استفاقة صنم
حسين أحمد بزبوز
كان كبير الأصنام (زليع) يجلس هادئً كعادته كل يوم أمام جمهوره الكريم، تسنده من أسفله صخرة كبيرة جلبها له القرويون. ولم يكن يأبه بحر ولا برد مهما كانا قاسيين، ولا يأبه بسواهما. وكان أهل القرية الهانئة يفاخرون أقرانهم بذلك الصنم، الذي لم يتأثر بكل عوامل التعرية الخارجية، بينما تشققت أصنام الآخرين وتكسرت وتفتت، وهذا عند أهل القرية دليل واضح على مصداقية وكرامات هذا الصنم الذي ورثوا حبه وعبادته والإعجاب به كابرا عن كابر ... ودخلوا حروبا كثيرة من أجله في غابر التاريخ وفي الحاضر، وكان لهم فيها جميعها النصر والغلبة.
أهل القرية وقفوا أمام صنمهم يتعبدونه.
- "يا ليت هذا الصنم المقدس يحقق لي أمنياتي"، هكذا تبتل أحد القرويين العوام.
ثم جاء قروي آخر أكثر إيمانا وخشوعا وتضرعا وفهما للدين، مثقلا بالهموم. وبدأ يدهن الصنم الواقف أمامه بشموخ وتعالي بدهن العود الممتاز، وببعض العطورات النفيسة. ثم يشم رائحة الصنم، ويطبطب عليه وهو يقول: "يا صنم، أنا أحبك فأحبني، وأتودد إليك فتودد إلي ... واجعل هؤلاء القرويين المغفلين يأتون لمتجري لشراء بضاعتي الجديدة ...، ونذرٌ على إن حققت طلبي هذا، أن يكون لك نصيبٌ منها".
بعدها بقليل، جاء أحد الأغنياء الأغبياء بذبيحة سمينة من أفضل ما وهبه الله، ذبحت تواً في المصلى المقدس، ووضعها على مقدم جسم الصنم الكبير ... وسرعان ما تجمع حولها الذباب. ثم بدء الغبي يردد: " يا صنم يا صنم يا صنم يا صنم يا صنم يا صنم يا صنم يا صنم يا صنم ..."، ويهز رأسه وبدنه كما تفعل بعض الراقصات في حفلات الطرب الصاخبة.
عابد آخر رومانسي، جاء وهو سكران والتصق بجسد الصنم المقدس وبدأ يطلق القبلات على خد الصنم قبلة بعد أخرى.
"يا لهم من أغبياء، يعبدون صنما صنعه أجدادنا من صخرة صماء جلبوها من أعالي الجبال، ويظنون أن هذا الصخر قادر على قضاء حوائجهم وشفاء مرضاهم!!!"، قالها شاب قروي نابه، ثم أطلقها قهقهة مريضة داخل صدره، وهو يمنع نفسه بالكاد من أن ينفجر بقنبلة من العيار الثقيل من الضحك الهستيري الممتزج بشيء من الأسى والحزن على أهل قريته المساكين، لأنه يعلم جيدا أن عقوبة إطلاق مثل تلك التهكمات جهرا أو سرا على حد السواء، هي الإعدام نهارا، بتقطيع الشرايين أمام الملأ، ثم تعليق الجثة شنقا تحت أشعة الشمس.
وفي الليل، جاء هذا النابه ببعض الأوساخ والقذارات، وألقاها فوق رأس ذلك الصنم. لتظهر رائحته النتنة للناس على حقيقتها، علَّ هؤلاء القرويون المساكين يستفيقون من سكرتهم الروحية والعاطفية والمعرفية.
ثم بعد أيام ... جاء يوم العيد السعيد، وكان الصنم زليع متربعا فوق عرشه كالعادة، لكن هذه المرة في أبهى صورة وأجمل لباس وأحلى منظر، وتنبعث من جسده أيضا أزكى الروائح العطرة، والمصلون يتبتلون إليه ويتضرعون له ويتلون ويرتلون أمامه مختلف عبارات الثناء والدعاء، وتقدمت منه أجمل جميلات القرية تلبس لباسا عاريا، وجلست فوق فخذه الشريف، ثم قام الجميع يتراقصون ويتمايلون ويحتفلون بشرب ما لذ وطاب من أنواع الخمر وألبان الإبل، ويأكلون ما يشتهون من لحوم طير وفواكه متنوعة، وينشدون الأشعار الدينية ليجلبوا بها لأنفسهم الحظ والنشوة الروحية التي لا غنى لأي إنسان عنها.
وفي ساعة متأخرة من نهار ذلك اليوم البهيج قبيل الغروب بقليل، وقف فجأة ذلك الصنم الكبير ممسكا بيد الفاتنة التي ارتمت في أحضانه في دلال ... متعنجها غاضبا، وبدأ يبصق على الجمهور يمنة ويسرى:
"تف عليكم أيها القرويون الأغبياء، تركتوني كل هالسنوات قاعد قدامكم كأني أغبى الأغبياء، ... تف عليكم، ليش ما صحيتوني من النوم، يا مجانين؟؟؟!!!".
