نحن و المرأة : نظرة من وحي العظمة الزينبية (*)
غريبي مراد
مدخل:
إنها السيدة زينب الحوراء (ع) التي عاشت آفاق الإمامة و العصمة حيث ارتوت بماء النبوة و الإمامة بكل رحابة و همة و صبر و هي مظلومة مقهورة قتل أمامها شوامخ الإمامة وآذاها وظلمها أعداء الله مع وصية النبي بأمها و إخوتها في آخر حياته (الله الله في أهل بيتي) وكان المقصود الأول فاطمة ثم علي ثم الحسن ثم الحسين وبقية أهل بيت النبوة أولهم زينب عليها السلام (أذكركم الله في أهل بيتي) كل ذلك من أجل إقامة الحجة على هذه الأمة وكشف سوءة من يعتدي على أهل بيت النبوة ، و في وقتنا هناك إعتداء في شكل آخر هو اعتداء النسيان و نكران المرتبة الرفيعة لهم في الخريطة الإسلامية للعظماء و العظيمات.
وزينب عليها السلام هي الإمتداد الحقيقي و التجسيد العظيم لبضعة النبي المصطفى صلى الله عليه و آله و سلم (أمها فاطمة الزهراء عليها السلام)، وستبقى العالمة غير المعلمة عليها السلام النموذج الأعلى والأمثل للمرأة المؤمنة لذلك لابد أن نسعى لتعريف الإنسانية بموقعيتها الرئيسة في الثقافة الإسلامية من خلال انتهاج منهجها وإتباعها وإكرامها ومعرفتها حق المعرفة .
تعالوا لنقرأ حياة زينب كما نريد لناشئتنا أن تقرأ ها حتى يتعرف مجتمعنا على عظمتها ومكانتها عند الله سبحانه وتعالى .
فزينب هي المقياس والمعيار والميزان لمعرفة الحق من الباطل، خصوصا في منعطف كربلاء التاريخي...
تثقيف المرأة هو إحياء لثقافة زينب :
إن الله كرم الإنسان بشكل عام بما فيه الرجل والمرأة {وكرمنا بني آدم}، { لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم } فأفضل هيئة هو الإنسان فحينما نهين ونعيب المرأة فهو استنقاص لله-أستغفر الله العظيم-.
نحن بحاجة إلى تثقيف المرأة، فنزداد معرفة في الأحكام والعقيدة والفكر الرسالي وتنتمي إلى المؤسسات التبليغية و الحوزات و المراكز البحثية و الدورات الدينية.
حيث يقول الشاعر:
الأم مدرسة إذا أعددتها أعدت شعبا طيب الأعراق
و زينب عليها السلام وقفت وقفة أمها البتول عليها السلام في وجه الظلم و الطغيان و الإنحراف عن جادة الإسلام و صراطه المستقيم، إنطلاقا من مسؤوليتها الإيمانية و استجمعت قواها الثقافية الروحية من النماذج الرسالية العظيمة المعصومة ابتداءا من جدها النبي محمد المصطفى صلى الله عليه و آله و سلم فأبيها فأمها ثم أخويها سيدي شباب أهل الجنة عليهم السلام أجمعين...هكذا كانت زينب عليها السلام مدرسة أعددها الأطهار عليهم السلام فأعدت رساليين طيبي الإيمان، و نالت وسام العصمة الصغرى، فكانت المثال الحي و المستساغ للتحرر من قيود النفس و المجتمع الجاهلية و الإسهام بكل قوة و ثبات في مسيرة الإصلاح ما استطعت و مواجهة الاستكبار كله...
و عندما ندعو لتثقيف المرأة ليس تكرارا أو ترفا إعلاميا كما يخيل للبعض لأن واقع المرأة تغير، القضية فيها شيء من الإبهام و التمويه، فالمرأة في مجتمعاتنا لا تزال حبيسة الثقافة الرجولية المتناقضة مع الوعي الإسلامي، رغم هامش التنفس الديموقراطي لا الإسلامي. ربما هناك بعض المشاهد التي اقتربت فيها المرأة من كسر عنق الزجاجة العصبية و التقليدية، لكن السائد و المتعارف عليه هو النظرية النموذجية الإسلامية لا تزال بعيدة عن الواقع، شأنها شأن المسائل المهمة، و لقد وفق مولانا العلامة الجليل رضوان الله عليه الشيخ مهدي شمس الدين، في توصيف الواقع بعنوان" مسائل حرجة ..." و فعلا لا يزال موضوع المرأة حرجا للغاية، أو كما يعبر العلامة السيد محمد حسين فضل الله دام ظله، بان نظرتنا للمرأة هي نظرة جنسية أكثر منها إنسانية فلذلك نظلمها من حيث ندري أو لا...
