كيف نستثمر شهر رمضان ؟ 1/2
الشيخ محمد علي الحرز
مما لا يختلف فيه اثنان من المسلمين إن شهر رمضان هو خير الشهور ، وأن الله كرمه وفضله على باقي الشهور لما يحمله هذا الشهر من نكهة خاصة لا نجدها في غيره سواء على الصعيد الديني أو الاجتماعي أو الاقتصادي بل وحتى على الجانب الإعلامي لذا اكتسب طبيعته وميزته .
فهو شهر الهداية والارتباط بالله سبحانه وتعالى ، قال عز وجل : " شهر رمضان الذي انزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان " .
وقد تواترت الأحاديث التي تبين مقام هذا الشهر وعلو شأنه ، منها :
عن الإمام الصادق عليه السلام : " لكل شيء زكاة وزكاة الأجساد الصيام " .
وفي حديث آخر عن الإمام الصادق يرجعه إلى رسول الله صلى الله عليه وآله : " من صام شهر رمضان وحفظ فرجه ولسانه وكف أذاه عن الناس ،غفر الله له ذنوبه ما تقدم منها وما تأخر ، وأعتقه من النار ، وأحله دار القرار ، وقبل شفاعته بعدد رمل عالج من مذنبي أهل التوحيد " .
ورغم كل ذلك فإن الناس تختلف في كيفية التعامل معه إلى طريقتين هما :
أولاً : الطريقة المنقوصة :
وهذه الشريحة تفهم شهر رمضان من خلال أمور ثلاثة تكون محور التحرك والنشاط لديها ، وبمعنى آخر أن مفهومها لشهر الخير مبني على هذه الأسس وبالتالي تتمحور معظم أوقاتهم وحديثهم حولها وهي :
الأول : التفرغ لمشاهدة الفضائيات لساعات طويلة ، ومتابعة برامجها وجعلها مدار الحديث في المحافل العامة والخاصة ، مما يجعل شهر رمضان موسماً للمعصية والبعد عن الله ، وقد تجد الكثير من الناس من ينتظر شهر رمضان على أحر من الجمر ، لا لرغبة بالصوم والعبادة ، وإنما لما يتخلل هذا الشهر من سباق محموم بين القنوات على وضع المسلسلات والتباري بالأفلام .
الثاني : كانت الحكمة الإلهية اقتضت أن يكون شهر رمضان فترة يستشعر بها الأغنياء آلام الفقراء وما يعانونه من جوع وحرمان فيكون دافعاً ومشجعاً لهم على السخاء والعطاء والتحسس بمعانات الآخرين .
إلا أن الواقع عكس ذلك فهو موسم للبذخ والترف ففيه تتباهى ربات البيوت بأصناف الأطعمة من أنواع المشويات ، والمقليات ، والمعجنات ليكون الموسم التي تسمن فيها المهملات وتكثر به المخلفات .
الثالث : " نوم الصائم عبادة ، ونفسه تسبيح " هكذا يتذرع نيّام النهار ، وسهّار الليل لتبرير تصرفهم في هذا الشهر عندما يرتفع منسوب النوم لدى البعض ليبدأ مع شروق الشمس وينتهي بالغروب ، ثم يعود اليوم دورته مرة أخرى .
مما يفقد الصائم واحدة من أهم خواص الصوم ، الاستشعار بالجوع والمعانات التي يعشها الفقراء والمساكين طوال العام لتكون دافعاً له ومحفزاً في العمل على رفع العوز والفاقة عن وجوههم ، ومن هنا اقتضت الحكمة الربانية فرض الصوم على العباد ، ففي الحديث عن الإمام الرضا عليه السلام : " إنما أمروا بالصوم لكي يعرفوا ألم الجوع والعطش " .
ناهيك أن هذا الصنف من الناس في الغالب ما يفوت صلاة الصبح أو صلاة الظهر ، لتعارضها مع برامج النوم لديه ، أو يصليها في وقت متأخر فيذهب عنه وقت الفضيلة .
ولعل هذه الأمور الثلاثة لا تشمل جميع الناس ولكنها تحصد معظمهم على أقل التقادير والنسب المئوية .
والسؤال الذي يقفز أمامنا مشكلاً علامة استفهام كبيرة . كيف نستفيد من هذا الشهر على الوجه الصحيح ؟ خصوصاً وأن المغريات والإعلام والجو العام لا يدفع نحو الوجهة الصحيحة ، وإنما يميل إلى الراحة والخمول ، واعتبار شهر رمضان شهر نقاهة وتنفيه وترويج عن النفس بغض النظر عن الطريقة والوسيلة .
