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان " .
وقد تناول الشيخ محمد الحرز في الحلقة الأولى من هذا المقال الجانب الروحي وهنا يكمل الحلقة الأخيرة بتناول الجانب الاجتماعي والجانب الثقافي والجانب الاقتصادي.
- الجانب الاجتماعي :
من العلامات الفارقة لشهر رمضان والتي تحببه في القلوب ، إنه في هذا الشهر يكثر التواصل بين الناس ، وتتوطد الروابط الاجتماعية بين الأهل والأقارب والأصدقاء ، وينمو الحس الاجتماعي في النفوس ، لأن من أهداف شهر الخير ، عدم الانكفاء على الذات ، وجعل عزلة بيننا وبين الآخرين وهي تتحقق بالعمل على :
1- زيارة الأهل والأقارب، وعدم القطيعة معهم ، ففيها أجر وثواب كبير عند الله ، ناهيك عن الآثار الوضعية التي يخلفها صلة الرحم التي أكدت عليه الروايات فقد ورد في الحديث الشريف عدت فوائد لصلة الرحم من أبرزها :
- سرعة وصول الثواب :
يقول الرسول الأكرم (ص) : " أعجل الخير ثواباً صلة الرحم " . 1
- تهوين سكرات الموت :
روي عن الإمام الهادي عليه السلام :" فيما كلم الله تعالى موسى (ع) قال موسى : فما جزاء من وصل رحمه ؟ قال : يا موسى أنسئ له أجله وأهون عليه سكرات الموت " . 2
- تهوين الحساب والوقاية من ميتة السوء :
عن الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم قال : " صلة الرحم تهون الحساب وتقي ميتة السوء " . 3
- تعمير الديار :
وعنه صلى الله عليه وآله وسلم قال :" صلة الرحم تعمر الديار وتزيد في الأعمار وإن كان أهلها غير أخيار " . 4
- إطالة العمر :
وروي عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال : " إن الرجل ليصل رحمه وقد بقي من عمره ثلاث سنين ، فيصيرها الله عز وجل ثلاثين سنة ، ويقطعها وقد بقي من عمره ثلاثين سنة فيصيرها الله ثلاث سنين ثم تلا ( يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب ) . 5
- تزكية الأعمال ونماء الأموال :
عن الأمام الباقر عليه السلام قال :" صلة الرحم تزكي الأعمال وتنمي الأموال ، وتدفع البلوى ، وتنسئ من الأجل " . 6
2- التواصل مع الأصدقاء وعقد اللقاءات المفيدة عبر إثارة الحوار الهادف ، فنحن اليوم أحوج ما نكون لتعلم كيف نتناقش ونتحاور دون مصادرة آراء الآخرين أو الحكم المسبق مع من نختلف معه ، والحضور مثل هذه الحوارات والمشاركة فيها هي خطوة نحو الأمام لتعلم طبيعة النقاش والجدل وقبول رأي الآخر ، بل والإذعان له إذا كانت حجته قوية .
وشهر رمضان حيث تكثر فيه اللقاءات والحوار بين الأصدقاء علينا أن نستثمر الفرصة ونتعلم كيف نتحاور ونقوي روابط الحب بيننا .
3- محاولة التعرف على شخصيات جديدة عبر التزاور وحضور محافلهم ، ففي شهر رمضان تزداد المعارف والعلاقات بين الناس ، فتفتح الناس أبوابها للتزاور والتعارف وتتهيأ لاستقبال الضيوف ، فلو حاولنا أن نستفيد من سمات الشهر ونحاول كسب صداقات جديدة ، من طاقات المجتمع وكفاءاته .