و لهذا لا أستغرب أن السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام و ابنتها الحوراء زينب عليها السلام و بنات أهل البيت عليهن السلام ظلمن عبر التاريخ و في البرامج الإصلاحية الإسلامية المعاصرة على جميع الأصعدة، لأن منطلق التغيير في وعينا لا يزال يهمش و يستبعد حق المرأة في المسيرة التنموية الرسالية، و ربما بل بالكاد أن النبي المصطفى صلى الله عليه و آله و سلم عندما أوصى قبيل إنتقاله للرفيق الأعلى بالنساء خيرا،لأنه هناك سر استراتيجي في النظرية الحركية الإسلامية متعلق بعنوان "النساء"...
ثم لا ننسى أن المرأة في السياسة النبوية و كذا الإمامية و في التاريخ الرسالي كله لم تكن عنوانا ثانويا كما في السياسات الأخرى، لقد كانت المرأة إنسانا يتعامل معه بكل موضوعية تغني حضورها في المعترك الإصلاحي الرسالي...
هذه الإلتفاتة للمرأة المسلمة، من خلال النموذج الزينبي العظيم ، تستهدف إثارة للوعي النسائي في واقعنا بما يحاك ضده عبر وسائل الإعلام و السياسات الإستكبارية التي تستغل كل العصبيات الداخلية و الإختلالات الثقافية و الفراغات التجديدية لنسف تأثيره الإستراتيجي في معركة الإسلام...
إن مجتمعاتنا معاقة نتيجة إقصاء فاضح غير إسلامي و لا إنساني، للمرأة ، لا لشيء لأنها أنثى ، في حين نقرأ في القرآن عن ابنة عمران التي يقبل الله منها الأنثى التي كانت في منطق مجتمعها ليست كالذكر (كنظرة سلبية تشاؤمية لدى ذلك المجتمع) و يرفع الله مريم العذراء عليها السلام لتكون أفضل من كل أولئك المتعالمين و المترفعين بإسم الذكورة في مجتمع أمها، حيث تمتد رسالة الله للمسلمين و تذكرهم بأن القضية "مبدأ رسالي" و ليست جنس أو عرق ، هي عقل يفكر و قلب ينبض بالإنسانية و الرحمة و الانفتاح على آفاق الله الرحبة ، هكذا عندما نستحضر سيرة خديجة أم المؤمنين عليها السلام و عظمة الزهراء البتول عليها السلام، ولما نلتقي أيضا بزينب عليها السلام تلك الثقافة الإنسانية الممتدة عبر التاريخ كله في مفترق الطرق، لينهضن بنا رجالا و نساءا في مجالس المستكبرين من حضيض الدنيا إلى سمو الآخرة، لنكتشف أن المنطق الإسلامي إنساني إلى أبعد مما تتصور...
فالحقيق بنا أن نتواضع للنص الإسلامي و الثقافة الإسلامية القرآنية و الحديثية، و لا نحاول المراء و التضليل من منطلق ثقافة اجتماعية تقليدية جاهلية، مفادها يا محمد لا نستوصي بالنساء خيرا، و هذا عين الانقلاب فلنبحث و لنراجع و لندقق في حركتنا المسماة محمدية علوية حسينية زينبية إسلامية إنسانية عموما ...و إلا نكون مصداق كبر مقتا...
هكذا صعب جدا أن نصارح أنفسنا، و حديث المرأة كما يعبر عنه سماحة الشيخ حسن الصفار في كتابه" شخصية المرأة بين الإسلام و واقع المسلمين" الذي أثار جدلا و نباهة في نفس الوقت لدى الإنسان المسلم حين صدوره، هو حديث عن أسلمة الذات و واقع المسلمين، فلا يمكننا أن نتصور نهوضا إسلاميا أو تغييرا أو إصلاحا بعيدا عن ثقافة العدالة و عدالة الثقافة في جميع الاتجاهات ، إن مؤسساتنا الاجتماعية و المسماة ثقافية و التعليمية و السياسية و الاقتصادية و الإعلامية تمتهن الظلم في تسييرها و تنظيمها و تخطيطها، لذلك أصبحت مجتمعاتنا تستأنس بالظلم و تعشق الطغاة و تصنعهم، حيث عظمة البلية تزيد بدوام سباتنا و تكالبنا على بعضنا البعض ...
