بيت العنكبوت الشيعي
الأستاذ علي جعفر
ذكر أحد الباحثين السنة في الدراسات السياسية وهو الدكتور عبدالله النفيسي حول عقيدة التشيع يقول " أن هذا المذهب لوحده وما فيه من أركان يعتبر مصدر تخويف للقوى العالمية الكبرى ولبقية المذاهب " ، فعندما نتحدث عن التشيع فإننا نتحدث عن قوة فولاذية تتصف بالنضج والحيوية والعمق والمنهج العلمي الرصين لكنه في المقابل نجد أن هناك وهناً في ساحتنا الشيعية في التعاطي مع هذه القوة الفولاذية والمحافظة عليها من الصدأ من خلال رسم إستراتيجية العمل الثقافي والحركة الفكرية في المنظومة الحضارية وكأننا نتحدث عن بيت العنكبوت هذا البيت الذي يحتوي على خيوط أقوى من الحديد الصلب لو كان بحجمه بخمس مرات ويتميز بالمرونة العالية وأقوى من السُترة الواقية من الرصاص بثلاث مرات ولكنه يوصف بالوهن والضعف نتيجة عدم الألفة في داخل هذا البيت فالعنكبوت يقتل الذكر بعد التخصيب ،إن قوة الخيوط تجعل من المتوقع أن يكون البيت من أقوى البيوت على الإطلاق ولكن ضعف البيت وقابليته للضرر والصحة واضحة للصغير قبل الكبير برغم قوة خيوطه ، ولذلك عبر الخالق عزوجل " إن أوهن البيوت لبيت العنكبوت " ثم أردفها" لو كانوا يعلمون " عن قوة خيوطها الفولاذية.. نعم هذه هي قصة بيت العنكبوت الشيعي. إنني أتساءل كيف نستطيع أن نجمع بين قوة الخيوط الفولاذية المتمثلة في المعتقد وبين ضعف البيت الشيعي المتمثل في التراوح والتوجس والسكون في رسم استراتيجيه العمل الثقافي في عصر الانفجار المعلوماتي .
يرتبط وهن البيت العنكبوتي لدينا في فريق النوايا الحسنة المتحفظ والمتوجس من التغيير فهو يصدر أحكامه عن الواقع ويقرئاها من منطلق العاطفة الدينية ونحن نعلم أن فهم الواقع والإجراء المناسب المتخذ يتحدد من خلال المنطق العلمي والعقل النظري ، فريق النوايا الحسنة إما لا يرى أن هناك مشكلة داخلية أو يعتقد أنها مشكلة طفيفة أوانها كبيرة لكنه يمكن تفاديها بأدوية بعيدة المدى لحل المشكلة هذا الفريق يعتقد أن المشكلة الرئيسية في خارج الجسم الإسلامي مثل الغرب أو خارج الجسم الشيعي وهي السلفية السنية ومصداق ذلك ماسمعناه قبل فترة من مقولة" نشر الغسيل الشيعي على الشبكة العنكبوتية" ونحن نعلم أن الأزمة الداخلية يلعب مرور الوقت دوراً في تعميقها والمضاعفة من خطورتها فلا بد من عمل عقلاني مكثف وجذري في رصد الظواهر الاجتماعية وإشباعها بالبحث والتحليل وضرورة أن يتحلى الجميع بالجراءة في نقدها مستنكرين لهؤلاء الذين يخشون الانتقاد بمبرر ظهور معائبنا للآخرين وخصوصاً الآن لم يعد وضع الطائفة والمرجعية أمراً خفياً بل هي تحت المجهر وتجرى حولها البحوث والدراسات فعلينا الترشيد والتوضيح بالتداول والنقاش العقلائي الحُر حتى وان كان علنياً لكن بعيداً عن اطلاقات الإساءة والتجريح نعم علينا الحذر من الأخر المعادي والتنبه لمخططاته و لكن ليس بأسلوب التستر والتعتيم فليتعلم الأخر إن ائمتنا الأطهار هم فقط وفقط الخطوط الحمراء التي لا يمكن تجاوزها بأي حالٍ من الأحوال .
فريق النوايا الحسنة لديهم قاعدة في اللاوعي وربما الوعي حتى لو إنها أبطلت في مباحث الفقه والأصول وهي "دفع المفسدة أولى من جلب المصلحة " ولأنهم حريصين على الدين من موقع العاطفة الدينية فهم أكثر اهتماماً بالسلبيات التي ستقع بأمر الايجابيات
فيُعطل المشروع إيمانا منهم بأن السلبية الناشئة من عدم الفعل أخف على النفس من تلك الناشئة عن الفعل أو لعلهم يبررون خوفهم من جانب أخر عن أهمية جدوى وجود ضمانات للمشروع متناسيين أن تعطيل المشروع بنفسه سلبية على الوضع الديني وإنها ستتفاقم مع مرور الأيام ، أما عن الضمانات فلا أحد في العالم يستطيع أن يعطي ضمانات حاسمة في أي مشروع فليس الموضوع موضوع سلبيات بقدر ماهو موضوع قياس لحجم العمل وتأثيراته الايجابية التي يؤخذ بعين الاعتبار فيها عنصري الامتدادات الزمنية والمساحة المكانية .
فريق النوايا الحسنة يتعاطى في الميدان الثقافي من موقع ا لحرص على الدين فتجدهم يغرقون أنفسهم في محاولة اكتشاف النوايا وهذا عمل غير ثقافي فضلاً عن كونه غير أخلاقي فمثلاً هل يعقل أن نقول أن السيد الكلبايكاني رحمه الله وهو يرى أن الفلسفة تؤدي إلى الضلال حتى مع إرفاق البحث الفلسفي أن يتهم السيد محمد حسين طبطبائي أنه لايحمل هم الدين أو غير حريص على التشيع لأنه رفع وشاد أعلام الفلسفة في الحوزة العلمية .
إنني أقول أخيراً إنه لنوع ٌ من خداع الذات واستغبائها بل وتخديرها أن نحاول الهروب من مشاكلنا والقفز على عيوبنا والتخلف الداخلي بمبررات الخارج وضرورات الصراع ، اللبنة الأولى هي إصلاح مافسد من واقعنا لبناء بيتنا الشيعي المتنوع في حجره الفسيفسائية الجميلة وخيوطه الفولاذية ولكن ليس على شاكلة خيوط بيت العنكبوت .







