الاستبداد ظاهرة طبيعية، والعلاج هو التغيير الواعي*
حسين أحمد بزبوز
* الاستبداد والطبيعة البشرية:
يقول الدكتور منصف المرزوقي 'الاستبداد ليس إلا مجرد حالة سياسية اجتماعية تعكس غرائز قارة في الطبيعة البشرية'(1)، ثم يستشهد بعدها بقول المتنبي في بيته الشهير:
والظلم من شيم النفوس فإن تجد ذا عفة فلعلة لا يظلم
كما يرى سماحة العلامة الشيخ فوزي آل سيف في كتابه (رؤى في قضايا الاستبداد والحرية)، أن الاستبداد لا ينحصر في النظم السياسية لأنه 'في كل شخص يوجد مشروع استبداد... في كل شخص مشروع طغيان وتفرد'(2)، لذا يذهب آل سيف في كتابه لضرب العديد من الأمثلة الفردية داخل البنية الاجتماعية والتي قد تشكل نماذج مصغرة وصورا متنوعة للاستبداد قابلة للنمو والتفاقم، ليؤكد من خلالها تلك الحقيقة التي لا يمكن إغفالها وهي أن الاستبداد نتاج طبيعي لطبيعة البشر وتفاعلات الحياة التي يعيشون فيها.
نفس هذه الحقيقة يمكننا أن نلحظها أيضا على لسان كاتب آخر هو السيد نصر محمد عارف(3)، فهو يقول'إن الاستبداد بصورة عامة والسياسي منه بصورة خاصة ظاهرة بشرية شهدتها مختلف المجتمعات في مرحلة أو أكثر من تاريخها'(4). فهي إذا ليست مرحلة عابرة ولا أمرا طارىءً بل ظاهرة متكررة تتوالد باستمرار عبر تاريخنا البشري.
وهنا يجب أن نتوقف لنسلط الضوء جيدا على هذه الحقيقة كي لا نقع فريسة الأوهام المتغلغلة في كثير من كتاباتنا الإسلامية - وسنذكر لاحقا لذلك أمثلة -، فقد ينخدع بعضنا فيظن أن الاستبداد حالة نقض لطبيعة الواقع الإسلامي المثالي أو شبه المثالي، فنتصور مثلا ببساطة أن سيادة الشورى والحريات وما شابه عبر تاريخنا الإسلامي كانت أقرب لحتمية على وشك السيطرة على أرض الواقع بسبب (الرسالة السماوية أو الخلافة أو خط الإمامة ... مثلا)، لولا أن تدخلت بعض الظروف الاستثنائية التي جرَّت الأمة لويلات لم نتخلص منها حتى اليوم. وهنا نقع نتيجة الوهم و المغالطة في اجترار حلول ونتائج غير واقعية. فتذهب الأمة لاستبدال الظالم بظالم آخر وتعالج الثقافة الظلامية بثقافة ظلامية أخرى، مبتعدة بأوهامها عن الحل وعن الحقائق الواقعية، وقد حدث ذلك على مر التاريخ.
لكننا لو فتحنا أعيننا جيدا لنرى الحقيقة، فسنرى طبيعتنا البشرية حاضرة بقوة في حياتنا بغض النظر عن كوننا مسلمين ومجتمعات إسلامية أم لا. وسنكتشف كيف تفرز لنا تلك الطبيعة البشرية دائما نماذج تسيء توظيف أواستخدام السلطة وأنظمة الحكم. وليس غريبا ذلك، فكل المنتجات والإبداعات البشرية تعرضت لهذا التوظيف الخاطيء من قبل الإنسان، فلم تسلم إبداعات البشر يوما من سوء استخدام الناس أواستغلالهم. فالبشر دائما ما يعودون لطبيعتهم، والمصالح الشخصية والفئوية دائما ما تفرض حضورها في الساحة وبقوة، خصوصا عندما لا تتوافر في الواقع المؤسسات والأدوات والأفكار الواقية التي تساعد في حماية المجتمع وضبط ومنهجة سلوك وصراع الناس.
