الخبر المحفوف بالقرينة في العقائد
عباس الموسى
كنا في الحلقات السابقة نتحدث عن نوعين من الأخبار وقبول علماء الطائفة لهما ، هما الخبر المتواتر الذي يفيد العلم بنفسه وقد نقلنا آراء أعلام الطائفة وتمسكهم به لقبول الأخبار وخصوصاً العقائدية ، وخبر الواحد الذي يفيد الظن بنفسه وقد رفضه أعلام الطائفة كما نقلنا من كلام لأعلام الطائفة إلا القليل من الأصوليين والأخباريين الذين يقبلون بكل الأخبار صحيحها وضعيفها ، وقلنا في الحلقات السابقة أن ما يفيد العلم من الأخبار نوعان : الخبر المتواتر والخبر الواحد المحفوف بالقرينة وقد أجلنا الحديث عن المحفوف بالقرينة حتى يحين وقته وقد حان ، وهنا لا بد من تناول هذا الموضوع لما فيه من الاختلاف في نفسه ، ولما فيه من الادعاءات حيث أن بعضاً من العلماء أو من يتسمون باسمهم يتشبثون بهذا المصطلح ليدعوا أن كثيراً مما في أيديهم من أخبار الآحاد محفوفة بالقرينة وبالتالي فهي تفيد العلم وعلينا الأخذ بها ولذا كان لابد من الحديث عن هذا النوع بشكل مفصل لنتعرف على حقيقة هذا المصطلح وادعاءات البعض حول جعل الكثير منها محفوفاً بالقرينة .
فما هي القرائن التي تحف بالخبر وتجعله محفوفاً ؟
وما هي نسبة وجود هذه الأخبار فيما عندنا من كتب ؟
وما هو رأي أعلام الطائفة في هذه الأخبار ؟
جاء هذا المصطلح من الأخبار وقوبل بالقبول والأخذ به في الأحكام والعقائد في كثير من كلمات الأعلام وممن جاء في كلماتهم :
1-الشيخ المفيد :
(إنه لا يجب العلم ولا العمل بشئ من أخبار الآحاد ، ولا يجوز لأحد أن يقطع بخبر الواحد في الدين إلا أن يقترن به ما يدل على صدق راويه على البيان . وهذا مذهب جمهور الشيعة).[1]
2-الشيخ الطوسي :
( ..فأما ما اخترته من المذهب فهو: ان خبر الواحد إذا كان واردا من طريق أصحابنا القائلين بالإمامة ، وكان ذلك مرويا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو عن واحد من الأئمة عليهم السلام وكان ممن لا يطعن في روايته ويكون سديدا في نقله ولم تكن هناك قرينة تدل على صحة ما تضمنه الخبر ، لأنه ان كان هناك قرينة تدل على صحة ذلك كان الاعتبار بالقرينة ، وكان ذلك موجبا للعلم ).[2]
3- السيد الطبطبائي : فيما يتعلق بالمسائل الاعتقادية والذي يصرح به القرآن يستلزم القطع والعلم بالخبر المتواتر أو الخبر الذي تتوفر في صحته الشواهد القطعية فإنه يعمل به وعدا هذين النوعين والذي يسمى الخبر الواحد فلا اعتبار له .[3]
وكثير من العلماء الذين ذكروا هذا المصطلح وقالوا بأنه يؤدي إلى العلم ولا مجال لذكر الجميع نكتفي بهذا بعد معرفة الفكرة والرأي مخافة التطويل .
ذكرنا سابقاً تعريف الخبر الواحد ، وقسم هذا الخبر إلى قسمين :
أحدهما : مقرون أو محفوف بالقرائن .
وآخرهما : غير مقرون أو غير محفوف بالقرائن .
واتفق على أن غير المقرون لا يفيد إلا الظن بنفسه ، واختلف في المقرون والأكثر على أنه يفيد العلم وحديثنا عن الخبر الآحاد المحفوف بالقرائن الذي يفيد العلم لقرائنه .
