إشراقة رمضانية
الشيخ حبيب الحمد
الحوزة العلمية في الأحساء
الزمان جزء من الحياة، والحياة جزء من الوجود، والوجود مخلوق لله تعالى، والمخلوقات لم توجد عبثاً، {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ} ، بل وُجِدت لغاية عظيمة،{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} ، فالنتيجة المنطقية لهذه المقدمات هي أنّ الزمان وُجد لغايات، أهمها كونه ظرفاً للعبادة، التي يمارسها الإنسان وفق تشريعات يريدها الله في زمان محدد، يتصف بميزات، تتلازم مع العبادة، ففي الحج يقول تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ...} ، وفي الصلاة يقول: {أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا} ، وفي تشريع الصوم يقول تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} ، وفي تحديد زمان الصوم قال: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} ، فشهر رمضان هو الشهر الوحيد الذي ذكره القرآن من الأشهر الاثني عشر، وهذا يدل على أنّ له شأناً عظيماً، أبانت الآية بعضاً منه، فهو شهر نزول القرآن، الكتاب الهادي، فالقرآن مظروف للنزول، الذي يؤثر على ظرفه ـ شهر رمضان ـ فيتحقق ارتباط بين القرآن وشهر رمضان، من نتائجه ما ذكره الإمام الصادق (عليه السلام):{لكل شيء ربيع، وربيع القرآن شهر رمضان}، وحينئذ تحصل الهداية القرآنية، وبالخصوص لمن يواظب على تلاوة القرآن، وهذه الهداية عبّرت عنها الروايات بالتوبة والمغفرة الواسعة، قال النبي (صلى الله عليه وآله):{فمن لم يغفر له في رمضان، ففي أي شهر يغفر له}.
وقفة تفكر.
شهر رمضان محطة سنوية، نرجع فيها إلى أنفسنا ونتأمل في ذواتنا لنستكشف النقص والعيوب والذنوب؛ لنندفع بحثاً عن الكمال المفقود حتى نصل إلى الله تعالى، قال الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام):{ من عرف نفسه فقد عرف ربه}، ومعرفة النفس هي إحدى المعرفتين في القرآن، مع المعرفة الآفاقية، {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ} ، إلا أنّ معرفة النفس أنفع وأفضل، قال الإمام علي (عليه السلام):{المعرفة بالنفس أفضل المعرفتين }، وفي رواية أخرى، {المعرفة بالنفس أنفع المعرفتين}، فالوصول إلى الحق من خلال المعرفة الأنفسية، والحق هو الله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ} ، ومن لا يعرف الله تعالى لا يمكنه معرفة نفسه، {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} .
استقبال شهر رمضان.
فالإنسان إذا وصل إلى معرفة النفس، والغاية منها؛ أمكنه أن يلتزم بمتطلبات تلك المعرفة، وفي أولوياتها الاستعداد والتهيؤ لاستقبال الشهر من العبد، فيترتب عليه حسن الاستقبال من الرب، وهذا يحمل معنى عميق يختزله النبي (صلى الله عليه وآله) لما حضر شهر رمضان بقوله:{ ماذا تستقبلون ؟! وماذا يستقبلكم ؟!}، نحن ـ الناس العاديين ـ نستقبل الشهر بجانب مادي فقط، فنقوم بإعداد ميزانية ضخمة لمشتروات كثيرة تفوق طاقتنا المادية والاستهلاكية، نستفيد من القليل منها، ونرمي الكثير، بالإضافة إلى الساعات الكثيرة التي تذهب هدراً، ثم نضع برنامجاً متكاملاً للتمكن من متابعة عشرات المسلسلات التي تبثها القنوات المختلفة، ونبذل جهداً كبيراً حتى لا يفوتنا شيء منها، فهل هذا استقبال صحيح، يُؤهل للوفود على الله تعالى؟!
استقبال الصائم للشهر.
الاستقبال الحقيقي لهذا الشهر ليس مادياً بحتاً، بل يحمل بُعداً معنوياً، يبدأ بمعرفة النفس للوصول إلى معرفة الله، التي تُحركه نحو غسل باطنه من الذنوب بماء التوبة، فيعزم على عدم العود إلى ما اقترفه من هتك للحرمة الإلهية، وعند ذلك يحتاج لما يعطي الدوام لتوبته، ويحافظ عليها، ولا يوجد أفضل من التقوى، قال تعالى: {يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ} ، وهو ما أشار إليه الإمام زين العابدين (عليه السلام) في دعاء أبي حمزة الثمالي، {سيدي، أسالك ما لا أستحق، وأنت أهل التقوى وأهل المغفرة، فاغفر لي، وألبسني من نظرك ثوباً يغطي عليَّ التبعات، وتغفرها لي، ولا أُطالب بها}، والإنسان إذا تجرد من الأخلاق الفاضلة سوف يخرج من الإنسانية بالتدريج، ويَقرُب من الحيوانية، ويتجه نحو الأسوأ منهما، قال تعالى:{ أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ} .
