من أجل معرفة البتول الزهراء عليها السلام ! (*)
بقلم: أ.م.غريبي مراد(**)
مقدمة:
جاء في تفسير أطيب البيان: عن الإمام العسكري (ع): "نحن حجج الله على خلقه و جدتنا فاطمة حجة علينا"(1)
هذه الكلمة للإمام العسكري عليه السلام إيحاء و إشارة لما روي عن الإمام الصادق عليه السلام: "هي الصديقة الكبرى و على معرفتها دارت القرون" ...
و كما ورد في شعر أم المؤمنين عائشة (رض) حيث قالت:
فاطمة خير نساء البشر *** و من لها وجه كوجه القمر
فضلك الله على كل الورى***بفضل من خص بآي الزمر
زوجك الله فتى فاضلا *** أعني عليا خير من في الحضر
فسرن جاراتي بها أنها *** كريمة بنت عظيم الخطر (2)
و بعيدا عن الجدل حول يوم ميلادها سلام الله عليها، يذكر العلامة الأستاذ الصديق الشيخ حسن الصفار حفظه الله و رعاه في كتابه أحاديث في الدين و الثقافة و الإجتماع الجزء الرابع الصفحتين 16-17 : تختلف الروايات التاريخية حول سنة ولادة السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) هل كان قبل البعثة النبوية بخمس سنوات كما يرى أكثر علماء أهل السنة؟ أم بعد البعثة بخمس سنوات كما يرى علماء الشيعة؟ ولكنها تتفق على تحديد اليوم والشهر تقريباً، حيث تنص أكثر الروايات على أن ولادتها كانت في العشرين من شهر جمادى الثاني.
ولنا أن نتصور مدى الفرحة التي غمرت قلب رسول اللَّه (صلى الله عليه وآله وسلم)بولادة بضعته الزهراء (عليها السلام).
أولاً: لكمال إنسانيته وعمق عواطفه، فلا بد وأن يستبشر بتفتق برعم إنساني جديد في أحضانه.
ثانياً: لما أطلعه اللَّه تعالى عليه عبر وحيه من فضل هذه المولودة ومكانتها عند اللَّه تعالى، وإن استمرار نسله وذريته المباركة سيكون من خلالها.
وثالثاً: لانعكاس شمائله على محياها وطلعتها المشرقة.
يقول الدكتور محمد عبده يماني:
وقد استبشر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بمولدها وقال لزوجته خديجة: يا خديجة إنها النسمة الطاهرة الميمونة، وأن اللَّه تعالى سيجعل نسلي منها. ولهذا كانت مثار اهتمام أبيها، ولا سيما أنها كانت تشبهه، فقد روى الحاكم في المستدرك بسنده عن أنس بن مالك (رضي الله عنه): كانت أشد الناس شبهاً برسول اللَّه (صلى الله عليه وآله وسلم) بيضاء مشربة بحمرة، لها شعر أسود.
وعن أم المؤمنين أم سلمة (رضي الله عنها)قالت: كانت فاطمة بنت رسول اللَّه (صلى الله عليه وآله وسلم) أشبه الناس وجهاً برسول اللَّه (صلى الله عليه وآله وسلم).
وعن عائشة أم المؤمنين (رضي الله عنها) أنها قالت: ما رأيت أحداً من خلق اللَّه أشبه حديثاً وكلاماً برسول اللَّه (صلى الله عليه وآله وسلم) من فاطمة.