فما المقصود منه ؟ وما هي هذه القرائن ؟
عرف بأنه : الخبر الذي تصحبه القرينة المساعدة له على إفادته العلم بصدقه وصحة صدوره .[4]
كمن يخبر عن مرضه عند الطبيب ونبضه ولونه يدلان عليه وكذا من يخبر عن موت أحد ، والنياح والصياح في بيته وكنا عالمين بمرضه وأمثال ذلك كثير .[5]
ما هي هذه القرائن؟
ذكر الشيخ المفيد في أصول الفقه والشيخ الطوسي في الاستبصار والحر العاملي في الفائدة الثامنة من فوائده في الوسائل عدة فوائد هي كالتالي:
1-أن تكون ( القرينة ) مطابقة لأدلة العقل .
2-أن تكون ( القرينة ) مطابقة لظاهر القرآن الكريم .
3- أن تكون ( القرينة ) مطابقة للسنة المقطوع بها ( المتواترة ) .
4- أن تكون ( القرينة ) مطابقة لما أجمع المسلمون عليه .
5- أن تكون ( القرينة ) مطابقة لما أجمعت عليه الفرقة المحقة .
6- أن تكون لها شاهد من عرف .
هذا ما نقله الشيخ المفيد والطوسي ( رحمة الله عليهما ) .
وأضاف الحر العاملي على ذلك :
7- كون الراوي ثقة يؤمن منه الكذب عادة .
8- وجود الحديث في كتاب من كتب الأصول المجمع عليها أو في كتاب أحد الثقات .
9- وجود الحديث في أحد الكتب الأربعة ( الحديثية ) .
10- وجود الحديث في كتاب لأحد أصحاب الإجماع .
11- تكراره في كتب متعددة معتمدة .
12- عدم وجود معارض له .
13- موافقته لإجماع الإمامية وللمشهور بينهم .
وعلى هذا فإذا كان الخبر مخالفاً للعقل أو القرآن أو السنة المتواترة فلا يعد آحاداً محفوفاً بالقرائن.
وإذا كان الراوي غير ثقة فليس محفوفاً بالقرائن وإذا لم يوجد في أحد الكتب الحديثية الأربعة أو لم يكن في أحد الأصول المجمع عليها لا يعد محفوفاً بالقرينة.
وإذا لم يتكرر في كتب متعددة معتمدة لا يعد محفوفاً بالقرينة وإذا خالف إجماع المسلمين أو الفرقة المحقة انتفت منه القرينة وبمجرد وجود معارض له انتفت القرينة أيضاً وعلى هذا ينبغي ملاحظة كل هذه الشروط في الخبر الواحد كي يوصف بأنه محفوف بالقرينة ومجرد مخالفة خبر الواحد لشرط من هذه الشروط يجعله غير محفوف بالقرينة هذا من ناحية.
يقول الدكتور الشيخ الفضلي في أصول الحديث (ص 85) بعد عرض هذه القرائن:
( وهذه القرائن كلها قرائن علمية يرتبط بعضها بتصحيح مضمون الخبر وهي مثل موافقة القرآن الكريم وموافقة السنة القطعية:
ويرتبط بعضها بتصحيح السند ، مثل وجود الحديث في كتاب لأحد أصحاب الإجماع ، وفي كتاب أحد الثقات ، ولهذا لا تخرج عن كونها نتائج اجتهادية يقول بها الفقيه وفق اجتهاده .
ومن هنا قد تفيد العلم عند بعض وقد لا تفيده عند آخر لاختلاف الاجتهاد والخلاف في نتائجه.
ولعله لهذا ذهب بعضهم إلى أن خبر الواحد مطلقاً – أي سواء كان مقروناً أم غير مقرون – لا يفيد العلم)[6]
ومن هذا النص تتضح عدة أمور:
-أن القرائن عبارة عن نتائج اجتهادية قد تفيد العلم وقد لا تفيد .
-من الملاحظ أن هذه القرائن يأخذ بها الفقهاء في استنباط الأحكام وليس في المسائل العقائدية لذا ذكر الشيخ المفيد والطوسي عدم مخالفتها للإجماع ( إجماع المسلمين أو الطائفة المحقة ) والحال أن الإجماع يستخدم في الفقه دون العقائد.
