أسئلة الاستبداد والحرية (2)
حسين أحمد بزبوز
في المقالة السابقة كان موضوع حديثنا يتمحور حول حقيقة الاستبداد الديني داخل البيت الشيعي، وذلك ضمن سلسلة مقالات تطرح (أسئلة الاستبداد والحرية) عنوانا جامعا لها، واليوم ينبغي إكمال ذلك المشوار بالانتقال للسؤال الثاني من أسئلة الاستبداد والحرية الثلاثة التي بدأناها فيما مضى، وهو السؤال التالي:
* هل يمكن أن تقوم أنظمة عادلة بدون نظام ديمقراطي؟
هذا السؤال الذي قد يبدو للبعض بسيطا للوهلة الأولى، مع ذلك يمكن أن يفتح بوابة واسعة لخزانة مليئة بالتساؤلات، فالسؤال يحوي ثلاث جزئيات هامة وأساسية قابلة للتفكيك العميق رغم مظهرها البسيط، هي: (أنظمة وأشكال الحكم - العدالة - النظام الديمقراطي)، ومن هذه الجزئيات الثلاث يمكن أن نفتح بوابة واسعة لتساؤلات وحوارات حية يمكن أن نضمنها ما يلي:
ما هي العدالة؟ وما هي الديمقراطية؟ وما هي أشكال أنظمة الحكم؟ وهل الديمقراطية هي العدالة؟ أو العدالة هي الديمقراطية؟ أو هل العدالة لا تتحقق إلا بالديمقراطية؟ أو لا بد للعدالة أن تحقق الديمقراطية؟ وهل تمتنع العدالة مع أشكال وأنظمة الحكم الأخرى المخالفة للديمقراطية؟ وما هي العلاقة بين الديمقراطية أو العدالة أو نظام الحكم من جهة، و العقيدة أو الأيديولوجيا أو التفسير الديني أو أعراف وأخلاق المجتمع أو الدستور وقوانين الحكم الوضعية أو السماوية من الجهة الأخرى؟؟؟
فكل هذه التساؤلات قد تطرح نفسها، وقد تمتد بنا التساؤلات إلى هوة المالانهاية، لتدخلنا في دوامة التعقيد واللامعنى أو اللااتفاق، فالحقيقة وان بدت جلية واضحة أمام أنظار البعض، فقد تبدوا في المقابل أمام أنظار الآخرين محض أوهام وسراب وانخداع وتسلسلات باطلة زائفة وغير حقيقية.
ومع هذا فإن المهمة الغير ميئوس منها أقلا في هذا المقال، هي أن نعمد لتحريك بعض التساؤلات لتحفيز التفكير انطلاقا من إيماننا بأهمية ذلك التحفيز وأهمية التبشير الفكري أيضا وانطلاقا كذلك من تحرير التفكير من كونه مجرد عملية مغلقة داخلية فردية محصورة في نظام عقلي مغلق يقوم بتنفيذها عقل الفرد في جمجمة مغلقة معزولة عن المحيط عزلة تامة أو شبه تامة كما ينادي بذلك البعض المتأزم والمأسور فكريا ونفسيا، خصوصا في بعض القضايا الدينية الهامة. ليتحول التفكير بعدها إلى عملية أوسع وأكبر ينفذها العقل الجمعي المشترك للمجتمع والأمة والبشرية جمعاء، حيث يشارك هناك الجميع مهما اختلفت ألوانهم أو مذاهبهم أو توجهاتهم أو أفكارهم أو تساؤلاتهم في صناعة آلة التفكير العظمى، وبذا يتم تفعيل عملية التفكير ودعمها بزخم من الرؤى والتساؤلات والمعارف الكمية والكيفية الواسعة المنتجة، لتبقى بعد هذا خصوصية الأفراد محصورة في حرياتهم الشخصية في تبني أو اعتقاد أو معارضة ما ينتج في النهاية من تداعيات ذلك التفاعل أو التفكير أو الحوار الاجتماعي الحر.
وعلى كلٍ، فإن من أوضح الواضحات في موضوعنا هنا والتي أتصور بحسب وجهة نظري أنه لا يمكن إلا الاتفاق حولها، هي أن العدالة التي هي محل حديثنا، والتي يمكن الحديث عن تطبيقها أو تحقيقها أو إمكانها، هي دائما وأبدا (عدالة نسبية)، ولا يمكن بحال من الأحوال أن تتحول إلى (عدالة مطلقة مثالية)، وهذا ما أنا مؤمن به. لذا سأتجاوز هنا أي حديث عن تحقيق العدالة المطلقة فوق أرض الواقع، مهما آمن بذلك الآخرون، وأتمنى أن لا يحسب ذلك من باب التعصب للرأي، وإنما من باب إبداء الرأي بكل وضوح وجلاء وصراحة. ولذا أتمنى أن يعتبر هذا المقال برمته اعتراضا على جميع أولئك الذين يؤمنون بإمكان تحقيق العدالة المطلقة فوق أرض الواقع، ... هذا أولاً.