رضي اللَّه عنها وأرضاها.. فقد كانت نطفة طاهرة، ونسمة كريمة باهرة.. وسيدة فاضلة، أشبه ما تكون بسيد الخلق، وقد ورثت المجد من كل جانب، وحازت الفضل(3)
في ذكرى مولدها المبارك، نريد أن نقتبس من هدي سيرتها العطرة، ما ينير لنا شيئاً من دروب الحياة)) ،نعم هذا مقصد كريم و عظيم و تعب مستتعب يذكره سماحة الشيخ حسن الصفار دام عزه، فليس كل ما يتمناه المرء يدركه و أن ليس للإنسان إلا ما سعى، حيث أن المراجع للمصادر الإسلامية يكتشف تلاحق السور والآيات القرآنية الخاصة بها و بأهل بيتها عليهم السلام وكذا الروايات و الأحاديث و الأشعار في تبيان فضل مولاتنا و أمنا سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء عليها الصلاة و السلام، و لا عجب فكنيتها المعروفة بين عامة المسلمين (سنة و شيعة)الواردة عن النبي الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم : "أم أبيها " تغني قلب و عقل الباحث عن حقيقة فاطمة الزهراء عليها الصلاة و السلام، فالذي لم يدرك قيمة الأم في حياته لا يمكنه الإرتقاء لمستوى معرفة قيمة فاطمة الزهراء عليها الصلاة و السلام في الحياة و بذلك موقعية النبي الأكرم صلى الله عليه و آله في إسلامه، فثمة سر مستودع فيها عليها السلام، لا ينال إلا بوعي حقائق الوجود و أبعاد المسؤولية في الدنيا بعيدا عن ترانيم الضعة و التسافل و الأنانية و العجب...
و سرها سلام الله عليها عظيم فيه أسرار تنجلي و تنال بمستوى وعي قيمة النفس في هذا الفضاء الوجودي ضمن حقيقة الإسلام المحمدي الوجود، فحب الأطهار عليهم السلام أمر جميل في ذاته و عظيم في تجلياته ، لكنه لا ينال بدون نيل وسام حب فاطمة الزهراء عليها السلام، فثمة تلازم أو شرطية ذات عمق و امتداد في التواصل مع أهل بيت النبوة عليهم الصلاة و السلام و الإقتداء والتأسي بهم و التطلع لبلوغ مستوى الولاية لهم ، ألا و هي معرفة شخصية سيدة نساء العالمين عليها السلام حق المعرفة ....
و كم هو جميل و محزن في آن واحد، حين نكتشف أن شخصية فاطمة الزهراء عليها السلام، هي الحلقة المفقودة في مشوار الإسلام بعد النبي صلى الله عليه و آله وسلم، لأنها عموما كان محل اتفاق بين المسلمين آنذاك، و هي بقية النبي صلى الله عليه و آله و سلم، و التي من المفترض أن يعود إليها من اختلطت عليه الأمور ليعرف النهج الحق بعد المصطفى صلى الله عليه و آله و سلام ، على الرغم من أن كل شي كان واضحا بنص النبي صلى الله عليه و آله و سلم، لكن كما يقال أشكل الإشكالات توضيح الواضحات...
في هذه المقدمة حاولت تبيان ضرورة السعي لمعرفة حجة الحجج عليها الصلاة و السلام بطول التفكر حتى تحمد العواقب و نستدرك فساد الأمور، و كما ورد عن كفئها أمير المؤمنين عليه السلام: "من أشد عيوب المرء أن تخفى عليه عيوبه"، و بلحاظ ما ذكرناه فإن جهل المسلم بسيرة السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام و فضلها و واجبه تجاهها عيب عظيم، و معرفة هذا العيب لا تتحقق إلا بمراجعة إسلامك، حتى ينهض هذا الإسلام من جديد و ترتفع معنوياتك و تسترجع الثقة الإيمانية الولائية بنفسك، و هذه المراجعة تعني إدراكك لمصاديق شخصية النبي صلى الله و آله و سلم بحق، يعني أن تنظر إلى ذاكرتك الإسلامية فتنظفها من الطفيليات التاريخية و ترتبها على أساس العدل و العلم و الجدارة لا الكتابة التاريخية المتراوحة بين التعصب و السياسة، لأن ذاكرتك تلعب دورا أساسا في تنمية فكرك الإسلامي و الإنطلاق بروحك في الآفاق الكونية و هكذا تصبح ذاكرة مستمرة الحركة غير جامدة في قصص و مشاهد و معلومات تتكدس جنبا إلى جنب و كأن وقائع التاريخ الإسلامي في ذاكرتك تعيش الكساد و غير قابلة للاستثمار الأمثل في حياتك، و حينها تكتشف أن العقل مصلح لكل أمر و ليس قابل لأي أمر بلا تفكر و لا تدبر، و كم من عقل إسلامي أسير تحت هوى طائفي...