إن التركيز على هذه الحقيقة التي أكد وليد المسعودي دوافعها بالقول أن 'المجتمعات تنتج الاستبداد نتيجة الصراع على الثروات والخيرات منذ أن بدأ الإنسان يعي قيمة الملكية'(5)، يساعدنا حتما على الاقتراب من الحقيقة الجوهرية للاستبداد ويساعدنا أكثر أيضا على ملامسة الواقع، بدل التحليق بعيدا في مسارات خيالية تضعنا خارج مسارات التفكير الطبيعة لتصنع لنا افتراضات وتفسيرات دينية خاصة خاطئة تفسر لنا كل ما جرى ويجري أو سيجري في حياتنا كمسلمين بصورة خاصة، فنبتعد حينها بهذا التفكير الخاطيء عن الحقيقة حين نحل الأوهام محل الواقع ومحل طبائعنا البشرية.
فعندما نعود لفكر الكواكبي مثلا من هذه الزاوية يمكننا أن نجد أثر بعض تلك التوهمات وتأثيرها في فكره الديني، يقول الأستاذ عطية المسوح 'إلا أنّ دراسة الكواكبي للاستبداد لا تخلو من نقاط ضعف، أهمها تلك الناجمة عن موقفه الديني التقليدي، وفهمه السطحي لفكرة الإرادة الإلهية والبشرية، فهو ينسب الاستبداد إلى إرادة إلهية، ويجعله قدراً ابتلى الله به الناس لأنهم خرجوا على ما أراده لهم وأبوا شكره على نعمه وخلطوا في دين الفطرة الصحيح بالباطل على حد قوله. يقول : «الاستبداد هو نار غضب الله في الدنيا، والجحيم هو نار غضبه في الآخرة ». ويقول أيضاً « الاستبداد يد الله القوية الخفية يصفع بها رقاب الآبقين من جنة عبوديته إلى جهنم عبودية المستبدين الذين يشاركون الله في عظمته ويعاندونه جهاراً »'(6).
ونفس هذا الخطأ التفسيري نجده يتكرر عند الكاتب الإسلامي الشيخ فوزي آل سيف بطريقة أخرى. فآل سيف ينتزع واقع المسلمين وتاريخهم الحضاري من ظروفه ومن تكامله مع المسيرة البشرية العامة للتاريخ البشري العام، ليضعه في سياق ديني خاص حين يوحي لنا في كتابه أن واقع المسلمين كان من الممكن لولا الظرف الطارئ لتدخل الأمويين أن يأخذ مسارا آخر كفيل بأن يغير كل مجرى التاريخ، فها هو يقول في سياق حديثه عن تولية يزيد بن معاوية 'جيء بهذا النموذج، فتكرس في الأمة حالات الاستئثار بأموال الناس من قبل فئة قليلة هي التي تحيط بالمستبد، وأصبح غير هؤلاء وهم عامة الناس في حالة حرمان عام، سواء من حقوقهم الاقتصادية أو السياسية.'(7)، فنجد آل سيف يجعل الاستبداد هنا إفرازا أمويا بالدرجة الأولى، مغفلا بذلك تأثير البيئة وظروف التاريخ والواقع الإنساني الإسلامي العام (في تلك الفترة) وتكامل ذلك كله ووحدته مع ما يحيط به من تأثير عام.
إن الواضح أن المسألة الأموية أخذت عند الكاتب آل سيف بعدا دينيا تجاوز مجرد قوله بأن الحكومات الأموية أسهمت في ترسيخ الاستبداد في واقع الأمة فحسب، فهو يتمم الحديث السابق بالقول 'ولم يقتصر الأمر على زمان معاوية بحيث يعتبر ذلك الزمن فترة طارئة لا تلبث أن تزول، وإنما أصبح منهجاً وطريقة في الحكم، خصوصا مع عدم تبلور منهج آخر في الحكم بعدما اختلفت طرق الحكم في أيام الخلفاء بعد وفاة رسول الله (ص)، ولم تتح الفرصة لأمير المؤمنين (ع) لكي يواصل ما بدأه ..'(8). فهنا يبدوا جليا في رؤية آل سيف أنه يرى أن الخلافة التي تلت النبي (ص) والحكم الأموي من بعدها وتغييب إمامة أهل البيت (ع)، هي التي أفرزت الاستبداد في تاريخ الأمة المسلمة الطويل، فأصبح تاريخ الأمة هنا بلا شك قطعة مجتزأة من التاريخ.
