الرئيسية وطنيات أخبار بانوراما أقلام حقيبة التوافق لمراسلتنا من نحن البحث

الأكثر قراءة في اسبوع
 

أسئلة الاستبداد والحرية (3)
حسين أحمد بزبوز - 2008-08-21 15:26:11 - القراءات [488]

أسئلة الاستبداد والحرية (3)

حسين أحمد بزبوز

  استكمالا لنقاشنا السابق في مقالتين سابقتين تم نشرهما، واستكمالا للبحث في موضوع الحريات وحدودها والاستبداد ومصاديقه والقيود الفكرية ومشروعيتها، سننتقل في هذه المقالة - إنشاء الله - للنقاش في السؤال الثالث من مجموعة الأسئلة الثلاثة التي طرحناها فيما مضى وأطلقنا عليها مسمى (أسئلة الاستبداد والحرية)، والسؤال هو السؤال التالي:

 

* هل الديمقراطية تتعارض مع ضوابط دينية (1) ضد حرية التفكير؟.

 

                ولا شك أن قضية الضوابط والقيود الدينية (والتي سنشير لبعض الأمثلة عليها لاحقا) المكبلة للحريات في المجتمعات الإسلامية القديمة أو المعاصرة، ليست قضية ترف فكري أو جدل بارد ليس له مصاديق خارجية فوق أرض الواقع كما قد يتصور البعض. بل  القضية قضية محورية واقعية وحساسة في نفس الوقت. وتستحق منا بذل الكثير من الجهد والنقاش والبحث والأخذ والرد وتحريك العقول كثيراً، أو قليلاً على الأقل.

وهنا عند طرح السؤال السابق بهذه الصيغة السالفة، قد يتبادر لأذهان البعض إشكال في أوليات النقاش المطلوب، لأن التفكير عملية ذهنية داخلية حرة بالمطلق، ينجزها عقل (الفرد) - أيا كان -، بعيدا عن أي قيد أو شرط كما يتصورون، فبالتالي لا معنى لطرح هذا السؤال بتاتا.

ولا شك أن هذا الكلام من زاوية النظر الضيقة التي تنظر للفرد باستقلالية تامة، قد يكون حينها كلاما صحيحا نوعا ما. لكن من الزاوية الأوسع، عندما ننظر لكامل الأمة، فلا شك أنه يمكننا القول أن الكلام السابق ليس صحيحا إطلاقا. لأن مقصودنا هنا يكمن أساسا في ما يتعلق بـ (التفكير الجمعي)  خصوصا، المرتبط بفكر أفراد المجتمع ككل، والذي يمكن اعتباره جزءاً واحداً لا يتجزأ.

 فهذا الفكر يمكن بلا شك تقييده بتقييد حرية الأفراد و أجهزة الإعلام وبضغط أو اختزال أوعية وقوالب المعرفة التي تشكل اللبنات الأساسية لتفكير المجتمع.

 ثم بعد هذا التفكير الكلي، يأتي من جهة أخرى أيضا التفكير الفردي الحر - الذي يشكل لبنة أساسية من لبنات تفكير الأمة -، والذي يمكن تقييده كذلك بعدة طرق. فخارجيا: بالتضليل تارة، وبقمع حريات التعبير وخنق مصادر المعرفة والوعي تارة أخرى، وداخليا: بإرادة الأفراد الذاتية واختيارهم، واستجابتهم للهواجس النفسية - دينية كانت أو غير دينية -، ورضوخهم ورضاهم بخطوط القمع الملونة التي تفرض على عقولهم وقلوبهم من الخارج، لتحد من عمليات التفكير لديهم، والتي يفرزها البعض ممن يمتلكون أزمَّة التأثير والسيطرة والتوجيه في الأمة، ثم يدفعونها بطريقة ما لتتسلل بهدوء وخفة ثم تستقر في تلافيف المخ البشري المعقدة، فتفسد آليات التفكير فيها، ويصاب المخ حينها بالعجز والضمور الفكري، ... وهذا تارة ثالثة. وكل هذا معروف عند أعزائي القراء طبعا.