-وجود هذه الأخبار في الأصول المسماة بالأصول الأربعمائة التي نقل منها أصحاب الكتب الأربعة الحديثية أخبارهم أو كتب الثقات المعتمدة المذكورة في كتب الرجال وعليه فلا معنى للحديث عن خبر محفوف بالقرينة في أي كتاب بعد الكتب الحديثية الأربعة فلا يقال يوجد هذا الخبر المحفوف بالقرينة في بحار الأنوار أو الوافي أو مستدرك الوسائل أو غير ذلك من الكتب حتى لو كانت معتبرة في حد ذاتها ولكنها تحتوي على الموضوعات التي يتناقلها أصحاب الهوى والجهلة المتلبسون بلباس العلماء.
المحفوف بالقرائن وتنوع الحديث :
من الأسباب التي أدت إلى تنوع الحديث إلى الأنواع الأربعة المعروفة ( الصحيح والحسن والموثق والضعيف ) عدم قدرة الفقهاء على معرفة المحفوف بالقرينة عن غيره وذلك لبعد الزمن بيننا وبين أئمة أهل البيت (ع) وأول من أحدث ذلك كما يقول علماء الرجال والدراية السيد جمال الدين أحمد بن طاووس وتبعه تلميذه العلامة الحلي وهو ظاهر كلام الشيخ محمد بن الحسن الحر .[7]
يقول الشيخ حسن بن الشهيد الثاني :
فإن القدماء لا علم لهم بهذا الاصطلاح قطعاً لاستغنائهم عنه في الغالب بكثرة القرائن الدالة على صحة الخبر .... وإذا أطلقت الصحة في كلام من تقدمهم فمرادهم منها الثبوت أو الصدق ) .
ويقول أيضاً : ( وتوسعوا في طرق الروايات وأوردوا في كتبهم ما اقتضى رأيهم إيراده من غير التفات إلى التفرقة بين صحيح الطريق وضعيفه ....اعتماداً منهم في الغالب على القرائن المقتضية لقبول ما وصل الضعيف طريقه .... ) [8]
وبهذا صرح الشيخ يوسف البحراني في حدائقه ج1/14 ، والفيض الكاشاني في الوافي ج1/11 .
ومن الواضح أن هذا المصطلح ( المحفوف بالقرينة ) جاء من الإخباريين ودخل منهم إلى الأصوليين لأنهم أول من شجب تنوع الحديث الذي أحدثه ابن طاووس وعدوه من البدع التي يحرم العمل بها ! وبسطوا البحث في إبطاله وإثبات صحة جميع أخبار كتبنا الأربعة الحديثية بل جميع الأخبار التي نقلوها عن الكتب المعتبرة لأنها محفوفة بقرائن تفيد الوثوق بصدورها عن المعصوم(ع) .
ومن هذا نلاحظ ملاحظتان :
1-أن القدماء – لقرب عهدهم بالأئمة الأطهار (ع) – كان من السهل عليهم تحصيل القطع بصدور الأحاديث عنهم (ع) لكثرة القرائن الدالة على ذلك فلا تبقى حاجة إلى التفتيش عن رجال السند كي يضطروا إلى هذا التنوع ( تنوع الحديث ) . أما المتأخرون فقد خفت عليهم تلك القرائن لتطاول العهد وقدم الزمن وبذلك قال الشيخ حسن بن الشهيد الثاني كما نقلناه أعلاه معتذراً عن التنوع بعد اعترافه بحدوثه .
2-إن القدماء وإن استفاضت عندهم تلك القرائن! إلا أنهم لم يغفلوا عن حال الراوي وصفاته وكلماتهم صريحة بذلك ، فلم تنحصر الحجة من الأخبار لديهم بما احتف بالقرائن المفيدة للقطع بصدوره كما ادعاه الإخباريون ووافقهم عليه بعض الأصوليين بل الحجة عندهم على قسمين :
أ-الأخبار المحفوفة بالقرينة ولأجل ذلك صحح الكليني والصدوق أخبار كتابيهما .
