أعدها يا شيخ...
حسين رضي أبو السعود
لا يخفى على كل ذي لب مدى الضرر أو الأضرار الناجمة عن بعض الظواهر السلبية التي تعاني منها مجتمعاتنا العربية بصفة عامة والخليجية والمحلية بصفة خاصة من جراء تفاقم تلك الظواهر والقضايا سواء السياسية منها أو الاقتصادية أو الثقافية أو الاجتماعية المختلفة والتي تقف كعائق أو حجر عثرة أمام التقدم والتطور والازدهار الحضاري لهذه المجتمعات ومن تلك الظواهر والقضايا التي باتت تؤرق المهتمين و المسئولين على الصعيدين العربي والخليجي والمحلي فجندت لها الدول ممثلة بمؤسساتها الرسمية وبعض مراكزها البحثية لدراستها ودراسة أسبابها وآثارها هي ظاهرة الطلاق وارتفاع معدلاته وتشعب أسبابه ومخاطر آثاره.
فقراءة بسيطة في لغة الأرقام توضح لنا مدى حجم وفداحة واستفحال ورم ظاهرة الطلاق حيث تشير الإحصائيات الرسمية منها والبحثية إلى أن معدل الطلاق في الدول العربية مرتفع ارتفاعا جنونياً حيث تتراوح نسبته بين 30-38% ( وكالة الأنباء الكويتية) وتشير بعض التحليلات إلى أن بين كل ثلاث حالات زواج نجد هناك حالة طلاق واحدة, أما على المستوى الخليجي فتكشف الدراسة التي أعدها عبد الحميد الأنصاري _ عميد كلية الشريعة والدراسات الإسلامية في جامعة قطر- أن متوسط نسبة الطلاق في دول الخليج يصل إلى نحو 35% مشيراً إلى أن السعودية تأتي في المرتبة الأولى من حيث معدلات الطلاق تليها الإمارات ثم الكويت ( جريدة البيان الإماراتية).
أما على المستوى المحلي فأعتقد بأن هناك انفجاراً بركانياً طلاقياً إذ قفزت نسبة الطلاق في السعودية من 19 بالمائة في عام 1422 هـ إلى 35 بالمائة في العام الماضي 1428هـ.
وبحسب إحصائيات وزارة العدل السعودية ، بلغ إجمالي عدد حالات الطلاق في العام الماضي 18765 حالة من بين 90983 حالة زواج ، أي أن المملكة شهدت حوالي 52 حالة طلاق يومياً في السنة الماضية.
ولقد جاءت المنطقة الشرقية في المرتبة الأولى من ناحية ارتفاع نسبة الطلاق على مستوى المملكة بصورة كبيرة جداً وبنسبة بلغت 30.2%، وجاء في المرتبة الثانية منطقة الرياض بفارق واضح بلغ 26%(إحصائية وزارة العدل لعام 1426هـ).
أما حالات الطلاق داخل حدود منطقتنا العزيزة القطيف وهي مدار بحثنا ومقالتنا فتشير الإحصائيات بأن عدد حالات الطلاق في عام 1422هـ بلغ 218 وفي عام 1423هـ بلغ 320 وفي عام 1424هـ بلغ 319 وفي عام 1425هـ بلغ 347 وبنسبة تراوحت 10% هذا وقد بلغت حالات الطلاق من عام 1426هـ لغاية عام 1429هـ أكثر من 2500حالة ( حسب تصريح قاضي المحكمة لي) ومنذ بداية هذا العام 1429هـ لغاية يومنا هذا وصل عدد الحالات إلى أكثر من 320حالة.
أما أسبابه فقد تنوعت فمنها ..
1.إسراف الرجل في ممارسة هذا الترخيص الذي شرعه الإسلام.
2. عدم الإنجاب بصفة عامة.
3.عدم التكيف مع عائلة الزوج، خصوصاً أمه وأخواته، لأنهن يتدخلن في حياة الزوجين الخاصة.
4. عدم التوافق بين الزوجين بحكم تحكم الزوج المطلق في شؤون الأسرة.
5. مبالغة المرأة في المطالبة بالمساواة في كل شيء بصورة تشعره أنه متزوج من ذكر وليس من أنثى.
6. عدم الاتفاق على مساهمة المرأة بمرتبها كاملاً في الإنفاق على متطلبات البيت.
7. ممارسة بعض الأزواج الوصاية الكاملة على الزوجة.
8.ضعف الحوار بين الزوجين.
9. تدخل أهل الزوجين.
10. الخيانة الزوجية.
11.الوضع المالي للزوج.
12. ضعف شخصية الزوج.
13. محاولة الزوجة فرض وصايتها على الزوج مباشرة أو من خلال أبويها.
والكثير الكثير من الأسباب.
أما إذا أردنا الخوض في غمار ودهاليز الآثار المترتبة على الطلاق فإنها تطل بوجهها البغيض على الجميع الأسرة( الزوجة والزوج والأولاد) وكذلك المجتمع التي تنبعث منه تلك الأسرة.
فعلى الأطفال مثلاً ...الحرمان العاطفي ,الاضطرابات النفسية العضوية كالخوف والقلق والشعور بالوحدة والانطواء وعدم الاستجابة للنصائح والكذب والسرقة والسلوك العنيف وكذلك التأخر الدراسي و التبول اللاإرادي و الانحراف.
أما على الزوجة... فإنها تعاني من الإحساس بخيبة الأمل والإحباط والفشل والظلم، وقد تصل للإحساس بالضياع والتشاؤم والخوف من المستقبل. ولعل الاكتئاب والقلق من أكثر الاضطرابات النفسية انتشارا بين المطلقات إضافة إلى العديد من المشاكل مثل الشعور بالوحدة والانعزالية وانخفاض تقدير الذات المنوط بها كمطلقة.