إن هذا النمط من التفكير (الذي يقدم النتيجة المنجزة دينيا بحسب العقيدة على البحث الموضوعي) هو بلا شك القاعدة التي بنيت عليها ولازالت تبنى عليها كثير من المغالطات والأفكار الدينية الخاطئة في فكرنا الإسلامي، لذا بناء على ما سبق ليس مستغربا أن يذهب الكواكبي إلى القول بـرفض ' الفكرة القائلة إن الأديان تكرس الاستبداد ' (9)، كما ليس مستغربا أن يقع في خطيئة القول ' أن المرأة هي النصف المضرّ في المجتمع ' (10). وليس مستغربا أيضا أن يقع آل سيف كذلك في مطبي المغالطة والضبابية عند حديثه في بقية بحثه عن موضوعي (الردة والحرية)، وهو ما سيتم الحديث عنه فيما بعد.
لقد كانت قراءة ورؤى الشيخ فوزي آل سيف في كتابه (رؤى في قضايا الاستبداد والحرية) قراءة ورؤى جادة تتسم بالبساطة والسلاسة وقد حاولت الإحاطة بأكبر قدر ممكن من خيوط البحث. وعندما نعود للكتاب، سنجد الكاتب آل سيف يبحر بقواربنا في ثلاثة مسارات (هي: الاستبداد السياسي وآثاره المخربة - الاستبداد الديني والتعصب - حرية الرأي والتعبير)، ليثير لنا خلال ذلك العديد من الشواهد والآراء والنقاط، قبل أن يختم البحث القيم في موضوع (الاستبداد) الذي لا زال كما يقول آل سيف 'في صوره المتعددة هو البلاء الأكبر الذي ابتليت به الأمة، ولا تزال متوالياته السيئة تعيد إنتاج نفسها في المجال السياسي والديني والثقافي والاجتماعي'، عند نقطة هي من أهم النقاط وهي إشكالات جوهرية كان لا بد أن يطوف بنا حولها، بل توجب عليه أن يغوص فيها قبل أن يتسنى له إقفال الموضوع.
إلا أن الملاحظ على الكتاب كما ألمحنا وكما هي طبيعة كثير من كتاباتنا الإسلامية، أن الكاتب حصر تناوله لموضوع الاستبداد في الزاوية الداخلية الضيقة للأمة وبلغة داخلية أيضا. فالكتاب في الحقيقة هو (رؤى في قضايا الاستبداد والحرية، في الأمة)، وفيه شيء قليل أو كثير من التأكيد على نفس ذلك النفس ونفس تلك اللغة التحليلية السائدة في الخطاب الإسلامي العام الذي يميل للبعد قليلا أو كثيرا عن أي لغة أو منطق تفسيري بشري غير ديني، معلنا بذلك ولو شيء يسيرا من القطيعة مع الفكر الإنساني العام، معتبرا ضمنا أن الحالة الإسلامية لها وضعها الخاص وتفسيرها الخاص المرتبط بالقضايا الغيبية السماوية، وهو الأمر الذي يبرر التمسك بخطاب تفسيري ديني منعزل والاعتزاز به فحسب، وبالنتيجة البعد عن معطيات الواقع.
