الفتيات بين الاختطاف والهروب وفجوات التربية
الإحساء – منال الخليفة
تتداول أحاديث المجالس قصة فتاة الثامنة عشر التي اختطفت عند خروجها لممارسة رياضة المشي صباحا لتبدأ مأساة أهلها والمجتمع في البحث عنها مؤكدين في حديثهم أن المناطق تحولت إلى غابات لا يأمن فيها احد على أهله وعياله وبالخصوص الفتاة من هجمات الذئاب المسعورة ليضيق الخناق أكثر وأكثر على الفتاة أيا كان عمرها أو مستواها التعليمي دون أن تفيدها حتى رجاحة عقلها
لتأتي الأيام بخبر عودة المخطوفة وهي بكامل صحتها وعافيتها ولم يبدوا عليها الأذى على الأقل ظاهريا ليركز الجميع في أحاديثهم على النتائج وما لذي حدث لها وما مدى تعرضها لمكروه ما تاركين الأسباب خلف ظهورهم وبيدهم طريقة العلاج الوحيدة لمثل هذه الحالة وهو إدخال الفتاة في دائرة كبيرة من الممنوعات فهناك حرمان من الخروج ، من الهاتف ، من الانترنت ، من ومن ومن 000000متناسين أن الضغط سيولد حتما الانفجار
وليبقى سؤال تائه في الأذهان أن ما حصل هو اختطاف أم هروب ؟؟؟؟؟
وهنا استرجع بذاكرتي لقصة فتاة سمعنا عن اختطافها بعد خروجها من إحدى المشاغل وإتمامها لدورة التجميل التي أخذتها فيه وليضج جميع الناس بالدعاء لها بالرجوع إلى أهلها سالمة وحفظها من كل مكروه إلا أن الحقيقة عندما تكشفت كانت مرة جدا وهي أن الفتاة كانت هاربة من ضغوطات أسرتها التي استخفت بعقلها ورغباتها لتلجأ إلى من فهمها وفتح ذراعيه بالحب لها في حين أن والدها جنى عليها قبل هروبها حين علم بعلاقتها بذلك الشاب وبدلا من أي يحتويها ويناقشها قام بنفيها في مكان ظن أن لا يستطيع احد الوصول إليها متجاهلا ثورة التكنولوجيا والاتصالات ليفاجئ بجيل اللا مستحيل وبعدها جنى عليها مرة أخرى إذ رمى بها إلى أنياب الذئاب حين رفض تسلمها من الشرطة بعد وصولهم إليها ليعتبرها عار عليه ويقذفها في أحضان الرذيلة من جديد ونسي انه أيضا كان عار عليها عندما لم تجد منه التوجيه والإرشاد الذي هو واجب كل أب
للأسف الشديد أن اغلب الآباء والأمهات في مجتمعنا يجهدون سعيا لألا يخط أبنائهم فيقفلون عليهم كل باب يحتملون دخول الخطأ منه ويحرمونهم من أشياء كثيرا إتباعا لهذا الاعتقاد وينسون أن كل بني أدم خاطئون وخير الخاطئين التوابين
والتوبة هنا هي التأكيد على عدم الرجوع للخطأ وهذا لا يأتي إلا من القناعة الداخلية بأهمية الامتناع وعدم الرجوع لمثل هذا الفعل وهنا هو دور التربية الحقيقي
لكننا نجد تتعدد الصور التربوية لكل عائلة لمنع أبنائهم من الخطأ وليس لمعالجة الخطأ
فتظهر عائلة بتول العائلة المحافظة جدا ومن شدة محافظتها فالبنت ممنوع عليها استخدام الهاتف إلا بمسمع من الجميع دون أي إطالة أو خروج عن الموضوع الأساسي والذي هو منصب في واجب لمدرسة أو سؤال في اختبار بحيث أن الهاتف سيقطع فورا بعد انتهاء ما يرونهم هم انه المطلوب ولا ضرر من التفتيش اليومي لحقيبتها بعد عودتها من المدرسة للتأكد من عدم وجود أشياء قد تكون مفتاح لخطأ ما لينقلب يومها اسودا عليها لو وجدت هدية تذكارية من إحدى صديقاتها فهي لم تعطي هذا التذكار إلا أن هناك مقصد سيء تريد أن تجر إليه