و في ختام هذه النظرة ، كما يتوجب على الرجل الأب و الرجل الجد و الرجل الإبن و الرجل الزوج و الرجل الأخ و الرجل العالم و الرجل المثقف، أن يثقف المرأة القريبة منه كذلك على المرأة المثقفة في مجتمعاتنا أن تلتزم دورها و تناضل و ترشد و تجتهد في إسعاف أخواتها لنهج سبيل زينب و فاطمة و خديجة و مريم عليهن السلام، فكلنا مسؤول على رعيته و المرأة مسؤولة في بيتها و مجتمعها، فكل فعل خير لا يمكنه أن ينتشر في ربوع المجتمع بسرعة إلا من خلال المرأة فبدلا أن نبقي المرأة تبحث عن ملاذها في الفضائيات و أسيرة مسلسلات الحب و الغرام و الحرية و برامج التحرر المزيف ، لننفتح عليها لترى زوجها الحبيب الشرعي وأبوها و أخوها النموذج الراقي للإنسان الرحيم الودود بدلا عن مهند أو يحي أو غيره من ممثلي الشرق و الغرب، و لنفتح أمامها الفضائيات الرسالية و المراكز و المنتديات و دور النشر لتبدع في تحليل و حل المشاكل و توجيه الإصلاح و الحفاظ على بيت الزوجية بثقافة إسلامية لا ثقافة فرنسية أو أمريكية، علينا أن نستدرك أخطاءنا تجاه نسائنا و نخطط لتصحيح ما فسد منا، و العزم على بناء الثقة و المحبة و التوازن و التعاون و الوفاق من جديد…
هنا سندرك لماذا زينب لم تته بعد شهادة الحسين عليه السلام –و حشاها ذلك- ؟؟
لأنها عليها السلام عاشت الإنسان في رحاب أهلها عليهم السلام، شربت الحب والرحمة و المودة و العفة و السداد و الجد و الاجتهاد في بيت علي و فاطمة عليهما السلام قبل أن تزف لعبد الله زوجها، و امتلأت روحها و عقلها بالعزة و الكرامة مع الحسن المجتبى عليه السلام و اتسع قلبها للإسلام عند استقبالها شهادة أبي عبد الله الحسين عليه السلام، و عليه ننتبه أنه لا يلومن رجل إلا نفسه في حال فرط في وصية النبي الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم بخصوص البقاء مع الأطهار عليهم السلام و الاهتمام الأمثل بالنساء...
و المبادرة الأخيرة التي تبناها مركز الدراسات الإسلامية بدمشق ، بخصوص دمج السيرة الزينبية في البرامج التعليمية مهمة جدا في تفعيل الوعي بدور المرأة في النسج الحضاري للأمة، و من شأن هكذا مشروع إذا جسد بكل دقة و إتقان أن يستأصل أورام الدونية و التقصير و التهميش التي تعاني منها المرأة في مجتمعاتنا…
لأن الطفل (بنت أو ولد) الذي يلتقي بزينب عليها السلام من خلال القصة و المثال و التاريخ و الفصاحة و الصبر، و يكبر مع ذلك كله، يمكنه أن يعمل لبقاء تلك الصورة الرائعة في حياته كلها، و يبحث عنها و يحاول رسمها في زوجته و ابنته و أخته، يبقى أن يكون التخطيط و المناهج متناسق مع تلك الجواهر إلى ابعد الحدود..
دون أن ننسى ضرورة العمل على إيجاد مرتكز إعلامي فضائي ثقافي يؤازر هذا الفعل التربوي التعليمي، سبق لي أن نوهت عليه في مقال سابق ألا وهو قناة بإسم الحوراء زينب عليها السلام (تربوية تثقيفية إجتماعية ) تعمل على احتضان المرأة المسلمة و صقلها بالثقافة الإسلامية الإنسانية الرسالية، حتى لا تتجه نحو فضائيات تنحو بها شرقا و غربا بعيدا عن نور الإسلام و تسهل الفعل التعليمي والتربوي ، حتى لا يعيش الطفل التناقض بين المادة التعليمية و الواقع العائلي و الاجتماعي…
إذا أردنا إصلاح رؤيتنا للمرأة، فعلينا أن نتخفف من بعض الجبن الثقافي و الحمق الذكوري و الجهل الإداري، وإذا كنا نريد أن ندخل المستقبل، فعلينا أن نحرر نساءنا بثقافة زينب عليها السلام لنقدر على تربية أبناءنا بكل أمان على أن يكونوا أحراراً.
دوام سلام الله على الأطهار عليهم السلام ما بقيت حيا
و السلام على مولاتنا السيدة زينب الحوراء… العقل و القلب و الروح و النور و العلم و الثقافة و الجهاد و العفة والجد و الإنسانة التي صنعت المجد الخالد و علمت القاصي و الداني ثقافة الإنسانية الإسلامية ..........
(*) المخلص للسيدة زينب سلام الله عليها
خادمها الفقير لرحابها غريبي مراد
الجزائر أم النبلاء
الجمعة 06 شعبان 1429 هجرية
و الحمد لله رب العالمين