لكننا لو عدنا لصعيد الواقع لأمكننا القول أن البشرية كلها عانت الأمرين من ظاهرة الاستبداد في كل بقاع العالم من أقصاه إلى أدناه، فكانت الشورى والديمقراطية في هذا العالم خصوصا في تاريخ الماضين، وميضا مزعجا للاستبداد، لكنه قل أن ينتصر فيرتفع نوره فيه. لقد كانت الديمقراطية والشورى استثناء وكان الاستبداد هو النمط المألوف في هذه الحياة، ولذلك شواهده الكثيرة. لذا يقول الدكتور حسن الهنداوي مشيرا لهذه الحقيقة ' لكن الملك النموذجي سلالة نادرة وأرسطو يدرك ذلك من خلال التجربة الهيلينية نفسها'(11)، ونجد الهنداوي في مقطع آخر يؤكد نفس تلك الحقيقة أيضا بصورة أخرى فيقول ' إن الخطأ الذي يرتكب غالبا هو الاعتقاد بأن الديمقراطية الإغريقية، القائمة على العبودية، كانت الحالة العامة في التاريخ الهيليني في حين أنها لم تكن في الواقع إلا استثناء، كما لم تكن إلا في عدد محدد من المدن لاسيما أثينا. وعلى العموم كان إعدام سقراط بمثابة نهاية تراجيدية وصارخة لتلك التجربة التي كانت قد دخلت طور الانهيار منذ أمد بعيد كما يؤكد ذلك ولادة التوجه المقدوني نحو إقامة مملكة واسعة ... وإذا كانت أنظمة الطغيان في صقلية قد ظلت تجتذب الانتباه فانه جرى على الدوام نسيان انه وحتى المرحلة الهيلينية فان الطغيان كان النظام السياسي السائد والثابت في معظم المدن الإغريقية تقريبا'(12). فكلام الهنداوي الخاص هنا يمكن سحبه من واقعه ليصبح فكرا عاما صالحا للتطبيق في أكثر من موضع في التاريخ الإنساني العام ومنه أيضا واقعنا الإسلامي الخاص.
ولو تأملنا نحن المسلمون اليوم ما جرى تاريخيا حولنا في هذا العالم، لوجدنا الاستبداد قد تفشى طوال التاريخ في مختلف بقاع العالم، فـفي التاريخ القديم عندما كان يعتلي فرعون العرش كان على الناس أن يفرحوا ويبتهجوا لأن أحد الأرباب أقيم رئيساً في كل البلاد فسوف ترتفع مياه النيل ولا يهبط منسوبها. وفي أرض الرافدين لم يكن الناس أقل تأليهاً للملك الذي تجتمع فيه قوى الآلهة مجتمعة، فشخصية الملك تتمتع بالقوة والعلم الإلهي ولا يخفى عليها شيء، وفي أرض بابل كان الملك وكيلاً لإله المدينة، وفي بلاد فارس لقب الحاكم 'بملك الملوك' وهو صاحب السلطة المطلقة، وعندما غزا الإسكندر فارس وجد الناس يسجدون للإمبراطور ويؤلهونه فابتدع سياسته الخاصة ودمج بين الثقافة المقدونية والفارسية واقتبس من الفرس عادة السجود للملك. وفي أرض الصين كان الإمبراطور يستمد سلطته من السماء فهو ابن السماء وممثل الكائن الأعلى ومملكته تسمى تيان شان أي التي تحكمها السماء ومن هنا اقتبس الأوروبيون عبارة مملكة السماء (13). وهذه إشارات عابرة يكتنفها كثير من التفصيل، ويكفينا كمسلمين من خلالها أن نؤكد أننا كنا ولازلنا نعيش في السياق العام.
إننا في ظل هذه المنظومة العالمية للاستبداد، يجب أن لا ننظر لأنفسنا كحالة استثنائية خاصة لا تسير ضمن المقطورة العالمية، كما يجب أن لا نضع أنفسنا في مقدمة عوامل التغيير في هذا العالم، فنحن جزء من كل متداخل لا يمكن تقطيعه إلى أجزاء، والفعل الذي ينتجه العالم يؤثر فينا كما نؤثر نحن فيه أيضا وتؤثر فيه عوامل أخرى كثيرة ومتعددة، وليس معنى كوننا أصحاب رسالة سماوية أننا قد تحولنا إلى آلهة أو خرجنا عن نطاق المعادلة الكونية أو أصبحنا الرقم الأصعب في هذا الكون. فإن مثل هذا الخطأ الكبير في التفكير هو الذي يفسد علينا كمسلمين كثيرا من أفكارنا.