هذه هي محنة السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام عبر الزمن الإسلامي كله، فكما حاد الناس عن علي عليه السلام أهوائيا ، حادوا أيضا عن الزهراء عليها السلام جهلا و نسيانا و شكا و ما هنالك من تفاصيل بداية دراما أهل البيت عليهم السلام في المفكرة الإسلامية، و لعل فاطمة الزهراء عليها الصلاة و السلام هي الصنو الثاني للوحدة بين المسلمين إلى جانب صنو علي عليه السلام، فكلاهما عليهما السلام كانا الأقرب و الأعلم و الأقدر على ضمان سلامة حركة الإسلام في الحياة بعد رحيل النبي الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم...
و على ضوء ما ذكرناه فعلى المسلم كل في موقعه الرسالي، أن يسأل نفسه دائما كيف يمكنه أن يرتب و ينظم إسلامه بما يجعل حياته ذات وعي إسلامي رشيد، و في ختام هذه الكلمة ندعو لهذه الخطوات العملية على المستوى الفردي و الإجتماعي و المؤسساتي العلمائي:
أولا: العمل على طرح السيدة فاطمة الزهراء عيها السلام كشخصية إسلامية لا مذهبية، حسب الإنسيابات التاريخية الضاغطة على تفكير البعض، بل أكثر من ذلك التفكير إستراتيجيا لتقديم شخصية الزهراء عليها السلام الأنموذج الإنساني العظيم مصداقا للأحاديث الشريفة.
ثانيا: الإنطلاق بالنشر و التوزيع المجاني للكتب التي تعرف بالزهراء عليها السلام من خلال دعوة الكتاب المسلمين سنة و شيعة للتعبير عن حقائق شخصية الزهراء عليها السلام ، ليكون الوعي سليما و وحدويا لدى المسلم كله،لأن الوعي السليم هو مدخل للواقع الإسلامي السليم، فالغريب أن المسيحيين يقومون بحملات إعلامية ضخمة في العالم للتعريف بشخصية السيدة مريم العذراء عليها السلام –طبعا ملامح الشخصية مشوهة لديهم-بينما نحن المسلمون لم نستطع أن ننشر 500000 نسخة-حتى لا نبالغ و نقول مليون- من نشرة خاصة بشخصية السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام، تكون قابلة للإطلاع من لدن كل المسلمين و الناس أجمعين بحيث تحي الوعي الإسلامي الإنساني الجامع بهذه الشخصية الربانية العظيمة التي ما أحوج الإنسانية نساءا و رجالا للنهل من معين أخلاقها و مواقفها و كلماتها و سيرتها العطرة و بركتها العظيمة.
ثالثا: تفعيل تظاهرات و مؤتمرات عالمية خاصة بالسيدة فاطمة الزهراء عليها السلام،كالمهرجان الولائي السنوي الخاص بالسيدة زينب عليها السلام، تسهم في مراجعة التراث و تحقيق التقريب و توسيع الآفاق الوحدوية، فكما ذكرنا السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام، مبحث و مطلب رئيسي في الغاية الوحدوية و كذا الإنسانية، مغيب و مهمش لا لشيء سوى لأن الخطاب الطائفي التجزيئي ركب ثقافة أحادية لدى أتباعه، و زينها بجزئياته الفكرية أي مذهبيته المنغلقة على الهواء الطلق الإسلامي.
رابعا: إثراء البحث الأكاديمي الإسلامي الخاص بالشخصيات العظيمة، ليكون بمثابة عملية فكرية منظمة و قادرة على تصور الحلول للمشاكل الفردية و الاجتماعية و السياسية والاقتصادية و رسم الأهداف الحضارية...
خامسا: إذا كنا فعلا نعمل على تعريف الآخر بشخصية فاطمة الزهراء عليها السلام، فلا مجال أمامنا إلا أن تكون العملية الإعلامية التي نقوم بها شاملة ومترابطة مع أبعاد و أخلاق هذه الشخصية العظيمة، التي نطمح للوصول بها إلى وعي الإنسان كله المسلم و غير المسلم.
سادسا: تحريك ثقافة السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام بعيدا عن الحساسيات الطائفية و المذهبية و العمل على بعث هذه الثقافة بصفائها و نقائها الذي يجعلها شمسا منيرة للناس في ظلام الجهل و الاستكبار.