4- زيارة الجمعيات الخيرية والتعرف عن أهم نشاطاتها والمساهمة فيها ، فخلال هذا الشهر تتضاعف حاجة الفقراء ويزداد العوز لما يفرضه شهر الصوم من حاجات مالية أو تتطلبه مناسبة العيد من مظاهر اجتماعية ، والمشاركة في جمعيات البر بالدعم المالي والعملي هو معرفة الوجه الآخر للمجتمع وكيف يعيش المساكين والمستضعفين من الناس ، وتطبيق للحديث الشهير : " كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته " ، كما في مثل هذا النشاط هو مساهمة حية في الرقي بالمجتمع والحفاظ على عزته وكرامته ، والانتقال من مرحلة الأخذ إلى مرحلة العطاء .
- الجانب الثقافي :
ضمن حمى السباق نحو التكامل لشخصية الإنسان يأتي البعد الثقافي في مقدمة تلك الجوانب المهمة ، فالثقافة هي الخطوة الأولى للسير في سلم الوعي وبناء الفكر ، وهذا لا يتأتى إلا بجهود مضنية وسير حثيث في القراءة والتعلم من مختلف منابع المعرفة ، وشهر رمضان بقدر ما هو رسالة روحية ، هو عملية تكاملية تعمل على بناء مقدرات الإنسان الفكرية والنفسية والثقافية ، وحيث أننا راعينا الاختصار في معظم ما ذكرناه فإنا نلخص البرامج الثقافي في سياق النقاط التالية :
1- قراءة كتاب واحد أو كتابين على أقل تقدير ، فالقراءة هي أهم وسيلة للتعلم والتثقيف الذاتي ، فالكتاب رغم دخول عصر العولمة وغزو الإنترنت ، ودخولنا عصر السرعة ، إلا أنه لا زال الكتاب يحتل موقع الصدارة في المعلومة المركزة ، وشهر رمضان فرصة سانحة للقراءة والبناء الثقافي ، كما في القراءة تعود وخلق رابطة مع الكتاب .
2- المشاركة أو الحضور في المجالس الثقافية التي تعقد خلال شهر رمضان ، إذ ليس كل البرامج في شهر رمضان دينية وروحية ، ففي الغالب يتخلله العديد من البرامج والنشاطات الفكرية والثقافية ، وهي متنوعة ومتعددة ، وهي تارة تكون على شكل محاضرات أو ندوات ثقافية أو طبية أو تربوية ، وأخرى تأتي على شكل دورات تعليمية مركزة حول فكرة محددة ، وهذه تساعد بدرجة كبيرة في بناء ثقافة ووعي الإنسان المؤمن .
3- العمل على تنمية كفاءة فينا كالرسم أو الكتابة أو الشعر أو الحرف وغيرها ، فكل إنسان في أعماقه يمتلك موهبة ما ، يستطيع الإبداع فيها ، ولكن هذه الموهبة تحتاج للنمو إلى خطوتين أساسيتين :
أولاً : الاكتشاف .
ثانياً : التنمية .
وشهر رمضان فرصة سانحة لاكتشاف مكامن القوة فينا ، والعمل على تنميتها وتطويرها ، وهذا لا يتأتى إلا بهمة عالية وعمل حثيث للصعود نحو القمة .
4- تعلم الأحكام الشرعية ، فشهر رمضان له أحكام خاصة في صومه وإفطاره تتناول معظم حياة الإنسان في هذا الشهر الشريف ، وتعلمها هي حصانة للمؤمن من الوقوع في الخطأ ، وأجر عظيم عند الله ورسوخها تحتاج إلى ممارسة ومعايشة ، ولا يوجد فرصة خير من هذا المناسبة لتعلمها إما عن طريق الدراسة وحضور مجالس الأحكام التي يطرحها علماء الدين في المساجد أو عن طريق التثقيف الذاتي عبر القراءة في الرسائل العملية للفقهاء .