فكلا التفكيرين إذا (الفردي والجمعي)، يتطلب بالتأكيد أجواء الحرية الفكرية المطلقة، باعتبار تباين تفكير الأفراد وتعدد رؤاهم، موردا مهما من موارد إشباع عملية التفكير الحر، ومصدرا لإلهامها وإمدادها بزخم هائل من الخيارات والاحتمالات القابلة للمعالجة الفكرية الإبداعية، التي تحتاج وقودا حيويا فاعلا وصالحا لا ينضب، لا شك أنه ضروري لعقلنة الأمور للدخول في جميع منافذ الإبداع، عبر عقول نهمة ... قادرة على المراجعة الفكرية والمحاسبة والمساءلة، ... ثم الانطلاق العقلي، وبعده الازدهار والنماء العام لتحقيق الطموحات البشرية الممكنة.

وهنا سيجري حديثنا عن مشروعية وضع بعض الضوابط أو القيود أو الأقفال الدينية الخاصة، التي ينتجها بعض حراس العقيدة تفضلا منهم، لتوضع أغلالا على بعض منافذ العقل الحر ومخارج الفكر والمعرفة الواسعة، التي تسهم في تقوية عملية تفكير ضخمة تعبر عن مكنونات مجتمع بأسره، لا ينحصر بتفكير فرد واحد بحد ذاته منكفئا على نفسه كما يريد أن نفكر البعض، يغلق على نفسه أبواب غرفته المظلمة، ليشك في ظلامها في بعض عقائد اليهود أو المجوس أو النصارى أو المسلمين ... أو غيرهم، أو أفكارهم، دون أن يجهر بمجريات فكره الحر، متبعا في ذلك بعض الوصايا والتعاليم البشرية المريضة الموروثة والمقدسة أو المنهج الجامد المغلق الملقن سلفا من قبل بعض المتشددين والمتزمتين الدينيين الرافضين للمراجعة الفكرية والمحاسبة والحوار والتعايش والشراكة مع الآخر، وكل هذا كي لا يتهم حينها في عقله أو عرضه أو دينه، وكي لا تصادر منه حقوقه أو ممتلكاته أيضا. فحسب هذه العقيدة والطريقة الفذة والمميزة المعهودة لؤلئك المتطرفين الدينيين، يصادر الفكر الحر بالقوة الكامنة في وهج النار المقدسة أو بتحريك الغوغاء لتحكم قبضة الوصاية الفكرية ثم المادية على ذلك الفكر الحر، الذي سيوضع بعدها في القمقم إلى ما شاء الله.

ولأننا مجتمعات دينية فقد تم اختيار النقاش في تلك الضوابط والدوافع الدينية تحديدا دون غيرها، والتي يتم فرضها على عمليات التفكير والتعبير عن الرأي لتقصي ما خالف المتسيد من آراء حتى وإن كانت تلك الآراء نفسها سيئة، لا بسبب نتائج سلبية أفرزها ذلك الرأي المخالف فوق أرض الواقع، بحيث يمكن أن يدركها ويتعقلها المجتمع، بل فقط وفقط لسبب وحيد تحترمه وتقدسه فئة مخصوصة، هو أن ذلك التفكير وتلك القناعات والآراء مخالفة لعقيدة أو لدين أو لفهم أو لقناعة أو اجتهاد غالبية أو أقلية ذات سلطة ترهيب مادية أو معنوية نافذة في المجتمع، بها تتم الهيمنة على المجتمع، من قبل فئة تكسب فهمها للدين والحياة حصانة خاصة، ومصداقية تجعل من فهمها فقط هو الفهم الوحيد الصحيح والمستقيم الغير قابل للمساءلة والمحاسبة، وهو فقط الذي يمتلك القدرة لتحقيق السعادة والرفاه في المجتمعات الإنسانية كافة ودون استثناء، مهما تنوعت تلك المجتمعات أو تغايرت، فيحق له بالتالي أن يظهر في المجتمعات وحيدا، وأن يتجذر فيها دون سواه، وأن يتداول بين الآدميين بمفرده، بل حتى بين الحيوانات أيضا لو أمكن ذلك. كل ذلك طبعا بعد الإقصاء القسري لكل المحاولات الفكرية الأخرى من ساحة الفكر في البلاد التي يهيمن عليها الفكر الاحتكاري المغلق. لذا تم اختياري لهذا العامل تحديدا. ورأيت من الواجب علي التركيز على هذا النمط من التفكير المغرور والمستبد. بسبب مفاعيله الخطيرة فوق أرض واقعنا الإنساني، وفي ساحات التطبيق سياسية كانت أو اجتماعية أو ثقافية أو دينية، باعتبار ذلك التفكير الأعمى بوابة خطيرة لأشكال القمع الأخرى المختلفة والمتنوعة، أي لأنه بتعبير آخر مصدر كل الشرور وأساس كل الفتن وكل البلايا مهما كان لونها - وهذا للمبالغة طبعا (كي لا يزعل البعض) -.