ثانياً، لا بد من القول أن العدالة هي الهدف أو الغاية التي يجب أن نسعى جميعا لتحقيقها، وأن أنظمة الحكم ليست سوى أدوات أو طرق أو مناهج للوصول لتلك الغاية، وقد تصلح أو لا تصلح لذلك، والديمقراطية هي كذلك أيضا ليست سوى طريق من تلك الطرق التي ابتكرتها وطورتها البشرية بعد مرورها بالكثير من التجارب البشرية القاسية، وابتغت منها الوصول لأفضل حالات التوازن الاجتماعي والحضاري أو أوضاع العدالة الممكنة المؤدية لسعادة البشر التي يمكن تحقيقها فوق أرض الواقع.
ثالثاً، نظام الحكم يطلب من أجل تحقيق العدالة، أما العدالة فلا تطلب من أجل تحقيق شكل بعينه من أشكال أنظمة الحكم. فالعدالة هنا أهم من الأداة التي يطلب بها تحقيقها، بمعنى أن الأداة (أي نظام الحكم) التي لا تحقق العدالة، يجب أن ترفض وتنبذ ويتم التخلي عنها. فالديمقراطية وحكم الفرد وحكم الحزب والحكم الديني ... كلها طرق ومناهج وتجارب يقصد من ورائها الوصول إلى العدالة وتحقيقها في الواقع، ولا يمكن التشبث والتمسك بأي منها إلا بوجود القابلية فيها لتحقيق ذلك.
رابعاً، كما سبق لابد من الاعتراف أن العدالة المطلقة يستحيل تحقيقها فوق أرض الواقع، فالممكن تحقيقه هو العدالة النسبية، أو في الحقيقة شيء أخر يتم الاصطلاح على تسميته مجازا (العدالة) وهو في الحقيقة شيء آخر مختلف، هو إصلاح وتنظيم علاقات أفراد المجتمع ومكوناته بما يستقيم معه النظام العام (أي تحقيق الإصلاح الاجتماعي والسياسي). فقتل القاتل لا يعوض المقتول ولا يعيد له الحياة، وتعويض ما تم إتلافه من مال أو ممتلكات أو غيرها لا يعوض غالبا كل الأضرار المادية والمعنوية أو النفسية التي تلحق بالمعتدى عليهم. فبالتالي يتضح أن المقصود غالبا بكل جهود العدالة هو إصلاح النظام الاجتماعي والسياسي العام(1)، وبالمناسبة وبالاستيحاء والاستلهام من قوله تعالى: (إن الله يأمر بالعدل والإحسان ...)(2)، وبلحاظ الموالاة والترتيب بين العدل والإحسان هنا في هذه الآية، يمكن أن نقول مجددا أن الجراح والآلام الناتجة عن ارتكاب الجرائم في المجتمع الإنساني لا تندمل ولا تنتهي بمجرد إقامة ميزان العدالة بين الناس بإرجاع الحقوق لأصحابها أو التعويض عن ذلك، فذلك لا يكفي. لذا لابد أن يتبع ذلك العدل النسبي جهود أخرى تداوى بها جراح النفوس، وهي هنا تتمثل في (الإحسان) بمعناه العام، لتصفوا بعد ذلك النفوس بعد تكدرها وشحنائها، لأن العدالة في الواقع الإنساني لا تعيد عقارب الساعة إلى الوراء، ولا تعيد الأشياء إلى نصابها الواقعي الذي كانت عليه قبل الحدث، ولا تمسح المعاناة النفسية أو الذكريات المرة التي يسجلها وجود الإنسان بمجرد أن يقام ميزان العدل المفترض، ومن الملاحظ أن المحاكم لا تهتم كثيرا بمداواة النفوس والأرواح، أما الله (سبحانه وتعالى) فلا يأمر بالعدل وحده فحسب، بل يتجاوز ذلك للأمر بالإحسان والحث عليه، وهذا قد يتطلب مرحلة حضارية متقدمة جدا.