* الاستبداد ورسالة الإسلام:
لقد جاء الإسلام بمبادئ سامية، وأطلق ثقافة حقوقية متقدمة، وتقدمت البشرية على يديه مسافات بلا شك، إلا أنه لم يستطع تجاوز حدود الزمان والمكان كما قد يتصور البعض، فهاهو يضطر للسير ضمن مسارات الحياة الطبيعية، فلم يحرم الخمر دفعة واحدة، ولم يقفز بالعلوم الطبيعية في البيئة التي أسسها بين عشية وضحاها، كما أنه لم يستطع تجاوز الرق وحالة العبودية التي كانت مؤسسة من قبله فاستمرت معه أيضا، بل اضطر للتعاطي والتعامل معها بموضوعية. فالإسلام إذا رسالة وليس عصى سحرية أو آلة للخروج من فضاء الزمان والمكان.
فإذا إذا كان موقف الإسلام من الرق، موضوعيا واقعيا في قضية هي من أخطر القضايا كقضية استعباد الإنسان لأخيه الإنسان، فكيف بالإسلام الذي لم يكن قادرا واقعيا على التخلص من هذا العبء الثقيل وهو الرق البغيض، أن يقفز دفعة واحدة فوق ذلك لما هو أخطر وأكبر متجاوزا وناسفا دفعة واحدة استعباد الحكومات والطغاة لجموع المحكومين والمستضعفين عبر استبعاد المعادلات الطبيعية من أرض الواقع.
إن إدعاء أن أهل البيت (ع) كانوا بصدد تطوير نظام انتخاب ديمقراطي في تلك الظروف التاريخية الصعبة أو التلميح لتوجههم (ع) لتأسيس نظام شبيه بذلك أو تقدم الحريات السياسة على أيديهم بشكل لافت في تاريخ الأمة رغم معوقات الواقع، أمر فيه إيهام كبير. وهو مدحوض بأبسط شيء وهو وجود الرق بل استمراره حتى في بيوت المعصومين (ع) أنفسهم. مما يشي بأن مسألة استبعاد الرق أو الاستبداد من حياة الناس والسعي لترسيخ الحريات في ذلك الزمن البليد أعقد بكثير من التصور الذي نحمله في رؤوسنا الإسلامية أحيانا. فقد يكون لأهل البيت (ع) جهدهم الكبير ودورهم في مقارعة الظلم ونصرة المستضعفين وبث ثقافة الحرية والانفتاح ورفض الطغيان والاستبداد، إلا أن ذلك لا يعني بالتأكيد القدرة على القفز الديني فوق معادلات الزمن والواقع، ولا حتى كون ذلك مطلبا سماويا عاجلا.
إننا لا نريد هنا أن نحمل آل سيف أكثر مما قال، فعباراته الموجزة في هذا المجال قد لا تكفي لبيان كامل حقيقة توجهاته وما يتبناه من أفكار، إلا أن الإشارة لهذه النقاط عند بحث هذا الموضوع تعد ضرورة في ظل الموجود من مثل هذه الأفكار في ساحتنا الإسلامية عموما والشيعية أيضا على وجه الخصوص، خصوصا عندما تضطرنا تلك الأفكار لفتح باب النقاش في قضية نظام الحكم والجعل الإلهي للإمامة في سياق الحديث عن الحريات والاستبداد وحرية التعبير.
لقد انطلق آل سيف كما يبدوا من رؤية دينية مسبقة فجره ذلك لتجاهل تاريخ الاستبداد بشكله العام لدى كافة الشعوب والأمم، فحاول أن يحمل الحكم الأموي الذي فرض على الناس أكثر مما يحتمل، كما حمل الخلافة المقصاة لأهل البيت (ع) عبئ مشروع ديمقراطي عصي على التحقق في تلك الظروف التاريخية وذلك الزمن. والواقع أنه لا الخلافة (السنية) ولا الإمامة (الشيعية) تستطيع في تلك الظروف الصعبة أن تكون - على أي وجه من وجوه الافتراض - هي المؤسس الحقيقي لأنظمة ديمقراطية ولا حتى شبه ديمقراطية ممتدة، كما لا يمكنها أيضا أن تكون هي السبب الرئيس في ترسيخ الاستبداد عبر تاريخنا الإسلامي البشري الطويل.
