نحن و أقلام اليأس و الفتنة (*)
المهندس غريبي مراد
برزت في السنوات الأخيرة أقلام فتنوية يائسة، لا تحسن بعث التفاؤل بدلا عن الهم و الغم و القنوط و الطائفية وثقافة الرأي الأوحد، وهذا داء دخل في صميم فضاء الثقافة و الفكر و الأدب و حتى عالم الدين، ولا يخفى على أحد أن هذه الأقلام خطيرة على الوعي الاجتماعي و العقل التجديدي و مشاريع الإصلاح، و الأخطر في ساحتنا العربية الإسلامية أن هذه الأقلام احتلت صفحات الجرائد و مواقع الأنترت وتنشر لها كتب محشوة بثقافة اليأس و القنوط و إقصاء الآخر...
و الغريب في الأمر أنها تحرر أفكارا مناقضة تماما للمنطق الإسلامي و تحديدا لروح الثقافة القرآنية ، حيث تتجاوز الرؤية القرآنية حول الظواهر الاجتماعية و العلاقات الإنسانية و ماهنالك مما يتعلق بالحياة ككل.
و تبذل قصارى جهدها لتقنع الناس، بأنه لا رأي مثل رأيها و لا مجال للنقاش حول ما تصوره من بديهيات مزيفة للعالم، كما تلبس أفكارها لباس روح الشريعة لتنال المصداقية و تؤول الآيات و تحور الأحاديث لتنحو بها نحو مآربها التدميرية .
إنها تحد من الداخل، فيها تيار صنعته الظروف الأزماتية الضاغطة على عالمنا العربي و الإسلامي عبر التاريخ ، و آخر استأجرته مؤسسات استكبارية للترويج لأفكارها الصدامية، و ثالث بين بين يعني مصلحي على جميع الأصعدة، هذه صورة تقريبية لواقع القلم في حياتنا، تحتاج لنهضة ثقافية و أقلام صادقة ومؤمنة جريئة تواجه هذه الحرب التي أسماها فريدمان حرب الأفكار، و هذه أخطر الحروب عبر التاريخ، لأنها تحتل العقول و النفوس قبل احتلال الأرض ...
ثم لا يتصدى لهذه الحرب إلا رجال يمتلكون القوة الروحية و الرزانة العقلية و وعي الواقع، قادرين على مواجهة قراصنة و سماسرة الفكر و الأدب و الثقافة و الدين، الذين دأبهم إفساد عقول الناس و تثبيط الهمم و زرع بذور الفتن و إسقاط مشاريع الإصلاح والفرح و السعادة و التفاؤل و التعاون و الوحدة و اللقاء من برامج الحياة...
و صدق أمير المؤمنين عليه السلام -و هو الصادق أبدا- حين قال: "عجبت لمن يقنط و معه الاستغفار"(1)
و قال سلام الله عليه أيضا: "سوء المنطق يزري في القدر و يفسد في الأخوة" (2)
و قال أيضا عليه السلام: العجب ممن يقنط ومعه الممحاة !..فقيل له: وما الممحاة ؟.. قال: الاستغفار.(3)
ومفهوم الاستغفار أوسع يمكننا أن نستوحي من وصية الإمام علي (ع) التالية الكثير لو تأملنا جيدا في معناه الثالث الذي يهمنا في هذا المقال، خصوصا أولئك الذين لا يرحمون المخلوقين، حيث الاستغفار الحقيقي هو العمل الايجابي المتسلسل لاقتلاع جميع جذور وآثار الانحراف ، وهو يمرّ بمراحل وخطوات عملية، حيث ذات يوم سمع أمير المؤمنين عليه السلام رجلاً يقول : استغفر الله ، فقال : « ثكلتك اُمّك أو تدري ما حدّ الاستغفار ؟ الاستغفار درجة العلّيين، وهو اسم واقع على ستّة معان:
أولها : الندم على ما مضى.
والثاني: العزم على ترك العود إليه أبداً.
والثالث: أن تؤدي إلى المخلوقين حقوقهم حتى تلقى الله عزّوجلّ أملس ليس عليك تبعة.
والرابع: أن تعمد إلى كل فريضة ضيّعتها فتؤدي حقّها.
والخامس: أن تعمد إلى اللحم الذي نبت على السحت والمعاصي فتذيبه بالأحزان حتى تلصق الجلد بالعظم وينشأ بينهما لحم جديد.
والسادس: أن تذيق الجسم ألم الطاعة كما أذقته حلاوة المعصية.
فعند ذلك تقول : أستغفر الله » (4).