                وهنا عندما يستلهم بعض الإخوة من طرحنا السابق هذا عدم مشروعية وضع الضوابط والأغلال الدينية قيودا قسرية فوق عمليات التفكير الحرة، سيجادل ذلك البعض في أنه لابد دائما وأبدا من أن تقمع أو تمنع بعض الحريات الفكرية، مستنجدين في ذلك ببعض الشواهد المغلوطة جهلا أو عمدا بغية التضليل. كحرية الدعوة للقتل، أو حرية الدعوة للسرقة، أو حرية الدعوة للعنصرية .... وما شابه ذلك. والرد هنا على هؤلاء سهل وشائك في نفس الوقت، خصوصا عندما نأخذ في حساباتنا الفكرية الخلفيات الذهنية والعاطفية المشوهة لدى هؤلاء أو غيرهم، والتي تكونت في أجواء مجتمعات القهر والديكتاتورية والاستبداد والقمع والجهل والتجهيل والضعف في مستويات الإدراك والأداء الفكري والعقلي في مجتمعاتنا الإسلامية، التي اعتادت أن تورِّث باستمرار قوالب مصطنعة جاهزة ومقدسة، تفرض أنماطا مسبقة من المنطق المقيد للعقل، لم تعرف جراءه يوما بشكل حقيقي وواقعي معاني وقيم حرية الفكر وحرية الاعتقاد وحرية التعبير عن الرأي بالشكل الصحيح والدقيق، لأنها لم تفكر يوما أو لم تجهد نفسها في أن تفكر خارج السرب، أو أن تنظر لنفسها من الخارج ولو عبر مرآة مكسورة. إذ لا شك أبدا في أن هناك حريات مستثناة دائما وأبدا من قائمة المشروعية للحريات الطبيعية، لما تشكله تلك الحريات من خطر لا مراء فيه. فتلك الحريات يجب بلا شك أن يقيدها المجتمع، وأن تمنع. لكن ليس معنى ذلك أن يصبح الأصل هو الفرع، أو يصبح الفرع هو الأصل، كما تفعل مجتمعاتنا الإسلامية غالبا. فالحقيقة التي يجب أن نتوقف عندها هنا مليا ليعمل الجميع عقولهم في فهمها ووعيها وإدراكها، هي: (أن الحرية من حيث الأصل والمبدأ - وبالفطرة -، مطلقة وليست مقيدة. بل لا يصح أن تقيد إلا بالاستثناء المبرر واقعا، أي المسنود بالأدلة. ومن خالف ذلك فقال بالاستثناء غير المبرر فهو الخاطيء حتما، حتى يقيم الدليل على العكس). فحريات التفكير والتعبير عن الرأي هي حرم الله المقدس، فهي الفطرة التي يجب على الجميع احترامها وعدم المساس بها إطلاقا، إلا بالاستثناء المقبول طبعا، بل وتجب حماية الحريات وإتاحة مختلف الظروف والأسباب لتنميتها وازدهارها وتمددها مهما ضاقت التقنينات العصرية والحضارية بذلك، لأن الحريات، والتفكير والتعبير الحر عن الرأي ومشاركة الأفكار والتي هي (ألف باء الحريات)، هي الواهب الحقيقي لمعاني وقيم ومشاعر كثيرة ضرورية، ككرامة الإنسان وعزته وشعوره بالراحة والأمن والرضا والاستقرار والطمأنينة، وككوننا كائنات عاقلة مفكرة حرة قابلة للتطور والنماء والازدهار (إذ لا يمكن أن تكون هناك تنمية حقيقية ولا كرامة مهما كان نوعها ولا ازدهار حقيقي، إلا إذا كانت هناك حريات حقيقية متحققة ومكفولة للجميع وغير مسلوبة). أما التضييق والمنع وفرض الضوابط والقيود والشروط على العقل والمنطق والتفكير، وإن كان منطقيا فليس سوى استثناء يجب أن لا يوسَّع، وينبغي أن تكون له علته كي لا يتجاوز أهدافه والحدود المنطقية له، وهي حفظ الحياة والأمة والمجتمع والنظام والنمو والازدهار، عندما تقتضي المصالح العامة ومتطلبات الحياة ذلك. لذا يجب أن تقر ضوابط الحريات أقلا عبر التصويت والاقتراع والاتفاق الشعبي، فلا يكون تقنين الحرية خاضعا لأمزجة أو غرائز بعض ذوي الأهواء والغرائز الفردية المنفلتة، أو مجيرا لمصلحة أو قناعات فئة تسلط واستبداد دينية مخصوصة. ومعنى هذا أنه لا يكفي أن تكون الضوابط ضوابط دينية تخدم رؤية ومصالح فئة محدودة من الناس دون أن يكون لها أية مبررات أخرى منطقية وشعبية سوى كونها عقيدة أو دين تلك المجموعة المخصوصة من الناس. لأنه إذا جاز لمجموعة دينية أن تصادر جزءاً كبيراً أو قليلاً من تفكير الناس وحرياتهم بذرائعها الدينية الخاصة، فإن ذلك يعطي مبررات قوية للفئات الدينية الأخرى - أيا كانت -، أن تمارس هي أيضا نفس ذلك الدور. كما أن كون هذه الضوابط غير قابلة للإلغاء أبدا، حتى عندما يقتضي الواقع ذلك، كأن يتضاءل مثلا أنصار العقيدة المهيمنة في فترة من الفترات، يؤدي حتما في مثل تلك الحالة الظرفية الممكنة، لنشوء الاضطهاد والجور والاستبداد. والمسألة تصب في النهاية في خانة قضية التداول السلمي للسلطة بين فئات المجتمع المتنوعة في ظل نظام ديمقراطي يسمح بذلك. وبذا نعود بهذه النتيجة لنتيجة المقالة السابقة، لنقول بضرورة وجود النظام الديمقراطي الذي يسمح بحرية التفكير والتعبير عن الرأي، ويتيح التداول السلمي للسلطة. وهكذا سنعود لنؤكد المفهوم القديم الجديد والذي ذكره الآخرون وذكرناه آنفا وتكرر لاحقا في مواضع أخرى، وكان مفاده أن الحرية يجب أن لا تقيد أو تقنن إلا بالحرية نفسها، أي عبر صناديق الاقتراع و الانتخاب ... وفي أضيق الحدود الممكنة طبعا، ووفق مبررات عقلية منطقية تنظيمية ضرورية خاصة معروفة وواضحة. وبذا أتصور أننا نكون قد قدمنا مبررات كافية وواضحة - أساسها المنطق - لعدم جدوائية وعدم مشروعية تطبيق أي ضوابط دينية تتجاوز حاجز الشرعية التي يقرها نظام الانتخابات. وكل هذا لمن أراد التفكر والاستبصار طبعا. أما من أراد البناء على منهج التخبط في الغيبيات، عبر افتراض نفسه وصيا على الناس من قبل الله، متصلا بنور العصمة ووحي السماء، ومطلعا بشكل حصري على معاني الدين الصحيحة التي تخوله دون الآخرين أن يكون منفذا حصريا لقمع فكري تقبله السماء، فذاك شأن آخر يفعله الكثيرون.