سابعا: خلق جمعيات نسوية رسالية تعمل على ترشيد البنات و الأمهات و الزوجات بثقافة و أخلاق فاطمة الزهراء عليها السلام القرآنية الرسالية، و التركيز والاهتمام برعاية الجانب التربوي الأخلاقي للأولاد باكتشاف النظرية التربوية الفاطمية...
ثامنا: إنشاء المكتبات و النوادي الفكرية الأدبية بإسم البتول عليها الصلاة و السلام، و جعلها فضاءا ثقافيا لتنمية قدرات المرأة المسلمة الفكرية و الروحية و الرسالية عامة.
تاسعا: تجديد الإعلام الإسلامي بإبتكار رؤى إعلامية تسهم في إصلاح الواقع الإسلامي من خلال سيرة المعصومة الزهراء عليها السلام.
طبعا الخطوات متعددة، هذا ما يحضرني الآن، و يمكن لكم كل من يتفكر منكم و يهتم بأمور المسلمين أن يكتشف مشاريع رسالية مهمة من شأنها تحقيق التنمية الثقافية و الإجتماعية في واقعنا الإسلامي...
في الختام أحبتي، ميلاد سيدة نساء العالمين عليها الصلاة و السلام، هي ذكرى مفعمة بالمسؤولية ككل الذكريات الإسلامية، فإحياؤها ليس مسألة جوفاء بل تعني قيمة الحياة أن يكون هدفك فيها عظيما و هكذا العظماء لا يمكننا أن نحيي ذكراهم إذا لم نستوعب الأهداف العظيمة التي حققوها فنالوا وسام العظمة استحقاقا و تشريفا على طول الزمن كله.
و لكي ننجح في معرفة الزهراء عليها السلام و من بعدها أئمة الهدى عليهم السلام و النبي الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم، علينا أن نتواضع و نجاهد و نصلح كما هم تواضعوا و جاهدوا و أصلحوا ...
و ستبقى الزهراء عليها السلام مدرسة الإسلام كأبيها و بعلها و بنيها، أما سرها المستودع فيها هو النجاح في معرفتها حق المعرفة ... ! و أرجو منكم أن تركزوا جيدا في الرواية التي أختم بها حتى نتبرك بحب سيدة العالمين عليها السلام ، إنها رواية وردت عن الصحابي الجليل سلمان الفارسي رضي الله عنه قال:
قال النبي صلى الله عليه و آله و سلم:
يا سلمان من أحب فاطمة فهو في الجنة معي، و من أبغضها فهو في النار، يا سلمان حب فاطمة ينفع في مئة من المواطن، أيسر المواطن القبر و الميزان و الحشر و الصراط و المحاسبة، فمن رضيت عنه ابنتي رضيت عنه ، و من رضيت عنه رضي الله عنه، و من غضبت عليه فاطمة غضبت عليه، و من غضبت عليه غضب الله عليه، و ويل لمن يظلمها و يظلم بعلها أمير المؤمنين عليا عليه السلام و ويل لمن يظلم ذريتها و شيعتها"(4)
و نستشهد بما استشهد به العلامة الإمام المجدد رضي الله عنه في كتابه الرائع "فاطمة الزهراء أفضل أسوة للنساء ":
أنى لمثلي أن أحصي مآثرها *** أم كيف لي سرد نبذ من سجاياها
فالله فضلها و اله شرفها *** و الله طهرها، و الله زكاها (5)
و الله المستعان لكل خير، و الحمد لله رب العالمين
(*) كلمة بمناسبة ميلاد السيدة فاطمة الزهراء علها السلام.
(**) كاتب و باحث إسلامي
الهوامش
(1)تفسير أطيب البيان: ج13 ص 225.
(2) المناقب ج3 ص355
(3) يماني: محمد عبده، إنها فاطمة الزهراء ص15 الطبعة الأولى 1996م دار المنار – مؤسسة علوم القرآن، دمشق.
(4) إرشاد القلوب: ص293
(5) الإمام الشيرازي المجدد، فاطمة الزهراء عليها السلام أفضل أسوة للنساء