ثانياً : الطريقة الصحيحة :
إن شهر رمضان لا يحمل في طياته بعداً واحداً وإنما يشمل جميع جوانب الحياة فيغذيها ويثريها من خلال عمل البرامج الصحيح الهادف ليرتقي بروح المسلم وشخصيته ويدفعه نحو التكامل والنمو والتي من أهمها :
- الجانب الروحي :
وتكمن أهميته لكونه الشهر ، الذي يخلو فيه العبد بربه ، ويعمل على تصفية روحه ونفسه بعد عام كامل كانت الدنيا أكبر همه ، ولعل الصلاة الخاشعة من أولويات القضايا التي ينبغي الالتفات لها وأن لا تكون صلاتنا كنقر الغراب ، وقد أشبعت الأحاديث هذا الجانب وأكدت عليه بعشرات الروايات
وهذا يتحقق عبر ما يلي :
1- التعلق بالقرآن عبر المداومة على تلاوته وختمه لمرة واحدة على الأقل ، فشهر رمضان كما ورد في الرواية " شهر رمضان ربيع القرآن " ففيه تتضاعف الحسنات وتزاد الدرجات ، ويقبل المسلمون بكل جوارحهم على قراءة القرآن والنهل من معينه . ففي قراءته الشيء الكثير فقد ورد :
عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((خياركم من تعلم القرآن وعلمه)). وقال صلى الله عليه وآله وسلم: ((إذا أردتم عيش السعداء وموت الشهداء والنجاة يوم الحسرة والظل يوم الحرور والهدى يوم الضلالة فادرسوا القرآن فإنه كلام الرحمن وحرز من الشيطان ورجحان في الميزان)). وورد عن الإمام الصادق عليه السلام: ((… فإن درجات الجنة على قدر عدد آيات القرآن فيقال لقارئ القرآن اقرأ وارقَ)).
وفي قراءة القرآن ينبغي مراعاة عدة جوانب الجديرة بالعناية والاهتمام :
- أن نقرأ القرآن بشكل جماعي بحيث يشترك معنا الحضور أثناء القراءة الزوجة والأبناء مهما بلغت أعمارهم ، لما فيه من توثيق علاقة أولادنا بالقرآن الكريم ، وغرس حبه في نفوسهم ، فالطفل يعلق في ذاكرته ما يشاهده ويعيشه أبان طفولته ويؤثر في نفسيته ، يقول سبحانه وتعالى : " يا أيها الذين آمنوا قوا وأنفسكم وأهليكم ناراً " .
- نقرأ في كل يوم جزء أو جزئين من القرآن الكريم على أقل التقادير ، ولا ننسى أن نصحب تلك القراءة بالتدبر والتأمل في معاني الآيات لما يحمله كتاب الله من دروس وتوجيهات تربوية كبيرة تساهم في بناء النفس وتشذيبها ، وإذا ما استعصيت علينا آية لا يمنع أن نسأل ، أو نرجع إلى كتب التفسير للتزود والاستفادة أكثر وأكثر .
- أن نحفظ بعض سور القرآن الكريم ، أما من طوال السور و المتوسطة لننمي رصيدنا من القرآن الكريم ، أو الجزء الثلاثين الذي يضم قصار السور ، وفي هذا الصعيد من الجميل أن نعمل مسابقة أسرية في المنزل لتكون عامل محفز للأطفال لحفظ القرآن الكريم .
2- الإكثار من قراءة الأدعية وعمل المستحبات الرمضانية ، فقد خص الله هذا الشهر عن غيره من الشهور بالأدعية والمستحبات ، منها الأعمال العامة المطلوبة في كل ليلة ، ومنها الأعمال الخاصة ببعض الليالي ، كليالي القدر والعشر الأواخر ، وكتب الأدعية تحوي الكثير من هذه المستحبات التي تربط العبد بربه .
3-حفظ الحديث الشريف ، فالروايات هي رسالة وتعاليم الرسول الأعظم ، وأهل بيته الأطهار عليهم السلام لنا ، وهي تحمل في طياتها الكثير ...الكثير من الرؤى والفكر والتربية إلينا ، ومناسبة رمضان هي فرصة لتقوية روابطنا بأهل البيت عليهم السلام والاستقاء من رحيق علومهم ، ففكرة حفظ حديث أو حديثين يومياً لا يعد الشيء الكبير ، ولكن في نفس الوقت لها من الأجر العظيم ما لا يعلمه إلا الله ، وهذه الصفة ينبغي غرسها في نفوس أسرنا ففي الحديث عن الرسول الأكرم : " من حفظ من أمتي أربعين حديثاً مما يحتاجون إليه من أمر دينهم بعثه الله يوم القيامة فقيهاً عالماً " .
4- الحرص على أداء الصلاة في أوقاتها المفروضة ، فالصلاة عامود الدين إن قبلت قبل ما سواها وإن ردت رد ما سواها ، والحرص عليها والحفاظ على أدائها في أوقاتها المحددة دلالة على الإيمان ، والعمل على القرب من الله ، وأن تكون صلاتنا خاشعة وبتوجه .
5- الاتصال بمجالس الذكر والتثقيف الديني والروحي ، ففي شهر رمضان تنشط اللجان الدينية وتكثر فيه المجالس الحسينية ، والمحاضرات والندوات ، وهي تتخذ في الغالب المنحى التوجيهي وتركز على البناء الروحي عبر الروايات والشواهد التاريخية ، الأمر المحفز للإنسان المؤمن أن يتفرغ لعبادة ربه وبناء روحه .