كما إن الآثار السلبية للطلاق تشمل المطلق (الزوج) وان كانت الآثار المترتبة للطلاق على الزوج اقل مقارنة بالزوجة.
كما إن المجتمع برمته يعاني من اثر الطلاق وربما تنتشر العديد من الانحرافات السلوكية والخلقية والاجتماعية من وراء الطلاق.
ومن خلال هذه الإحصائيات وتلك الأسباب والآثار والتخبط العشوائي في التصدي وعلاج هذه الظاهرة من قبل مؤسسات الدولة ومراكزها البحثية اتجهت أنظارنا وتعلقت آمالنا على بعض الجهات والجمعيات الأهلية الخيرية لمعالجة هذه الظاهرة أما علاجاً جذرياً أو وضع خطط وطرق وقائية للحد من استفحال هذه الظاهرة, وعليه فقد قام منذ زمن بعض أخيار هذا المجتمع الغيورين والمهتمين بالشئون المحلية في الجمعيات الخيرية وعلى رأسهم جمعية القطيف الخيرية وجمعية الصفا الخيرية وبالتنسيق مع محكمة الأوقاف والمواريث بالقطيف بإنشاء لجنة إصلاح ذات البين والمنبثقة من وحدة الإرشاد الاجتماعي والتي تعني بإرشاد أفراد المجتمع إلى أفضل الحلول الممكنة بواسطة مرشدين مؤهلين, و هدفها هو دراسة المشكلات الاجتماعية والأسرية (كطلاق)والفردية وتقديم الحلول الملائمة لها وفق منظور يتوافق مع الثوابت والأطر الشرعية و الاجتماعية ,أما أسلوبها في العمل فإنها وبالتنسيق مع محكمة الأوقاف والمواريث تستقبل جميع الحالات المقبلة على الطلاق المحولين لها من قبل القضاء في المحكمة و يتم فيها مناقشة ووضع أنجح الحلول للمشاكل الواقعة بين الزوجين بمشاركه من بعض رجالات الدين والأخصائيين النفسيين والاجتماعيين وقد أطر سعادة الأخ المهندس عباس الشماسي رئيس جمعية القطيف الخيرية مهام اللجنة في استئصال جذور الخلاف بين الأزواج وامتصاص بذور التنافر بينهم وردم هوة التباعد وتقريب وجهات النظر قبل الإقدام المرتجل على الطلاق، وإيجاد آلية لإحالة الحالات من المحكمة إلى هذه اللجان للنظر فيها ومحاولة الإصلاح قبل إيقاع الطلاق.
وفي نظري أنه مصداق وتطبيق ما جاء في القرآن الكريم وحث عليه الشارع المطهر.
فيقول تعالى في محكم كتابه ( وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُواْ حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلاَحًا يُوَفِّقِ اللّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا )
وفي الحديث الشريف في الحث وفضل إصلاح ذات البين يقول الرسول الأعظم(صل الله عليه وآله) ( ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصدقة والصلاة " أي درجة الصيام النافلة وصدقة نافلة والصلاة النافلة " ، فقال أبو الدرداء : قلنا بلى يا رسول الله ، قال : إصلاح ذات البين ).
وكما جاء في دعاء مكارم الأخلاق للإمام علي أبن الحسين السجاد (ع) «وحلّني بحلية الصالحين، وألبسني زينة المتّقين في بسط العدل وكظم الغيظ وإطفاء النائرة وضمّ أهل الفُرقة وإصلاح ذات البين».
وقد زُرعت هذه الشجرة (لجنة إصلاح ذات البين)منذ عهد الشيخ عبد الله الخنيزي القاضي السابق بالمحكمة ونمت وترعرعت في عهد سماحة الشيخ غالب آل حماد و ازدهرت وأينعت ونثرت أزهارها في عهد فضيلة الشيخ محمد آل عبيدان وهكذا استمرت في العطاء والنثر إلى قدوم الشيخ محمد الجيراني حين توقفت عن النمو والعطاء وذلك حين منع الشيخ محمد الجيراني تحويل أي حالة( للمقبلين على الطلاق) إلى هذه اللجنة ( سواء التابعة لجمعية القطيف الخيرية أو جمعية الصفا الخيرية) والسؤال الذي يطرح نفسه من قبل الجميع مسئولين أو متابعين أو حتى المواطنين هو لماذا حجب الشيخ محمد الجيراني الضوء و الماء والهواء عن هذه اللجان؟؟؟؟ في الوقت الذي يحدثني فيه الشيخ سعيد المدلوح القاضي المساعد في نفس المحكمة بأن أكثر من 10% من الحالات المقبلة على الطلاق عند تحويلها إلى مثل هذه اللجان يتم معالجتها وترجع المياه إلى مجاريها!!!!
وفي الكويت مثلاً وحسب إحصائيات إدارة الاستشارات الأسري( المشابه في عمله للجان إصلاح ذات البين لدينا)والتابعة لوزارة العدل لعام 2006م أنه قد بلغ عدد مراجعيها لإتمام عملية الطلاق (4295) حالة تم علاج وإصلاح (1175) حالة أي بنسبة (27.35%)من الحالات المقبلة على الطلاق .
وبعد كل هذا أليس طلب إعادة تفعيل هذه اللجان أمراً هاماً وضرورياً وقبلها شرعياً يا شيخ!!
هذا والله من وراء القصد