                وهنا من باب الزيادة في الإيضاح لأولي الألباب، الذين يستمعون الخطاب البشري فيتبعون أحسنه، يجب أن نقول: أننا كمسلمين وإن كانت لدينا عقائد وعبادات وقوانين دينية خاصة مهما كانت حقة، فيجب أن نعترف أننا نعيش في عالم متغير متقلب متبدل لا يتسع لهيمنة فكر الفئات النرجسية، وقد تنبذ عقائدنا أو قناعاتنا يوما من الأيام، ولو أقلا في بقعة ضيقة من بقاع هذه الدنيا العريضة التي نريد فرض قناعاتنا الخاصة عليها. وبالإضافة لذلك فهذا العالم كان ولا يزال بحسب الواقع، خليطا لمزيج غير متجانس من البشر من تيارات وديانات وتصورات وعقائد متباينة ومختلفة في مختلف بقاع الدنيا حتى ربما بما في ذلك أضيق بيوت العالم الفقيرة. لذا لا يصح أن نفرض على الأنظمة السياسية للدول والكيانات الاجتماعية المتشكلة في كافة أصقاع هذا العالم الواسع والمتنوع، صيغة سياسية واحدة جامدة وغير قابلة للتحول أو التحور أو التبدل لتتوافق مع تنوع وتغير وتبدل الفكر البشري والنسيج الاجتماعي الذي قد يحكمه ذلك النظام السياسي المطروح يوما ما. والذي يجب من أجل نجاحه وفاعليته ومشروعيته، أن يحقق التوازن بين مختلف مكوناته وأطيافه. بينما النظام الذي نطرحه نحن (أي يطرحه الإسلام التقليدي المفترض في نفسه العصمة بطريقة اللامبالاة التي يمارسها تجاه الآخرين)، فيطمح أن يكون نظام الحكم دائما وأبدا نابعا من رؤيته الأحادية وفهمه الخاص للدين والحياة. تلك الرؤية التي تستلهم إقصاء الآخرين بشكل فاضح، وذلك الفكر الذي يرفض التعايش مع المختلف دون تحجيمه وتهميشه، وهو يدَّعي أن هذا كله نابع طبعا من الفهم الصحيح للدين والتمسك الحقيقي بعقائد الإسلام والشريعة المحمدية الأصيلة. لأن ما عدا ذلك في منظور هذا الفكر المتشدد يفتح المجال واسعا لغير المسلمين لاستلام السلطة يوما ما، أو يتيح لهم إدخال بعض التشريعات في أنظمة الحكم المشترك فيما بينه وبينهم. وهذا لا يصح بأي حال من الأحوال في نظر أصحاب هذا الفكر المتشدد، حتى وإن كان الآخرون شركاء في الوطن. لذا يرفض هذا الفكر الضيق هذا الاقتسام، وبهذا يجافي هذا الفكر المنطق ويتجاهل التجارب ويتجاهل الشراكة القسرية الطبيعية، ويقصي نفسه عن الواقع المتبدل والمتحول في هذه الحياة على الدوام.

