فقد أمسى حجم الإرهاب مخيفاً حتى أطلق عليه البعض (الحرب العالمية الثالثة) لمدى انتشاره ومستوى آثاره وتفاعل الدول واستعدادها لمواجهته. وتشير بعض الدراسات المختصة بالإرهاب إلى تعريفات متعددة له, وإلى شروحات مفصلة عن أساليبه وأنواعه كالاختطاف والاغتيالات والتفجيرات التي يتساقط المدنيون كضحايا على جنباته, وهو موجه -في أغلبه- ضد الدول أولاً والشعوب ثانياً.
وفي الوجه الآخر, نجد أن حجم العنف أيضاً بات مهولاً حتى اهتمت به المنظمات الدولية كهيئة الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية المختلفة, والدراسات المختصة به أشارت إلى حجم انتشاره في المجتمعات كافة, وإلى تعريفاته وأنواعه كالإجرام والسرقات والقتل, وإلى دوائره كالعنف المدرسي والأسري والاجتماعي والجنائي.. ويصدر دائماً من الناس ضد بعضهم البعض. وبينما الإرهاب واضح في صورته وخطورته عند الجميع, يبقى الاهتمام بالعنف قليلاً وهو الذي يعتبر السبب الثالث للوفاة بين الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 15-44 سنة من مختلف أنحاء العالم, ويُعتبر مسؤولاً عن 14% من وفيات الذكور و7% من وفيات الإناث! وقد بلغ عدد ضحاياه من الأطفال نصف مليون!
ربما تساعد سلوكيات وثقافة العنف الموجودة في المجتمعات على خلق أرضية خصبة لنشوء سلوكيات وثقافة الإرهاب. وذكرت منظمة الصحة العالمية تعريفاً للعنف بأنه (الاستعمال المتعمد للقوة الفيزيقية- المادية- أو القدرة, سواء بالتهديد أو بالفعل من قبل الشخص ضد نفسه أو ضد شخص آخر أو ضد مجموعة أو مجتمع بحيث يؤدي إلى حدوث إصابة نفسية أو سوء النمو أو الحرمان) ومنه العنف الموجه نحو الذات والعنف بين الأشخاص- العنف الأسري والمجتمعي- والعنف الجماعي.
لذا فإن بناء طريق محاربة الإرهاب ينطلق من تأسيس ثقافة معاكسة لثقافة العنف التي تكرّس الإرهاب, والتفريق بين الإسلام الحقيقي والإسلام المشوه الذي ينتج عنه سلوكيات لا تختلف عن الممارسات الجاهلية التي حاربها رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسلم والسلام, كالحمية الجاهلية والتعصب العنصري والقبلي حيث كانا مسيطرين على تعامل الناس وعلاقاتهم مما أدى إلى حروب وصراعات دامية. فجاء الإسلام وأسس لثقافة إنسانية جديدة, ثقافة التسامح والسلام التي تؤدي إلى سياسة حرمة الدماء وعدم هدرها, بينما ثقافة العنف تفضي إلى سياسة سفك الدماء وإراقتها. وهذا ما أراده القرآن حيث عادل قتل النفس الواحدة بقتل البشرية كافة في قوله تعالى: {من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً}.