ب-الأخبار التي رواها الموثقون في النقل الممدوحون في السيرة ولأجله شرعوا في الجرح والتعديل تمييزاً للأخبار الضعيفة السند عن غيرها كما في رجال البرقي ( 274أو 280 ) وكتاب الرجال لابن عقدة ( 333 ) وكتاب المصابيح للصدوق ( 381) .
ومن هذا يتضح أن القدماء والمتأخرين متفقون على انقسام الخبر بلحاظ رجال سنده إلى الحجة ، وغير الحجة ، وإنما البحث في تعيين مصاديقهما . كما أنهم متفقون على العمل بالخبر الذي احتف بقرينة أوجبت حصول القطع بصدوره عن المعصوم (ع) ، وإن كان ضعيف السند .
ولذا عمل كثير من المتأخرين بأخبار الرواة الذين ادعى الكشي الإجماع على ( تصحيح ما يصح عنهم ) . ولم ينظروا إلى حال الواسطة بينهم وبين المعصوم (ع) ، بناء على اقتران أحاديثهم بما يوجب الوثوق بصدورها عنه (ع) . كما اشتهر بين المتأخرين أن عمل قدماء الفقهاء بخبر ضعيف يوجب اعتباره فيكون عملهم بمنزلة القرينة المصححة للخبر .
وقد اعترف الفيض الكاشاني بذلك وقال : وعلى هذا جرى العلامة والشهيد في مواضع من كتبهما ، مع أنهما الأصل في الاصطلاح الجديد ... الخ .[9]
غايته أن تلك القرائن متوفرة لدى القدماء ، ونادرة لدى المتأخرين وسبق الإشارة إليه ، ولذا يقول الشيخ حسن بن الشهيد الثاني : (وغير خافٍ أنه لم يبق لنا سبيل إلى الاطلاع على الجهات التي عرفوا منها ما ذكروا حيث حظوا بالعين ، وأصبح حظنا الأثر .... ولو لم يكن الا انقطاع طريق الرواية عنا من غير جهة الإجازة التي هي أدنى مراتبها لكفى بها سبباً لإباء الدراية على طالبها) .[10]
وخلاصة البحث أن حجية الخبر تثبت بأحد أمرين ، إما : سلامة سنده من الضعف ، وإما : احتفافه بقرينة الصحة ، وقد عمل القدماء والمتأخرون بهذين القسمين معاً ، وذكرهما الشيخ الطوسي بقوله : إن خبر الواحد إذا كان وارداً من طريق أصحابنا القائلين بالإمامة ، وكان ذلك مروياً عن النبي (ص) أو عن أحد الأئمة (ع) وكان ممن لا يطعن في روايته ويكون سديداً في نقله ، ولم يكن هناك قرينة تدل على صحة ما تضمنه الخبر – لأنه إن كان هناك قرينة تدل على صحة ذلك كان الاعتبار بالقرينة ، وكان ذلك موجباً للعلم - ... جاز العمل به . والذي يدل على ذلك إجماع الفرقة المحقة ، فإني وجدتها مجتمعة على العمل بهذه الأخبار التي رووها في تصانيفهم ، ودونوها في أصولهم ، لا يتناكرون ذلك ولا يتدافعونه ... الخ .[11]
وقال الشيخ السبحاني في كتابه (كليات في علم الرجال ) تحت عنوان :
سعي المستنبط على جمع القرائن :
إن سعي المستنبط على جمع القرائن والشواهد المفيدة للاطمئنان على وثاقة الراوي أو خلافها ، من أوثق الطرق وأسدّها ، ولكن سلوك ذاك الطريق يتوقف على وجود قابليات في السالك وصلاحيات فيه ، ألزمها التسلط على طبقات الرواة والإحاطة على خصوصيات الراوي ، من حيث المشايخ والتلاميذ ، وكمية رواياته من حيث القلة والكثرة ، ومدى ضبطه إلى غير ذلك من الأمور التي لا تندرج تحت ضابط معين ، ولكنها تورث الاطمئنان الذي هو علم عرفاً ولاشك في حجيته ، وبما أن سلوك هذا الطريق لا ينفك عن تحمل مشاق لا تستسهل ، قل سالكه وعز طارقه ، والسائد على العلماء في التعرف على الرواة ، الرجوع إلى نقل التوثيقات والتضعيفات .[12]