بينما أهل إيمان الأكثر تطورا وديمقراطية نجدهم فرحين بهدوء ابنتهم الكبرى و مثاليتها في التعامل داخل المنزل بالإضافة إلى جلوسها أمام الكمبيوتر معتبرين ذالك تطورا وتحضرا ومتناسين الفترات الطويلة التي تقضيها ابنتهم أمام شاشته بالإضافة إلى الحوار المفقود بينهم لتأتي أم إيمان لاحقا في مدرسة ابنتها وتفاجأ بالمشاكسات التي تقوم بها ابنتها داخل المدرسة والتي هي نقيض ما عليه في المنزل لتدافع عن مثالية ابنتها و لتعترف إيمان باختناقها من ثوب المثالية الذي نأى بها إلى عزلة أهلها ليتحول أصدقائها إلى عالمها الوحيد المبهج الخالي من مثاليات والتزامات الأخت الكبرى والخالي أيضا من أي خبرة تنقذها إذا لزم الأمر
أما سامية وهي الأخت الكبرى أيضا إلا أنها يتيمة إلام و والتي تعيش هي وإخوتها كل يوم في منزل احد من أقاربها وذلك بسبب عمل أبوها الذي يمنعه من التواجد معهم ليغدق الأخير عليها بكل ما تحتاج من مال و أمور مادية وينسى أن يعطيها الكلمة الحنونة التي تدغدغ فيها جنبات الحنان التي تفتقدها بحرمانها من أمها ولتسمع منه فقط كلمة أنت طويلة لسان ،أنت قليلة أدب ، أنت 'صايعة ' لترتكز هذه الكلمات وبالأخص الكلمة الأخيرة في ذهنها لتصرح أمام الجميع بأنها على استعداد أن تفعل أي شيء يخطر على بالها و يعطيها العاطفة التي تحتاجها وتعلل ذلك بقولها 'أبي لا يعلم عني شيء وأنا في وجهة نظره ' صايعة ' مهما حاولت أن أكون جيدة ' وهنا تدق نواقيس الخطر
وبعد هذه النماذج في طرق التربية المتواجدة في المجتمع قد نجد صورة مختلفة ظهرت كنتيجة للصور السابقة في تفسح أخلاقي تمثل في زوجة أخ ليلى التي تأخذ بيد ليلى لتعيشها العاطفة التي تحتاجها الفتاة في مثل عمرها ولتعوضها الحرمان الذي عاشته زوجة الأخ في أخت زوجها فلا تتوانى الأولى في أن تأخذ ليلى إلى مقابلة من تظن انه باب الحنان الذي تفتقده وتجعلها غارقة بكلمات الأغاني العابثة وترمي بها في مهب الريح وطريق اللا عودة لنكتشف أن زوجة الأخ هذه لم تجد من يعالج أخطائها سابقا بطريقة الاحتواء لتحتوي أخت زوجها بالطريقة الخاطئة ولا يعلم احد ما قد تكون النهاية
وهنا استرجع ما قاله وكيل وزارة الشؤون الاجتماعية الدكتور عوض الردادي في ظاهرة أطلق عليها ظاهرة ' هروب الفتيات ' في تصريحات لصحيفة 'الوطن' السعودية الأربعاء 7-12-2005حيث أرجع الردادي سبب هروب الفتيات من منازلهن إلى عدم فهم الأسرة لحاجات الفتاة من العطف والحب والانتماء والتفكير في المستقبل بالنسبة للفتاة، وأن الكثير من الأسر تضع العراقيل والصعوبات التي تمنع إتمام مشروع تزويج الفتاة مما يجعلها تبحث عن وسائل أخرى ويدفعها للهروب من المنزل، وكذلك انعدام التواصل العاطفي بين أفراد الأسرة، مما يؤدي بالفتاة إلى التفكير بالمناخ العاطفي خارج المنزل، مؤكدا في الوقت ذاته أنه ليس بالضرورة أن تهرب الفتاة من المنزل بقصد إيجاد علاقات غير شرعية مع شاب، فقد تهرب الفتاة نتيجة ضغوط داخل الأسرة وبالتالي يجعلها عرضة لهذه العلاقة المشبوهة، مشيرا إلى أن من الأسباب الجوهرية وراء هروب الفتيات ضعف الرقابة الأسرية على الفتاة أو إعطاؤها الثقة الزائدة.