* وقفة مع خصوصية الخطاب:
من جهة أخرى رغم أن تناول رجل الدين لقضية من القضايا بشكل مخصوص، واقتصاره على الشواهد الدينية والتاريخ المرتبط بالدين فحسب، قد يكون أمرا مبررا أحيانا خصوصا إذا كان الكاتب أو الباحث بصدد تقديم خطاب جماهيري خاص أو نشر ثقافة شعبية عامة في وسط ديني مخصوص، فذلك قد يقتضي في تلك الحالة لغة خاصة يفهمها الجمهور. ونحن نعلم أن الكاتب آل سيف قد أكد توجهه لذلك بالقول 'إننا نعتقد أنه ينبغي السعي إلى تحويل الثقافة الناقدة للاستبداد والمبينة لآثاره السيئة، وتلك المطالبة بحرية التعبير عن الرأي إلى ثقافة شعبية عامة '(14). ثم أضاف 'لذا كان ينبغي أن تكون هذه الثقافة جزءاً من التكوين الفكري الشعبي، حتى يتحصن الجمهور من آثارها السيئة ويحاربها عند حدوثها.'(15). فهذا التوجه بلا شك جزء مهم من الحل في مسألة الاستبداد، لكن يجب أن نتذكر أيضا أن الأوهام الدينية الكبيرة في رؤوس الجماهير كثيرا ما خلقت الأرضية الملائمة لنمو وتفشي الاستبداد أو لا أقلا منعت بروز حركات ثورية أو إصلاحية معارضة واعية.
* تعريف الاستبداد:
وهنا قبل أن ننتقل للحديث عن موضوعي (الاستبداد السياسي والاستبداد الديني)، لابد من تعريف ينقلنا من ضبابية المصطلحات وتداخلها مع المصطلحات والمعاني الأخرى الكثيرة، لنضع بيننا حدودا ومعايير قد نتسالم عليها في فهم ماهية الاستبداد والمقصود منه. فالاستبداد بأبسط تعريفاته هو تفرد بالرأي في شؤون تخص الجماعة وبالتالي فهو احتكار أو اغتصاب لحق الجماعة في إبداء رأيها، وفي النهاية هو طغيان واعتداء على الآخر(16).
فالاستبداد إذا هو في صورة من صوره مصادرة للرأي أو جزء منه وقد يتعدى ذلك بمصادرة الحريات أو الممتلكات بشكل عام بشكل يتناقض مع مصلحة الجماعة وإرادتها. وقد يتنوع الاستبداد من حيث الشكل لكنه يبقى من حيث الجوهر واحدا، فقد يكون تسلطا واستبدادا سياسيا يتذرع بأدوات السياسة من مال أو جاه أو نفوذ أو بطش أو تخويف أو إغراء، وقد يكون تسلطا واستبدادا دينيا يستغل الأدوات الدينية ويوظفها في السيطرة على الناس لسلبهم حرياتهم أو ممتلكاتهم، فيتذرع بالتكفير أو التفسيق أو التهديد بالنار أو بالعذاب والعقوبات الأخروية أو بالنقمات الإلهية أو بهدر الدم أو ببث الكراهية الدينية، وقد يكون مزيجا من هذا وذاك. والمهم في النهاية هو توظيف كافة الأسباب والإمكانيات المتاحة لمصادرة الحقوق وسلب الحريات وتحقيق المكاسب الخاصة بطرق غير مشروعة.