نكران وجود قرائن تحف بالخبر :
هل توجد قرائن في الجوامع الحديثية يعتمد عليها لتوصلنا إلى القطع بصدور الرواية أم لا ؟
لنا في ذلك نقل آراء العلماء فهم يؤكدون أن أكثر الناقلين للأخبار من الغلاة والواقفة والخطابية وغيرهم وأهم أولئك القائلين بذلك :
1-السيد المرتضى حيث يقول :
إن معظم الفقه وجمهوره بل جميعه لا يخلو مستنده ممن يذهب مذهب الواقفة ، إما أن يكون أصلا في الخبر أو فرعا " ، راويا " عن غيره ومرويا " عنه . وإلى غلاة ، وخطابية ، ومخمسة ، وأصحاب حلول ، كفلان وفلان ومن لا يحصى أيضا " كثرة . وإلى قمي مشبه مجبر . وأن القميين كلهم من غير استثناء لأحد منهم إلا أبا جعفر بن بابويه ( رحمة الله عليه ) بالأمس كانوا مشبهة مجبرة ، وكتبهم وتصانيفهم تشهد بذلك وتنطق به . فليت شعري أي رواية تخلص وتسلم من أن يكون في أصلها وفرعها واقف أو غال ، أو قمي مشبه مجبر ، والاختبار بيننا وبينهم التفتيش . ثم لو سلم خبر أحدهم من هذه الأمور ، ولم يكن راويه إلا مقلد بحت معتقد لمذهبه بغير حجة ودليل . ومن كانت هذه صفته عند الشيعة جاهل بالله تعالى ، لا يجوز أن يكون عدلا ، ولا ممكن تقبل أخباره في الشريعة .
فإن قيل : ليس كل من لم يكن عالي الطبقة في النظر ، يكون جاهلا بالله تعالى ، أو غير عارف به ، لأن فيه أصحاب الجملة من يعرف الله تعالى بطرق مختصرة توجب العلم ، وإن لم يكن يقوى على درء الشبهات كلها
قلنا : ما نعرف من أصحاب حديثنا ورواياتنا من هذه صفته ، وكل من نشير إليه منهم إذا سألته عن سبب اعتقاده التوحيد والعدل أو النبوة أو الإمامة ، أحالك على الروايات وتلي عليك الأحاديث . فلو عرف هذه المعارف بجهة صحيحة لا أحال في اعتقاده إذا سأل عن جهة علمها ، ومعلوم ضرورة خلاف ذلك ، والمدافعة للعيان قبيحة بذوي الدين .[13]
مدينة قم المقدسة مرت بأزمنة مختلفة بين حالة الانغلاق والانفتاح :
أ-الفترة الذهبية التي عاشها قم حينما كان المسيطر عليها أحمد بن محمد بن عيسى الأشعري ، من أصحاب الأئمة الرضا والجواد والهادي عليهم السلام .
وكان يرفض الرواة الغلاة والمفوضة والمجبرة والضعفاء بل ويطعن في الراوين عنهم وإن لم يكن منهم وكان يخرجهم من قم لمجرد روايته عن الضعفاء والمراسيل كما فعل مع أحمد بن محمد بن خالد البرقي المتوفي حدود (270هـ).
ب-الفترة الزمنية من بعد وفاة الأشعري حيث كثر فيها الغلاة والمفوضة والضعفاء واعتماد المراسيل وأستمر ذلك بين مد وجزر إلى يومنا هذا .
فالسيد المرتضى المتوفي (413هـ) يشير إلى الفترة الثانية وقريبة العهد منه الفترة التي عاش فيها الشيخ الصدوق المتوفي (381هـ) حيث استثناه منهم فتأمل .