ثم أشار إلى الشاب النبيه، وقال:
"وهذا الشاب الأحمق ظلَّ يضحك عليكم في السر من زمان، وما خبركم إني مانا (الإله)، وجا يوسخني في آخر الليل، ... هالغبي"، ثم بصق في وجه ذلك الشاب، وقال: "وين حبك وحرصك على أهل القرية، يا جبان يا حقير؟؟؟!!!".
وتابع الصنم السباب والشتم يمنة ويسرى، وهو يزبد ويرعد، ويقول:
"ليش ما شغلتوا عقولكم صح، يا بقر، عشان تعرفوا من ربكم الحقيقي ومن المزيف، يا مجانين؟؟؟!!!. فاكرين الله عطاكم هالمخوخ عشان تصيروا تنابل، يا مخابيل؟؟؟!!!".
بعض الجمهور بدأ يصرخ ويبكي، وبعضهم بدأ يتذمر ويشتم، وبعضهم بدأ يتضرع للصنم ويطلب العفو والمغفرة، وبعضهم أخذ يقول: "لا يكون تختبرنا أو تمزح معانا، يا صنم؟؟؟!!!".
ثم ظنه الجميع يمزح فعلا ... "فاكرين ربهم - الصنم - خفيف دم!!!"، ثم بدؤا يقدمون الطلبات بين يديه الكريمتين كي يستفيدوا من فرصة استفاقته النادرة هذه التي سمعوا عنها أنها ذكرت بطرق ملتوية كثيرة في كتبهم المقدسة، والتي فسرها وفهمها رجال الدين وحدهم بسبب صفاء قلوبهم ونقاء أرواحهم، وها قد تحققت النبوءة فعلا.
لكن صنمهم المقدس سبهم ولعنهم ولم يلتفت لطلباتهم الكثيرة وضراعاتهم المتكررة ومدحهم، بل قال لهم: "لقد سئمتكم وسئمت تخريفكم وتبتلاتكم المملة ومصارحاتكم الغبية والقذرة، لقد سئمت روائحكم الكريهة وعطوركم المقرفة وذبائحكم المتعفنة وذبابكم النتن. ولو شئت لفضحت مصارحاتكم البلهاء المخجلة في الليالي الظلماء، ولأخبرتكم فردا فردا أمام الملأ، بما أقررتم به أمامي، مما اقترفتموه بأيديكم من ذنوب قبيحة في خفاء الليالي المظلمة. ثم أتيتم تتوسلونني وتدعونني في رياء وعجب وغباء عند تجمهر الناس البلهاء والبسطاء في النهار".
ثم تلفت الصنم حوله ونظر نظرة في السماء وتأمل الجبال والغابات والبيوت الصماء، ثم عاد يقول:
"أنا أريد أن أعيش حياتي ... لا حياتكم، أريد أن أحقق أمنياتي ... لا أمنياتكم، أريد أن أسافر في بلاد الله الواسعة، وأن أتسلى بمتع الحياة الكثيرة، وأن أصبح أثرى الأثرياء، ... وأن أتعبد ربي الحقيقي، أريد أن أبحث عن السكينة والطمأنينة والهدوء، أريد أن أرحل من هذا التخلف المر، لأعيش مع هذه الفتاة الفاتنة في هناء، ونتزوج وننجب خيرة الأبناء النبهاء".
ثم نبت له جناحان كبيران وتبسمت له الفتاة، فطارا معا في السماء.
ثم مرت سنوات طويلة وسنوات طوال، ولازال أهل القرية البلهاء يظنون صنمهم إلها حقيقيا يستحق أن يعبد من دون الله، ويقولون أنه رحل مع حبيبته إلى أعماق السماء كما أخبرت نبوءة الكتب المقدسة عندهم، ليتزوج منها هناك، فينجبا آلهة صغار تساعد الصنم في تدبير مملكته الواسعة عندما يقرر العودة للقرية يوما ما.
ولازال كاهن القرية وكبير رجال الدين فيها، يتلوا ترتيلته المقدسة المعهودة كلما سرق شيء من أغنام القرية، والتي يقول فيها:
يا صنم يا صنم *** أرجع إلينا الغنم
قد زاد حبك في القلوب *** فارجع إلينا الغنم
أرواحنا تعشق *** نهجك القويم
وقلوبنا تخشاك *** منذ القدم
يا صنم يا صنم *** أرجع إلينا الغنم
ولازال الشاب النبيه يبحث عمن يوقظ له هؤلاء القرويين البلهاء الأغبياء،ليعيدهم إلى الإله الحق لا معبود سواه.
- فهل يعرف أحدٌ منكم من يستطيع أن يفعل ذلك؟؟؟!!!.
- لا تبخلوا بمساعدة نابه القرية.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* هذه قصة قد تفيد (بدون وصاية على عقولكم طبعا): أن أصحاب الخرافات والديانات الباطلة مهما فعلنا معهم، حتى لو استيقظ معبودهم الخرافي وأخبرهم بنفسه أنه ليس (الإله) الحقيقي، فسيجدون ألف سبب وسبب للبقاء على عبادتهم الباطلة لمعبودهم. لأن العقائد أكثر الأحيان تكون وليدة العواطف، لا العقل.