- الجانب الاقتصادي :
من الصعوبة بمكان أن تسير عجلة الحياة دون البعد الاقتصادي في حياة الإنسان ، وفي هذا الشهر يتأكد هذا الجانب ويحوز مكانة كبيرة فيه ، ففيه يصوم الناس ويحتاجون إلى تغذية جيدة ، كما أن العيد وهو من الأعياد الكبيرة وتعم فيه الفرحة والبشرة على الوجوه راجين من الله أن يختم صيامهم بالتوبة والمغفرة ، والله سبحانه لم يغفل هذا البعد في حياة الصائم ، وهناك عدة أمور ينبغي التأكيد عليها فيه :
1- الشراء على قدر الحاجة فالمراكز التجارية لن تغلق أبوابها خلال شهر رمضان ، فالوعي الاقتصادي ، وعدم تجاوز الحد المعقول في مقتنيات شهر رمضان ، هي دلالة فهم وإدراك ، فالإسراف والمبالغة في شراء الأطعمة بغض النظر عن القدرة المادية من عدمها تنبي عن قلة وعي ، ومخالفة لقوله تعالى : " ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوماً محسورا " ، كما إن مثل هذه المناظر أمام المراكز التجارية ، وأنت تشعر إن صاحبها سيسافر لمدة شهر كامل ، أو يعيشون حالة سباق قبل نفاد الكمية ، تكسر بخاطر الفقراء والمحتاجين وهم يشاهدون قطار العربات تخرج متتالية في الوقت الذي هم يعجزون عن توفير المواد الملحة لمنازلهم .
2- طبخ الكمية التي نتأكد من قدرتنا على أكلها وهضمها ، فمن الحالات العامة في شهر رمضان إن الناس تأكل بعيونها لا ببطونها ، فهي تطبخ ما يملأ ناظريها ، فإذا حان وقت الأكل والجد وجاء الواقع نجد إن الكمية تغطي أضعاف حاجة الأسرة ، ولأن من عادات مجتمعنا عدم إبقاء الطعام لليوم التالي ، بل إن البعض لا يبقيه حتى للسحر فإنه يرمى ، لنعود نرتكب الخطأ نفسه في اليوم التالي ، وهكذا طوال الشهر ، وهذا مصداق لقوله تعالى : " إن الله لا يحب المسرفين " .
3- المحافظة على عاداتنا القديمة من تبادل الأطعمة بيننا وبين الجيران والأقارب ، وهي من أجمل العادات وأحسنها والتي تقوي الروابط بين الأسر ، وتساعد على تنوع الطعام في البيوت ، ومصداق للتواصي الذي حثت عليه الروايات ، إلا أن هذه العادات أخذت في الضعف خلال السنوات الأخيرة ، تحت ذرائع مختلفة التي نختلقها من عند أنفسنا .
ونحن اليوم في أحوج ما نكون إلى غرس عاداتنا الجميلة في نفوسنا وبعثها في عقول أبنائنا ، خصوصاً مع موجة التغريب التي أخذت تجردنا من الكثير من عاداتنا الجميلة والأصيلة ، والحفاظ عليها هو حفاظ على إرث وتاريخ رائع على وشك الانقراض .
4- المساهمة في الجمعيات الخيرية ومساعدة المحتاجين لإدخال البسمة على وجوه الأيتام والفقراء ، ففي هذا شهر يتضاعف الأجر ، والحسنة لها حساب خاص لا يعلمه إلا الله ، وواحدة من أهم وسائل جمع الحسنات ودفع السيئات هو العمل الخيري ومساعدة المحتاجين ممن هم حولك سواء من الأقارب أو المجاورين أو عن طريق الجمعيات الخيرية .
والمساعدة عندما نذكرها ليس بالضرورة المجزية والكبيرة ، فلا تستحي من إعطاء القليل فالحرمان أقل منه ، فكم حولنا من المحتاجين المتعففين الذين يمنعهم سكب ماء وجههم من طلب المساعدة ، في حين هم يعانون الويلات والألم من الفقر والعوز ، وشهر رمضان هو شهر العطاء والبذل في سبيل الله ، فلننتهز هذه الفرصة قبل فوات الأوان .
الهوامش :
1- بحار الأنوار ج74 ص121 .
2- المصدر السابق ج69 ص383 .
3- المصدر السابق ج74 ص94 .
4- المصدر السابق ج74 ص94 .
5- المصدر السابق ج74 ص93 .
6- المصدر السابق ج74 ص111