خامساً، يجب الالتفات إلى أن العدالة النسبية التي هي في حقيقتها مسألة إصلاح، ليست مسألة محسومة تورثها رؤية واضحة لا لبس فيها دائما وأبدا، وإنما فيها اختلاف وخلاف كبير بين البشر، وقد اختلف فيها أو في تطبيقاتها حتى أنبياء الله (ع)، كما في قصة نبي الله سليمان ونبي الله داوود عليهما السلام في قصة مشهورة. ومع ذلك يجب الإقرار أن هناك أمورا من الظلم والعدل لا لبس فيها ولا جدال، بل هي من أوضح الواضحات، بحيث لا يمكن أن يسمي أحدهم الظلم عدلا أو العدل ظلما ولا يتم مع ذلك الاعتراض عليه.
سادساً، الدين لا يبرر الظلم، ولا يمكن السكوت عن الظلم وإن تستر باسم الدين أو تسمى باسمه. ويمكننا القول أن الإله (سبحانه وتعالى) لو كان ظالما (وتعالى الله عن ذلك علوا كبيرا)، لما جاز السكوت عن ذلك الظلم أبدا، ما وجد الإنسان إلى الإنكار على ذلك الظلم سبيلا(3).
سابعاً، القول بعدالة الدين أو أي نظام قيمي آخر، والقول أن الدين لا يأمر إلا بالعدل، لا يبرر السكوت على الظلم أو ما يعتقده عقل الإنسان خلافا للعدل، مع عدم القدرة على تفسيره ليندرج منطقيا ضمن دائرة الأنظمة والقوانين العادلة ولو نسبيا. فالحقيقة التي يجب استحضارها هنا هي أن الله سبحانه لو كان ظالما لما كان لعبادته والتبتل إليه سبحانه أي معنى أو فائدة ترجى، إلا الولوج في عالم البلاهة والجهل والغباء والتخبط والبغي. فكيف نجيز لأنفسنا أن نعبد إله لا يتأكد منه العدل، بل يجوز أن يصدر منه القهر والجور والظلم، رغم كل ما قد نبذله من خضوع وخشوع وذل وعبودية ورضا؟؟؟!!!. لكن نقول: 'الحمد لله'، فالله سبحانه وتعالى كما نعرفه، وكما أقر بذلك الدين الإسلامي الحنيف أيضا، ليس عادلا فحسب، ولا مبغضا للظلم فقط، بل هو الحق والعدل والإنصاف والكمال المطلق بعينه، في أصدق وأدق وأقوى وأحق المعاني الثابتة، بحيث يمكننا القول أن الإسلام يدعوا لرفض الإله والدين الظالم أياً كان مصداقه، كما أنه يؤكد القبول بالدين والإله العادل فقط، الذي يمكن طبعا أن يفهم عدله وظلمه البشر.
فإذاً، العدالة النسبية التي يجب الحديث عنها هنا هي عدالة نسبية بشرية، يفهمها و يدركها ويستوعبها عقل البشر، بحيث لا يصح القبول بخلاف ذلك الفهم والاستيعاب، مما ينتج عنه العبث، فتسمية الظلم الذي نفهمه بمسمى الإنصاف والعدل، ينتج عنه قلب الحقائق عن واقعها، ومن ثم إفساد الواقع، كما حدث ويحدث في أحيانٍ كثيرة في واقعنا الإنساني.
فالعدالة إذا - كما أفهمها - هي نظام قيمي، يمكن أن ينتج إصلاحا وانضباطا اجتماعيا وسياسيا يمكن تفسيره والإقناع به، وإذا تسالم على ذلك النظام أبناء المجتمع يصح أن يستقيم نظام المجتمع وتزدهر في ظله الحياة الاجتماعية ويحصل به التوازن والرضى العام - ولو بشكل نسبي طبعا - في أجلى صوره الممكنة، بحيث لا ينتج معه فساد لا يمكن تبريره أو يمكن تفسيره بالرجوع في الاتهام إلى نظام العدالة نفسه.
وهنا تبرز لدينا ثلاث جزئيات لا بد من التركيز عليها لتحقيق العدالة الواقعية، وهي: وجود النظام القيمي العادل والمقنع القابل للشرح والتفسير، قابلية ذلك النظام القيمي للتطبيق في ظل المحاسبة واستقامة النظام الاجتماعي معه عند التطبيق، تسالم واقتناع ورضى أبناء المجتمع بذلك النظام القيمي كمقدمة لتطبيقه اختياراً دون قهر، وهذا يقتضي منطقيا تشريع حرية الدعوة والتبشير الفكري والقيمي داخل كيان المجتمع.