* الاستبداد، الدعائم والنتائج وملامح العلاج:
وهنا بملاحظة تنوع أدوات السيطرة والاستبداد يمكننا أن نستشف أيضا تنوع أسباب قيام وتشكل وبروز الاستبداد كظاهرة، ومن هذه الأسباب يمكن أن ننطلق أيضا لاستشراف العلاج الذي تتحدد ملامحه جيدا بمعرفة نفس العلة المسببة لذلك الداء. وقد ذكر الشيخ فوزي آل سيف في كتابه العديد من مسببات الاستبداد نذكرها هنا باختصار وهي: (نزعتي السيطرة والخضوع، استجابة المستبد بهم للمستبد، أوقات الأزمات التي تدفع الناس للرضى بالرجل القوي فيتغاضون عن التناقض بين الديكتاتورية والشرعية، تفسير الاستبداد على أنه نزعة لدى الشعوب الشرقية - وهذا ما رفضه آل سيف في الكتاب -، تمجيد فكر الاستبداد وأشخاصه، جهل الناس بحقوقهم، استمراء الخضوع والذل والتعود عليه)(17).
وربما يرى البعض عند الحديث عن المجتمعات الإسلامية أن يركز على العامل الثقافي الديني أكثر من غيره، فقد ذهب الأميركي الليبرالي «بول كينيدي» إلى أن الموروث الثقافي والديني في الشرق ينطوي على أسباب الاستبداد الشرقي(18). وهنا، ربما يمكننا المقاربة بين ما ذهب إليه كينيدي - هنا - مع العامل الثقافي الذي ذكره آل سيف وهو (تمجيد فكر الاستبداد وأشخاصه)، رغم ما قد يبدوا من فرق بين النظرتين. ويمكننا القول أن قوة حضور الفكر الثقافي الديني المدعم للاستبداد في مجتمعاتنا الإسلامية في نفوس المسلمين، تبرر هذا الاتجاه.
وفوق ما سبق يمكن أن تضاف أسباب أخرى: كغياب التداول السلمي للسلطة ودينية الدولة وغياب الحريات (19) والعوامل الاقتصادية والجغرافية وغيرها، مما يكشف بالتالي عن تعقيد مسألة الاستبداد. وبالنتيجة فالحل أيضا معقد جدا ويحتاج للعمل على أكثر من اتجاه والتحصين على أكثر من جبهة، فمن هذه الأسباب المؤدية للاستبداد تنبثق الحلول. ولعل أهم وأبرز ما يمكن الإشارة إليه هنا من حلول في خصوص المجتمعات الإسلامية الدينية هو ما طرحه العلامة النائيني كحلّ للمشكلة القائمة والذي يتلخص بـطرح فكرة (الدين الديمقراطي) أو الديمقراطية الدينية (20)، بالشكل العام.
أما من حيث الآثار والنتائج، فللاستبداد أيضا تعقيدات كثيرة وتداعيات خطيرة. فمن أخطر تلك التداعيات: أن الاستبداد يعيد إنتاج نفسه ' من خلال تفعيل أو توجيه أو إقصاء العوامل المختلفة التي تؤثر في الحراك الاجتماعي '(21). والاستبداد أيضا سبب كل فساد، كما ذكر ذلك الدكتور نصر حامد أبو زيد حين قال ( من العجيب أن عبد الرحم الكواكبى منذ أكثر من مائة عام قد نبهنا أن 'الاستبداد أصل كل فساد, إذ يضغط على العقل فيفسده, يلعب بالدين فيفسده, ويغالب المجد فيفسده, ويقيم مكانه التمجد'. كيف لم ننتبه أن الاستبداد أس الفساد وهو الكلمة المفتاح لكل حياتنا العربية في هذه اللحظة فالفساد أولا والفساد ثانيا والفساد أخير )(22).
وقد ذكر الشيخ فوزي آل سيف في كتابه بعض آثار الاستبداد في الأمة، فمنها أن الاستبداد: (يضعف المجتمع) فيخلق الإنسان العاجز والمجتمع العاجز، يعلم الإتباع الكاذب (فيخلق النفاق والتمجيد)، يعيد إنتاج نفسه في المجتمع بصور جديدة، يزيف المعرفة(23).