                لذا فإننا يجب أن ندرك أن الإسلام النمطي التقليدي الذي ورثناه كابرا عن كابر، والذي نمى وترعرع في مخيلاتنا في أجواء الديكتاتورية والتسلط والقمع في البلاد الإسلامية والعربية على مر التاريخ، لا شك أنه سيتحول بمجرد خروجه من القمقم لحيز التطبيق والتنفيذ، لنظام ديكتاتوري من ذلك النوع الديكتاتوري نفسه الذي نشأنا فيه وتعودنا عليه وعهدناه عبر التاريخ، أي أنه سيكون نظام قمعي من الطراز الأول، أي مع مرتبة الشرف والامتياز، ما لم يبدل ملامحه من جديد. أما الإسلام المحمدي النقي الأصيل الذي غُيِّب عن الأذهان تغييبا قسريا على مر الدهور، فهو إسلام سمح بسيط، يستلهم في مناهجه ورؤاه الاجتهادية مساحات الحرية الواسعة التي ولد ونما فيها الإسلام المحمدي الحقيقي الأصيل في بيئته وعهده الأولى، أي قبل أن تتسيد الأنظمة الظالمة المستبدة ساحة الحكم في بلاد المسلمين باسم الإسلام، فتحرف تفكير وتصورات المسلمين عن إسلامهم ودينهم، فتطبعه بطابع الاستبداد. وقبل أن تولد الأنظمة الحديثة المعقدة بكل ما فيها من تشعبات وتقنينات غطت بظلال سلطتها التنفيذية والتشريعية مختلف مناحي الحياة، التي لم تكن كذلك في يوم من الأيام. أي أنه الإسلام الذي يؤمن بالديمقراطية والحرية الفكرية، ويراعي متطلبات الحياة ومتغيراتها السياسية والاجتماعية ... الخ. فهو إذا إسلام مختلف تماما عما يتصوره الكثيرون منا بسبب مسبقاتهم الذهنية الخاطئة الموروثة. لذا قد يصعب على الكثيرين الذين لم يألفوا ذاك الإسلام، أن يجدوا ذلك الإسلام الآن معبرا بصدق عن فهم حقيقي للإسلام بصورته النقية. كما صعب عليهم من قبل تقبل كثير من الحقائق التصحيحية التي طرحها الواعون من أمثال الإمام روح الله الخميني (قدس سره) أو غيره من العلماء الواعين. لكننا بناء على وعي واقع المسلمين اليوم وفكرهم المأزوم، ووعي بيئة الإسلام الأولى ومساحات الحرية الواسعة فيها، وبناء على غير ذلك مما سبق ذكره من إضاءات، يمكن أن نقول: أن الإسلام الحقيقي المغيب عن الأذهان، والديمقراطية - الراعية للأخلاق والفضائل طبعا -، ليسا أبدا نقيضين. إنما النقيض للديمقراطية هو في الحقيقة تصورنا الضيق المسبق عن الإسلام، وعدم رغبتنا في التدرج في التطبيق السلمي لهذا الدين الحنيف (كما فعل الإسلام بداية عهد الدعوة)، وعدم رغبتنا في التداول السلمي للسلطة مع الآخرين، وعدم رغبتنا في أن تتاح للشعوب حرية الاختيار السلمي للنظام الحاكم للحياة المشتركة بين مختلف المكونات والتوجهات والمعتقدات والأطياف - سواء كان نظام الحكم دينيا أو غير ديني -.