وتبين فوزية الخليوي عضو الجمعية العلمية السعودية للسنة أن أنواع الهروب:
هروب معنوي : وهو الأكثر شيوعاً وذلك لطبيعة المجتمع المحافظ, ولخوف الفتاة من الأسرة, فتنعزل الفتاة نفسياً وتبقى في غرفتها مدةً طويلة, حيث تجعل لنفسها عالماً آخر من خلال الأحاديث الهاتفية, أو المحادثة عبر الإنترنت, فتملأ هذه المحادثات عقلها ووجدانها, يطمئن فيها الوالدان بأن أبناءهم وبناتهم يواكبون العصر أمام شاشة الكمبيوتر، وهذا بنظرهم آمن من الخروج للنزهات؟!! وقد تستيقظ الأسرة ذات صباح على فاجعة هروب الفتاة!!
وشكل آخر من أشكال الهروب: وهو المشاكسة, حيث ترفض بعض الفتيات أي موضوع يطرح لها سواءً كان سلبياً أم إيجابياً, ليس بهدف الوصول إلى نتيجة ولكن بغرض الحب في المعارضة التي تأتى في هذا الإطار رغبة منها في إثبات الذات!!
أما الهروب المادي : والتي تقذف الفتاة بكل المبادئ والفضائل, التي نشأت عليها وتنساق وراء رغباتها التي في الغالب تقودها إلى الوقوع في الرذيلة!!
وذلك بسبب كثرة الرفض من الأهل لمتطلبات الفتاة, وكثرة الجدال ,يؤدي إلى الإحساس بعدم إشباع حاجتها النفسية من الحب والتقدير, فتزداد الفجوة بينها وبين عائلتها, وقد تُصاب الفتاة بالاكتئاب، وتصل في نهاية المطاف إلى فكرة الهروب حيث تتلقاها الأيدي غير النظيفة!! واللوم هنا لا يقع على هؤلاء الفتيات الهاربات! بل تتحمل الأسرة غياب (الحوار الأسري)؛ لأن الفتاة لم تنشأ منذ الأساس على الرضا بالواقع بأنّ كُلّ شيء مقسوم في الحياة، وأن الناس خُلقوا طبقات شتى, فتجنح بخيالها، وتبتغي تغيير الواقع بالطرق الملتوية غير المشروعة؟!
وأوضحت الأخصائية النفسية مروة الصقعبي عدداً من الأسباب التي تدفع الفتاة المراهقة للهروب من المنزل أولها: انعدام التواصل بين أفراد الأسرة الواحدة، وبين الأسرة والفتاة، وذلك بسبب المشاكل الأسرية، بالإضافة إلى التربية (الصارمة) التي ينتهجها كلا الوالدين أو أحدهما كالاعتداء اللفظي بكثرة التوبيخ أو الاعتداء البدني
وكذلك تكوين العلاقات العاطفية التي يكون منشأها نتيجة الحرمان العاطفي الذي تعانيه الفتاة في أسرتها سواء من الأب أو الأم، فالمراهقون بشكل عام يحتاجون في هذه المرحلة العمرية إلى إشباع تام في هذه الجوانب من قبل الوالدين
وتنفي الأخصائية - مروة الصقعبي - أن يكون لوسائل الإعلام والفضائيات دور مباشر وأساسي في هروب الفتاة من بيتها خاصة في مجتمعنا، ولكن تأثيرها المباشر يكون في دفع الفتاة إلى تكوين علاقات عاطفية مع الشباب. وتشير إلى أن مجتمعنا بحمد الله مجتمع إسلامي محافظ يخلو من الدوافع الأخرى التي تتعرف عليها الفتيات في المجتمعات الأخرى مثل إعجاب الفتاة بممثلة أو فنانة أو توجد مسابقات لملكات الجمال والطرب وغيرها التي تدفع الفتاة للهروب من أسرتها للمحافظة لتحقق لنفسها هذا المجد الزائف.
أما الحلول فتجدها فوزية الخليوي في :
- كفّ الممارسات الذكرية المتسلطة على الفتاة من قبل إخوانها وأحياناً والدها!
- اقتراب الأم من ابنتها برفق, وجمعها بين اللين والحزم مع المراقبة بطريق غير مباشر! وغالباً ما تقع في هذا التقصير الأمهات العاملات لابتعادهن عن بناتهنّ فترات طويلة!!
- مراعاة التركيبة النفسية والهرمونية للفتاة, وخاصة فترة الامتحانات والدورة الشهرية!
- توعية الأسرة بأساليب التربية السليمة!
- تفعيل دور الأخصائية الاجتماعية في المدارس!
- دور الإعلام الهادف في محاربة المخدرات, والمعاكسات الهاتفية!