لكن هناك مسؤولية كبرى أمام الجميع القراء و المثقفين و الخطباء و علماء الدين و الإعلاميين و الحقوقيين و السياسيين و كذا المتصدين للإعلام المكتوب، و خصوصا المواقع الإلكترونية التي ترفع شعار الالتزام و الصدق و المصداقية و الحق و العدل و النصح و كل العناوين و القيم الإسلامية العظيمة، عليها أن تتحقق مما تنشر و تراعي أعراض الناس و كرامة العلماء و الرساليين في الواقع الإسلامي و تتحرى الصدق و الموضوعية و تناقش الواقع بعينين لا بعين واحدة ، و تنظف صفحات مواقعها من الأقلام المسمومة الهدامة التي تحرر أفكار اليأس و القنوط و الطائفية و العصبية، حينها سنتمكن من إيصال الحق بكل دقة و أمانة لإنساننا، و نحمي أجيالنا من فيروسات القنوط و الطائفية و التعصب و الأحادية الفكرية...
هذا نزر يسير عن الأقلام المسمومة ، حيث هذا الموضوع بحاجة لتكاثف الجهود بين المؤمنين بالحق و الصدق و العدل في ساحتنا العربية الإسلامية، و أول سبل التصدي هو بث ثقافة الحوار والشورى و التجديد و التسامح، لأننا بالنظر للآخر الذي نشكو من مخططاته و مؤامراته ، نحن لا نحرك ساكنا، نجيد النحيب و التشكيك في نوايا بعضنا البعض، حتى أصبحت مشاريع الإصلاح عندنا لا تهاجم من الآخر بل قبل أن تولد ، تهاجم من بني جلدتنا، هكذا كل شيء عندنا أصبح مستوحشا، خصوصا سبيل الإصلاح و التجديد و الخير و الكلم الطيب و العمل الصالح، و في هذا أمير المؤمنين عليه السلام يوصينا: "لا تستوحشوا في طريق الهدى لقلة سالكيه".
وإلى جانب الأقلام التي تصنع القنوط و تنشر الطائفية و العداوة، هناك أصوات أيضا للأسف تعتلي منابر إسلامية تحمل رمزية و قداسة النبي الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم في وجدان كل مسلم، ومما يندى له الجبين أن هذا السيل العرم من الإيدز الإعلامي يدعي الدفاع عن الإسلام...
علينا أن لا نتصور نهوضا حضاريا للأمة الإسلامية بعيدا عن إدارة متكاملة و إستراتيجية لكل مفاصل الوعي الثقافي من لدن المثقفين و علماء الدين، ابتداء من الكلمة التي تكتب و تقال، لأنه كما يذكر سماحة المرجع الكبير السيد محمد تقي المدرسي دام عزه في إحدى محاضراته بعنوان: الحوار بين الحضارات الإلهية: ((فالحضارة في البدء كانت كلمة طيبة ثم أخذت بالنمو حتى أصبحت شجرة وارفة الظلال كثيرة الثمار عظيمة الفوائد. وهذه الحضارات الكبرى التي تضرب بها الأمثال عبر التأريخ لم تكن سوى كلمات طيبة في صدور أولي الذكر، ثم تطورت وتنامت وازدهرت فأصبحت حضارة يشار إليها بالبنان))..وصولا إلى السلوكيات الطائفية...
وهذا ما نستشفه من النصوص الخاصة بمدرسة أهل البيت عليهم السلام التي ظلت أكثر التصاقاً بالذهاب إلى عمق ما يؤدي إليه النص و اختم هذه الكلمة بكلمة لسيدي و مولاي أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام: " أ لا أخبركم بالفقيه حق الفقيه، من لم يرخص الناس في معاصي الله ولم يقنطهم من رحمة الله ولم يؤمنهم من مكر الله ولم يدع القرآن رغبة عنه إلى ما سواه ولا خير في عبادة ليس فيها تفقه ولا خير في علم ليس فيه تفكر ولا خير في قراءة ليس فيها تدبر".
----------------------------------------------------------------------------------------------------
الهوامش:
(*)بقلم المهندس غريبي مراد: كاتب و باحث إسلامي
(1) نهج البلاغة ص751 –طبعة دار الهادي –تحقيق السيد عباس علي الموسوي/ط2، 2004.
(2) غرر الحكم/4/144 نقلا عن كتاب موسوعة الإمام علي (ع) في الأخلاق ص431 تأليف السيد هادي المدرسي.
(3) أمالي الطوسي ص54.
(4) إرشاد القلوب ص47