                وأنا أعلم هنا أنني قد أطلت وأسهبت في هذا المقال كثيرا (كما يشكل على ذلك كثيرا بعض القراء)، لكنني أتمنى أن يتفهم البعض أن ذلك ضرورة ملحة إن لم تهم الكثيرين منهم، فقد تهم البعض، وتساعدهم في رسم خارطة ذهنية متكاملة، تساعد في إحاطة الموضوع بشبكة مفاهيمية واسعة، لا غنى عنها في حواراتنا وتلاقحنا الفكري هذا من أجل فهم الحقيقة، ليجد القراء بعد إثارة التساؤلات مساحة حرة وميدانا واسعا للإبحار والانطلاق دون وصاية من أحد في تحديد المسار وتشكيل أو تكوين القناعات الخاصة. ولو كنت أجد طريق الاختصار كافيا شافيا بالإطلاق، لفضلته دائما وأبدا، بدل سلوك طريق الإطناب المتعب والممل الذي قد لا يستفيد منه أحد.

                وعموما، يمكننا عند هذه النقطة القول أن هناك لدى البعض نظرة فكرية طوباوية حالمة غير واقعية ساعية نحو الحقيقة والعدالة السرابية والضبابية، ترى من تكليفاتها وواجباتها الدينية ضرورة تطبيق ضوابط دينية إسلامية أو مذهبية تقصي بعض الآراء أو الأفكار أو القناعات أو المعتقدات (المنحرفة) - حسب وجهة نظرها الخاصة ومفهومها للدين -، مهما كلف الأمر. لا لشيء إلا لأن تلك الأفكار أو القناعات أو المعتقدات تخالف عقيدتها ورؤيتها الخاصة وفهمها للدين، والتي تقتضي ضرورة تطبيق تلك الضوابط دون قيد أو شرط ودون احتكام لنظام ديمقراطي ودون اعتراف بشريك وطني ودون عناية بالتغيرات والتحولات الاجتماعية والفكرية والعقدية والسياسية الممكنة. و كل ذلك لا شك أنه خير مولد للشرور والخراب والديكتاتورية والقمع فوق أرض الواقع ... لأنه خير قاتل للتعايش والرضا والتداول السلمي للسلطة في أي نظام كان، مما يجعله في ساحة التطبيق مجافيا تماما للواقع، بينما هو في ساحة التنظير وفي الخيال الشعبي للجماهير المؤمنة قد يكون في قمة ومقدمة الأنظمة الحقوقية الورعة والعادلة، بحسب تلك العدالة الساذجة البسيطة التي يضحك بها على عقول البسطاء.