استقبال الله للصائم.
إذا ارتقينا بأنفسنا نحو هذا السمو في معرفتنا للاستقبال الحقيقي للشهر سوف نتأهل لما ذكره النبي (صلى الله عليه وآله) في حديثه، { وماذا يستقبلكم ؟!}، فالذي يستقبل الصائم ذكره النبي (صلى الله عليه وآله) في خطبته المشهورة في آخر جمعة من شهر شعبان، قال:{ أيها الناس، إنه قد أقبل إليكم شهر الله بالبركة والرحمة والمغفرة}، أول ما يستقبلنا هو شهر ينتسب إلى الله تعالى فيزيده عظمة وشرفاً وحرمةً وكرامةً، وهذا الشهر جاء بالبركة والرحمة والمغفرة، وهي عناصر ثلاثة تحوي معاني عميقة من الألطاف الإلهية التي يفيضها الله على عباده في كل الأعمال المستحبة في هذا الشهر، ويتجلى ذلك في فتح باب التوبة والكرامات الإلهية ومضاعفة الثواب مع قلة العمل، الذي يقوم به الصائم، وهذه ضيافة إلهية من نوع فريد، خصوصاً إذا كانت تلك المائدة الإلهية تمنح الثواب الجزيل مع أنّ الصائم لم يقم بأي عمل، قال النبي (صلى الله عليه وآله):{هو شهر دعيتم فيه إلى ضيافة الله، وجُعلتم فيه من أهل كرامة الله، أنفاسكم فيه تسبيح، ونومكم فيه عبادة}، فهل هناك أعظم من هذه الرحمة والبركة ؟!
ولا بد أن نلتفت أنّ النبي (صلى الله عليه وآله) لم يحدد ثواباً لتنفس الصائم بل قال:{تسبيح}، فذكره بالتنكير حتى يشير إلى أنّ الثواب الذي يمنحه الله تعالى لا يتحدد بعدد خاص من الحسنات، بل هو كثير بما يناسب العطاء الرباني، كما أنه (صلى الله عليه وآله) لم يحدد ثواب نوم الصائم بشيء معين، بل ذكر أنه عبادة، من دون تعيينها بالواجبة أو المستحبة، مما يبين عِظَم الثواب.
أفضل الأعمال في شهر رمضان.
سأل الإمام علي (عليه السلام) النبي (صلى الله عليه وآله) عن أفضل الأعمال في هذا الشهر، فقال (صلى الله عليه وآله):{ يا أبا الحسن، أفضل الأعمال في هذا الشهر الورع عن محارم الله}، كلمة رائعة تختصر أعمال شهر رمضان، وفيها سر عظيم، إذ أنّ التقوى تتألف من جانبين: إيجابي في الإتيان بالفعل الواجب، وسلبي في ترك المحرم، والنبي (صلى الله عليه وآله) عندما يُركز على ترك المحرمات والتورع عنها يريد من الصائم أن يقوم بتخلية قلبه وجوارحه من كل ما يسخط الله بحيث لو كان العمل الذي يقوم به قليلاً فهو كثير، لأنّ الله يضاعف في هذا الشهر العمل، ولكون العمل ليس قليلاً مع التقوى وترك المحرمات، قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) في وصيته لأبي ذر: {يا أبا ذر، كن بالعمل بالتقوى أشد اهتماماً منك بالعمل، فإنه لا يقل عمل بالتقوى}، كما أنّ النبي (صلى الله عليه وآله) يدعونا كي نفتح صفحة جديدة مع الله خالية من المعاصي والذنوب، تكون البداية فيها هذا الشهر العظيم، وما ذكرناه يمثل القليل من بركات هذا الشهر، وهناك الكثير ينتظرنا بشرط أن نحقق الاستقبال الحقيقي لهذا الشهر حتى يفيض الله علينا برحمته، التي لا تُحد بحدود، ولا يتصورها العقل البشري، نسأل الله أن يوفقنا لأداء وظائف هذا الشهر الكريم وشروطه حتى ننال الكرامة الإلهية.
1- المؤمنون: 115.
2- الذاريات: 56.
3- البقرة: 189.
4- الإسراء: 78.
5- البقرة: 183.
6- البقرة: 185.
7- فصلت:53.
8- لقمان :30.
9- الحشر:19.
10- الأعراف:26.
11- الأعراف:179.