2- الشيخ الطوسي :
اعترف أن أكثر الأخبار الخاصة في الأحكام تفتقد إلى القرائن الدالة على صحتها [14]. ولهذا لا عجب أن يرى بعض المتأخرين أن ما ذهب إليه أصحاب دليل الانسداد في الأزمان الأخيرة له جذوره في ما سبق إليه الطوسي من اعتقاد .
3-ابن ادريس الحلي :
ويعتبر ابن ادريس – كما هو عند البعض – أنه أول من زعم أن أكثر أحاديث أصحابنا المأخوذة من الأصول المتداولة في عصر الأئمة هي أخبار آحاد خالية من القرائن الموجبة للقطع ، وأدى به ذلك للاعتراض على أكثر فتاوى الطوسي لكونها تعتمد على تلك الأصول حيث قال :
(إني لأربأ بشيخنا أبي جعفر ، مع جلالة قدره وتبحره ورياسته ، من هذا القول المخالف لأصول المذهب ، وله رحمه الله في كتابه الإستبصار توسطات عجيبة ، لا استجملها له ، والذي حمله على ذلك ، جمعه بين المتضاد ، وهذا لا حاجة فيه ، بل الواجب الأخذ بالأدلة القاطعة للأعذار ، وترك أخبار الآحاد التي لا توجب علما ولا عملا ، فإنه أسلم للديانة ، لأن الله تعالى ، ما كلفنا إلا الأخذ بالأدلة ، وترك ما عداها .[15]
ومع ذلك نجد الكثير ممن يدعي العلم في هذه الأيام يرى أن هناك قرائن كثيرة تحف بالخبر وإذا سألته أين هي القرائن ؟! يقول لك هذا من عمل المتخصصين وليس لأحد فهمه ، فلا بد لمعرفة ذلك من قدرة على معرفة القرائن ؟
ما الحاجة الداعية إلى الاجتهاد ؟
السبب في مشروعية الاجتهاد هو فقدان قرائن العلم واليقين وإلا لو كان هناك علم لما احتجنا إلى اجتهاد ، وفقدان قرائن العلم حدث بسبب تعدد الحوادث التي لم يسبق لها وجود في عهد النص . فلولا ذلك لم نجد دلالة واضحة على حلية الاجتهاد وهذا ما أشار إليه إبراهيم القطيفي ( ت 940 هـ) بقوله : ( الاجتهاد في مذهب الإمامية ليس طريقاً جائزاً بالاصالة وإنما جاز للضرورة الحاصة من غيبة الإمام أو بعده أجيز للمجتهد ما دام قائماً بالمحافظة على الأدلة .... والاجتهاد مقولة التشكيك كما لا يخفى ، ويتجزأ على المذهب المختار للأصوليين ) .[16]
وهذا يدل على فقدان القرائن الدالة على صحة صدور الخبر فكيف يقال أن في الأخبار ما هو محفوف بالقرينة على اطلاقه !!
نعم محفوف بالقرينة لأولئك الذين عاشوا في زمن الغيبة وما بعدها بقليل ، أما الآن مع هذا البعد الزمني فلا يمكن استكشاف القرائن بالسهولة والبساطة المدعاة والمنقولة من هذا وذاك .
وللأسف أن هناك من ينقل كلام العلماء (بأن الخبر المحفوف بالقرينة يؤدي إلى العلم ) ويريد إيهام الناس بأن المحفوف بالقرينة موجود كغيره من الأخبار يتناقله الناس كما يتناقلون غير المحفوف !!
وليت لأحد العلماء أن يتبنى دراسة أحاديث أهل البيت واستخراج ما هو محفوف بالقرينة من غيره ليميز الخبيث منه من الطيب .
أم أن كل ما في الكتب الأربعة وغيرها محفوف بالقرينة ؟! إذا كان كذلك ، فهذا يعني أنه لا تعارض ولا مخالفة لأي رواية لظاهر القرآن والسنة القطعية والعقل الصريح والحال أنه ليس كذلك .