 

                وهنا لو حاولنا أن نلقي نظرة سريعة على بعض القيود والضوابط المتناقضة والمتضاربة والمجافية للواقع، التي تفرزها أو تفرضها تيارات الحالة الإسلامية المتشنجة، لوجدنا بينها ما يلي: بعض الشيعة ينادون بمنع كتب بعض السنة، وبعض السنة ينادون بمنع كتب بعض الشيعة، وبعض المسلمين سنة وشيعة ينادون بمنع بعض أو كل كتب أهل الكتاب وبقية الأديان الأخرى غير التوحيدية، وبعض المسلمين ينادون بقتل المرتد، وبعضهم يحصر ذلك في حال أن يفصح ويعبر المرتد عن رأيه، وبعض الشيعة ينادي بمنع كتب بعض (الشيعة)، وبعض السنة ينادي بمنع كتب بعض (السنة) ... ثم تتجاوز المسألة الإقصائية الحرب على الكتاب، لتتمدد في ميادين أخرى كالصحافة والفضائيات والمجلات والمواقع الالكترونية، ولتفرض نفسها داخل أروقة وزارات الإعلام، وتستشري تداعياتها في المدن والأزقة والأحياء. وكل هذا في ظل مفارقات غريبة عجيبة، فالسني يطالب الشيعة بمزيد من الحرية، والشيعي يطالب السني بمزيد من الحرية، والمسلمون  جميعا يطالبون غير المسلمين شرقا وغربا باحترام الإسلام، وإعطاء المسلمين كامل الحرية في ترويج أفكارهم وعقائدهم وتبليغ الدعوة الإسلامية كاملة بكل ما فيها مما يرتضيه الآخرون أو لا يرتضونه، ويفرح المسلمون ويهللون ويكبرون بمجرد أن يعلن فرد غير مسلم تحوله للإسلام، أو من مذهبه للمذهب الذي يرتضونه، بينما يوجه المسلمون دوما مباضع أقلامهم ضد الآخرين سبا ونقدا وسخرية وشتما، ويقوم أصحاب كل مذهب بتشريح ونقد وهجاء وتوهين ولعن كل المذاهب والعقائد والأديان والأفكار والقناعات المخالفة، ثم خلافا لكل ذلك وبصورة مقلوبة يحاربون - بالاستناد إلى فهمهم الضيق للإسلام - حريات مخالفيهم من أصحاب القناعات أو الأديان أو المذاهب أو العقائد أو الرؤى المخالفة، ويقمعون بقوة وقسوة كل من يتحول من قناعاتهم أو آرائهم أو عقائدهم الخاصة إلى تلك القناعات المخالفة، وينادون بهتك حرمته وسفك دمه ويطعنون في عرضه، ويقيمون الدنيا ولا يقعدونها فوق رأسه، عندما تتجه أقلام المخالفين بالنقد لأفكارهم أو توجهاتهم أو قناعاتهم ... لتتضح ملامحهم البشعة، ولتبرز ملامح حرب ومطالبات غير متوازنة، تفرض إملاءات وشروط طرف على الطرف الآخر، وتلغي حقوق وموازنات كل الأطرف الأخرى.

                فبالله عليكم كيف يحكمون؟؟؟!!!، هل على الله يفترون؟؟؟!!!، أم ألله أمرهم بهذا؟؟؟!!!، أم أمرهم إذا حكموا بين الناس أن يحكموا بالعدل؟؟؟!!!، وأن لا يجرمنهم شنأن قوم على ألا يعدلوا؟؟؟!!!. فمن أين كانت الحرية الفكرية للبعض دون الكل؟؟؟!!!، ومن أين اكتسب البعض الوصاية على المجموع دون سواهم؟؟؟!!!، ومن أين تشريع أن يكون البعض متَّبَعون و البقية أتباع، في ظل القهر والإقصاء ومصادرة الحريات والرأي ... حتى في العقيدة والفكر؟؟؟!!!.

                وهنا في الختام أحب أن أرحب بأي مقالات قادمة مؤيدة أو معارضة، تحاول أن تستعمل الفكر والمنطق، لتسلط مزيدا من الضوء على موضوع الحريات الفكرية أو الدينية، ربما يقنعنا بعضها أن الله سبحانه وتعالى (وهو منزه - كما نعرفه - عن البغي والجور والظلم، ومقولات السفهاء)، يريد منا أن نقصي أو نهمش أو نسلب الحريات الفكرية والعقدية من الآخرين.

 

والسلام.