وللتوضيح أكثر، فإن هذه الجزئيات الثلاث تعني فيما تعني: عدم جدوائية أو فاعلية الأنظمة الدينية الميتافيزيقية الإقصائية الغير قابلة للتفسير وغيرها من مثيلاتها من الأنظمة القيمية التي تقصي العقل البشري من ساحة الفهم، وجوب محاكمة ومن ثم رفض أي نظام قيمي ينتج عنه فساد اجتماعي أو سياسي واقعي يمكن تفسيره عند التطبيق باعتباره نظاما مجانبا ومخالفا للعدالة والمنطق والعقل، العدالة لا يحققها حتى النظام القيمي الصحيح إلا في ظل رضا واتفاق ونضج أبناء المجتمع وإقرارهم بحاكمية ذلك النظام القيمي، وهذا هو ما يستوجب بالضرورة الدعوة إلى التوعية والتبشير القيمي تمهيدا للتطبيق، لأن التطبيق خلافا لذلك لا ينتج عنه سوى الديكتاتورية والقهر والقمع.
ثامناً، إذا تحقق وجود النظام القيمي العادل القابل للتفسير البشري والفهم (وهو ما يمكن أن ينتجه المجهود الفكري للفرد أو الجماعة)، وكان من الممكن التحقق من صلاحية تطبيق تشريعات ذلك النظام فوق أرض الواقع ومحاكمته عمليا، فيبقى رضا وقناعة وتسالم الناس وتحكيمهم لذلك النظام في ظل كيانات اجتماعية لا شك أنها متحولة، وهذا ينقلنا للحديث عن طبيعة نظام الحكم الذي يمكن أن يسمح بحرية التبشير الفكري والسياسي الممهد لتطبيق النظام عبر التداول السلمي للسلطة، وهذا ما لا يمكن تحققه - من وجهة نظري - إلا عبر نظام حكم ديمقراطي لا غير.
ويمكنني هنا القول أن رفض النظام الديمقراطي كنظام للحكم، يعني - فيما أفهم - رفض التداول السلمي للسلطة، ورفض التداول السلمي للسلطة يعني - فيما أفهم أيضا - رفض التعايش، وبالتالي رفض السلم والأمن الاجتماعي، والشروع في الاحتراب، والولوج إلى عالم الإرهاب والقمع والعنف. وهذا ما ينتهي إليه - بحسب فهمي - نظام الحكم الذي يتكيء على سيطرة الفرد أو الحزب أو الجماعة في ظل إقصاء الشعب، مهما طال بهذه الأنظمة زمان الهدوء والصمت. لأن التحولات الاجتماعية بلا شك حتمية بشرية لا يمكن الفرار منها، ولأن التداول السلمي للسلطة الذي لا توفره آليات هذه الأنظمة السالفة الفاسدة والمستفردة، يؤدي في النهاية وبشكل طبيعي ومنطقي للاحتراب، وهذا ما يجب أن تفهمه بالضبط مجتمعاتنا الإسلامية الغنية بالتنوع والاختلاف.
وبهذا أخيرا إذاً تتضح الصورة، ويمكن الإجابة هنا على سؤال هذا المقال، وهو: هل يمكن أن تقوم أنظمة عادلة بدون نظام حكم ديمقراطي؟.
فنظام العدالة والذي هو نظام قيمي ينشد الإصلاح والسلم والرقي والرفاه الاجتماعي، الذي قد ينتجه فرد أو أفراد في المجتمع، مهما كان منطقيا ومقنعا وقابلا للتفسير، لن يحقق العدالة المنشودة الممكنة، ما لم يكتسب حاكميته من خلال التوافق والرضى الشعبي. وبما أن الديمقراطية هي الضمانة الوحيدة والنظام الوحيد الذي يوفر التداول السلمي للسلطة (المسؤولة عن تطبيق ذلك النظام)، وبما أن المجتمع البشري أيضا أياً كان كيان متحول، فلا بديل إذا عن الديمقراطية لتحقيق العدالة وحماية قيمها.
ولكن الديمقراطية المتمثلة في عمليات الانتخاب ليست هي عين العدالة ولا عين الإصلاح، فهي بمفردها ليست كافية لتوفير العدالة المناسبة لحماية كافة الأفراد والفئات، والظلم والجور في ظلها ليس سوى خيار مثله مثل بقية الخيارات التي قد تضيع معها حقوق بعض الفئات أو الأقليات، خصوصا إذا ما اتفقت على ذلك غالبية الأمة، ووجد ذلك لنفسه متسعا في النظام. لذا كان لا بد لتحقيق العدالة أو القرب منها في ظل النظام الديمقراطي، أن تبرز مؤسسات تهتم وترعى وتدعم وتخطط وتروج وتنظر لأفضل نظام قيمي يعزز قيم العدل والإنصاف ويحافظ عليها في ظل ذلك النظام. وهذا هو بالضبط ما يفسر ظهور المنظمات والمؤسسات الحقوقية الراعية لحقوق الإنسان في الحضارات الديمقراطية الحديثة في الغرب.