والنتيجة : أن الكلام حول وجود روايات محفوفة بالقرينة ليس ذلك صالحاً للمناقشة والاستدلال والمجادلة لإثبات عقيدة ما وإنما يصح أن تكون المناقشة بالروايات المتواترة لنستطيع أن ننقض هذه الفكرة أو تلك لأن هذه الأخبار المدعاة ( بالمحفوف بالقرينة ) لا تخرج عن كونها قضايا اجتهادية تثبت عند هذا ولا تثبت عند ذاك .
الآيات الناهية عن العمل بالظن :
هل يصح الأخذ بالظن في مقابل العلم وخصوصاً في العقديات؟
وردت في القرآن آيات ناهية عن الظن :
( إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ)(الأنعام: من الآية116)
( إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ)(الأنعام: من الآية148)
( وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنّاً إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ) (يونس:36)
( إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ )(لنجم: من الآية23)
ومن هذه الآيات الناهية عن العمل بالظن وقف علماء الشيعة منها موقفين :
1-موقف يقول أن هذه الآيات الناهية عن الظن خاصة بالعقائد ( أصول الدين ) بقرينة السياق وقد تبنى هذا الموقف مجموعة من العلماء منهم :
( القمي ، الميرزا النائيني ، الآشتياني ، البروجردي ، المحقق العراقي ، الشيخ حسن صاحب المعالم ).[17]
2-وموقف يرى أنها شاملة للأصول والفروع وقد تبنى هذا الموقف مجموعة من العلماء منهم :
( الإمام الخميني ، السيد الخوئي ، الشهيد الصدر ، السيد محسن الحكيم ، والسيد محمد سعيد الحكيم ، والسيد الروحاني ) .[18]
ومن هذا يتضح :
أن الدلالة على الأصول متيقنة عند هؤلاء عامة ولهذا قال الأخوند الخراساني : ( الظاهر أو المتيقن من آيات النهي عن الظن هو الأصول الاعتقادية ) .
وبموجب هذا العرض يستفاد أن الإمامية لم تكن تعمل بالآحاد في العقائد .ومن قال بغير ذلك فإنما يريد أن يتلاعب بعواطف الناس ليس إلا .
[1] أوائل المقالات - الشيخ المفيد - ص 122
[2] عدة الأصول (ط.ج) - الشيخ الطوسي - ج 1 - ص 126
[3] الشيعة في الإسلام – السيد الطبطبائي ص 16 .
[4] علوم الحديث – الفضلي /48
[5] الدراية – الشهيد الثاني /12
[6] أصول الحديث – الفضلي /85
[7] منتقى الجمان ج1/13
[8] منتقى الجمان ج1/13
[9] الوافي ج1/11
[10] منتقى الجمان ج1/3
[11] عدة الأصول /15
[12] كليات في علم الرجال – الشيخ السبحاني – ص 157
[13] رسائل المرتضى - الشريف المرتضى - ج 3 - ص 310 - 311
[14] عدة الأصول – الشيخ الطوسي – ج1 - 135
[15] السرائر - ابن إدريس الحلي - ج 2 - ص 422
[16] روضات الجنات – الخوانساري - ج1 – ص 38 - 39
[17] القوانين المحكمة – القمي ج1 – ص 437 ، فوائد الأصول – النائيني ج3 – ص 160 ، بحر الفوائد – الآشتياني ج1 – ص 287 ، الحاشية على كفاية الأصول ج 2 – ص 101 ، نهاية الأفكار - العراقي ج 3 – ص 103 ، معالم الدين – الشيخ حسن ص 195 .
[18] حقائق الأصول – السيد محسن الحكيم ج 2 – 112 ، بحوث في علم الأصول – الشهيد الصدر ج4 ص 339-440 ،أنوار الهداية - الإمام الخميني ج1 ص 275 ، المحكم في أصول الفقه –محمد سعيد الحكيم ج3 – ص 208 – 209 ، منتقى الأصول – الروحاني ج 4 – ص 299-300