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) هنا سنشير لبعض الزوايا المرتبطة بطريقة ما بالضوابط المتنوعة الموجودة في الساحة الفكرية الإسلامية والمتعلقة بالحريات الفكرية، سنجلبها من مواضع متنوعة (شيعية وسنية)، فهم يقولون: لابُدَّ أن يكون صاحب الرأي من أهل الخبرة والاختصاص فيما يتكلّم عنه (يمنع من لم يكن مؤهلاً من إبداء رأيه إذ لا يوثق برأيه) - حرق كتب الضلال -  حرية الارتداد وسيلة للطعن في الإسلام - الإنسان حر في اعتناق الإسلام لكن بعد ما اعتنقه لا يجوز له الارتداد ومن ارتد فعقوبته القتل لأن ارتداده عن الإسلام يستحيل أن يكون مبنياً على الاقتناع لأنه لا حقيقة أبلج من الإسلام - جاء الإسلام ليرقى بالبشرية بتقرير مبدأ حرية الاعتقاد وحرية التدين. ولكن هذا المبدأ الذي أقره الإسلام مشروط ومقيد أيضًا، بألا يصبح الدين ألعوبة في أيدي الناس - يشترك في إثم المقالات الكفرية كل من له أثر في نشرها وترويجها من خلال الصحف وغيرها -  لا يجوز قراءة كتب المبتدعة، ولا سماع أشرطتهم، إلا لمن يريد أن يَرُدَّ عليهم ويُبيِّن ضلالهم . أما الإنسان المبتدئ، وطالب العلم، أو العامي، أو الذي لا يقرأ إلا لأجل الاطلاع فقط، لا لأجل الرَّد وبيان حالها، فهذا لا يجوز له قراءتها، لأنها قد تؤثر في قلبه وتُشَبِّه عليه فيصاب بشرها. فلا يجوز قراءة كتب أهل الضلال، إلا لأهل الاختصاص من أهل العلم، للرَّد عليها، والتحذير منها - وجود جهاز التلفاز في البيت شر -  يجب دعوة وتشجيع غير المسلمين لاعتناق الدين الإسلامي - منع التبشير بالمذهب الشيعي في البلاد السنية - حظر التبشير المسيحي - الطبق اللاقط للمحطات الفضائية (الدش) إذا كان قابلاً للاستفادة منه في نشر البرامج الفاسدة والمفسدة للمجتمعات الإسلامية فلا يجوز استعماله ولا بيعه ولا شراؤه - لا يجوز الاتصال بالمواقع الالكترونية المتصدية لتوهين الدين أو المذهب الحق، إلاَّ للرد عليها أو تشكيك المعتقدين بما ينشر في هذا الموقع، أو حفظ عقيدة الشيعة المتصلين به - رسم ذوات الأرواح حتى من دون تجسيم حرام ... الخ.

 

 

تعليقات الزوار
1 | احمد الماجد -القطيف
خير الكلام ما قل ودل .قرأت الموضوع من اوله الى أخره .وكان يمكن اختصار الفكرة في اسطر قليلة .وهنا تظهر براعة الكاتب.اما هذا الحشو الزائد فلا داعي له اصلا ثم اقول للكاتب ان الاسلام لم يضع القيود بل جاء لرفع القيود و انما وضع حدودا .واردت ان اعلق لكن بصراحة لم افهم مراد الكاتب لان الموضوع لعدم ترتبه لا يفهم لان فيه مطبات كثيرة بل حفر عميقة تحتاج الى ردم واعادة سفلتة .ثم كم من الوقت اخذت تكتب اعتقد وقت يسير لان مواضيع من هذا النوع لا تحتاج الى وقت

2 | احمد الماجد -القطيف
انصح الكاتب ان يعطي نفسة اجازة ويستريح ويسترخي قليلا لكن لا لينام بل ليستوحي لنا افكاراجديدة ومفيدة



 
ذات صلة
 
جديد التوافق

تقارير مصورة

مذبحة غزة

صورة اليوم

عدد الزوار
6306542

 

تصويت
هل أن الأزمات – حصار غزة نموذجاً – تسهم في توحيد الأمة؟
نعم
لا
لا أدري

شارك برأيك

حدث في مثل هذا اليوم
< Jan 2009 >
س أ ن ث ر خ ج
          1 2
3 4 5 6 7 8 9
10 11 12 13 14 15 16
17 18 19 20 21 22 23
24 25 26 27 28 29 30
31            

عرض جميع المقالات »

 

 
 

النشرة البريدية
إشترك معنا في نشرة الموقع لتصلك بالبريد الإلكتروني
الاسم
البريد الإلكتروني  
|

حقوق الطبع محفوظة لدى شبكة التوافق الأخبارية © 2004 - 2007م

المقالات المدرجة لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع التوافق