* أخيراً، (نتائج وإشارات):
- لا واقعية للعدالة المطلقة.
- العدالة الواقعية ما هي إلا عدالة نسبية، والدعوة لتحقيق العدالة المطلقة ما هي إلا عملية تجهيل وزراعة للأوهام.
- العدالة مهما كان نوعها أو مصدرها، لابد لها من تفسير منطقي، والتغاضي عن ذلك التفسير المنطقي وتجاوزه بذرائع دينية أو غيرها لا يعني إلا تشريع الجهل والظلم.
- التداول السلمي للسلطة ضرورة من ضرورات تحقيق العدالة العام، وهو ما لا يمكن تحققه إلا في ظل نظام الحكم الديمقراطية.
- الديمقراطية ليست هي العدل، لكنها هي البيئة الوحيدة التي يمكن أن يصنع وينمو ويستمر في ظلها العدل.
- منظمات حقوق الإنسان جزء مكمل للديمقراطية في عمليات صناعة العدل. والانتخابات والديمقراطية في معناها البسيط، لا يمكن أن تشكل بمفردها ضمانة كافية لسيادة العدل والمساواة.
* وختاماً: نعود لنذكر بالأسئلة الثلاثة ضمن هذه السلسلة، وهي:
- هل لدينا استبداد ديني شيعي؟.
- كما سبق، نعم.
- هل يمكن أن تقوم أنظمة عادلة بدون نظام ديمقراطي؟.
- وقد قدمنا بالقول فيما معناه: أنه (تجاوزا) قد تقوم أنظمة غير ديمقراطية عادلة تحقق عدالة نسبية مؤقتة، لكن هذه العدالة إنما هي عدالة ليست مؤهلة لأن تستمر، خصوصا مع امتناع التداول السلمي للسلطة في ظل تلك الأنظمة، مما يؤدي في النهاية للفساد والدمار الحتمي.
- هل الديمقراطية تتعارض مع ضوابط دينية ضد حرية التفكير؟.
- وهذا السؤال رغم أنه سؤال واضح الجواب، إلا أنه هو سؤال المقالة القادمة من سلسلة هذه المقالات.
فإلى لقاءٍ قادم في الحلقة القادمة إنشاء الله.
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) هنا قد يقفز لأذهان البعض سؤال مشروع عن نوع العدالة التي كان يمارسها الأنبياء(ع): فهل كانت عدالة نسبية أم عدالة مطلقة، أو هل كانت عدالة إصلاح أم عدالة كاملة؟؟؟ وأين نضع قضية اختلاف نبي الله سليمان (ع) ونبي الله داوود (ع)، عند تحكيمهما في الحرث الذي نفثت فيه الغنم، في ظل ذلك؟؟؟.
(2) سورة النحل - آية 90.
(3) وهنا أيضا قد يتساءل البعض: أليس لله مكانة خاصة، بحيث لا يسأل عما يفعل، بينما الناس يسألون ويحاسبون ويُساءَلون عما يفعلوه؟؟؟!!!
والجواب على هذا السؤال سهل، فقد اعترض أنبياء الله (ع) على الآلهة التي اتسمت بالضعف، ولم تمنعهم ألوهيتها المزعومة من الاعتراض، فهل يجوز الاعتراض على ضعف الآلهة بما فهمه البشر بعقولهم المحدودة من ضعف؟؟؟. فإذا كذا بنفس الطريقة والمنطق، فالعدالة المزعومة في الإله إن لم تكن متحققة واقعا بحسب فهمنا البشري، فذلك يكفي أيضا مشرِّعا للاعتراض. فإن العجز والظلم المدرك بشريا يكفي وحده مبررا للاعتراض البشري على الآلهة، كما فعل الأنبياء. وقد يسأل سائل مستفهما أيضا لماذا؟؟؟!!!. فنقول، لأنه لا معنى ولا قيمة بشريا لعدالة أو قدرة أو حكمة، لا يستطيع البشر إدراكها أو فهمها أو استيعابها، لأنها حينئذ تغدوا نافذة للتخبط، لأنها قابلة للتطبيق على كافة أشكال الآلهة الخرقاء والعمياء، فيبطل مع ذلك التدين من الأساس، وهذا أشد إشكال يجب أن يخشاه الإنسان المؤمن على الإيمان.