* الاستبداد، السياسي والديني والهجين:
هذا الاستبداد الذي قد يكون في صورة من صوره استبدادا سياسيا قد يتذرع بغطاء ديني أو قد يهيمن الاستبداد الديني على السياسي فينتج هجينا استبداديا دينيا سياسيا يكون أشرس منهما منفردين. وهنا أشار آل سيف لرأي كل من الشيخ عبد الرحمن الكواكبي والشيخ محمد حسين النائيني بالقول 'من هنا كان الاستبداد الديني أسوأ من استبداد القوة والسلطة والسياسة. سواء قلنا بأنه هو الحاضن الذي ينشأ من خلاله استبداد الملوك والسياسيين كما قال الشيخ عبد الرحمن الكواكبي. أو قلنا إنهما توأمان لا يفترقان، كما قال الشيخ محمد حسين النائيني.'(24)، وقد مال آل سيف لكون الاستبداد الديني أخطر من السياسي واستدل لذلك بأسباب متعددة ذكرها في الكتاب، إلا أنه عاد ليترك باب الخلاف حول هذه النقطة مفتوحا عند حديثه في موضوع (التفاعل بين الاستبداد السياسي والديني)، ليؤكد لنا أن الأهم من كل ذلك هو خطر كلا الاستبدادين، وقد أصاب سماحة الشيخ آل سيف في ذلك.
إلا أنه يمكننا السماح لأنفسنا بالعودة للنقطة السابقة لنعيد فرز التفاصيل بطريقة مختلفة. ففي الوقت الذي يتحدث فيه البعض عن استبداد ديني وآخر سياسي أو تفاعلا دائما بين كلا الاستبداديين، يمكننا أن نقول أن هناك استبدادين منفصلين، واستبدادا ثالثا هو مزيج لكلا الاثنين، وهو الاستبداد (السياسي - الديني المشترك). وهو مختلف عن كلا الاستبدادين السابقين، وهذا هو أسوء أشكال الاستبداد قاطبة. فعندما تغدوا السلطتان السياسية والدينية في قبضة رجل واحد أو جهاز واحد يتضاعف التأثير، وهذا الاستبداد هو ما يمكن أن نعبر عنه حينها بتحالف (الدين والسياسة)، والذي يقول فيه الكاتب الكويتي محمود كرم ' ليس هناك أسوء في تاريخ منطقتنا من تحالف قوى الفكر الأصولي الديني مع الاستبداد السياسي '(25)، فعندها طبعا تغدوا الأمة في أقسى مراحل ضعفها.
* نحن، وموقف الإسلام من الاستبداد:
لقد حاول آل سيف أن يبرهن ويبين في كتابه نظرة الإسلام للاستبداد وموقفه المناهض والمقاوم له. فهو يُخلِي بذلك ذمة الإسلام من جريرة تبرير الاستبداد ودعمه. ونحن و إن كنا نتفق معه في ذلك، إلا أن هذا التبرير والدفاع لا يكفي لدفع الحقيقة القائمة من أن الإسلام في شكله الثقافي الذي أفرزته مدارس كثيرة هو غير الإسلام الذي يعدنا ويمنينا به الشيخ آل سيف وآخرون، فبالتالي ما الفائدة من الإسلام الذي في ذهن الشيخ إذا كانت قطاعات كبيرة وواسعة من الأمة لا تؤمن بذلك التصور للإسلام.
إن ما يمكن أن يحتسب لصالح الشيخ هنا هو سعيه لجماهيرية الأفكار المتسامحة الداعية للحرية ومناهضة الاستبدادين السياسي والديني معا، والتي يؤمن بها. وهنا يمكن أن تضع الشعوب الإسلامية (خصوصا) أصابعها على مفتاح من أهم مفاتيح التغيير والإصلاح وهو فك التحالف والارتباط بين الدين والاستبداد الذي صنعته عوامل تاريخية وسياسية ودينية كثيرة، عبر فتح باب النقد والتفكيك للقواعد الثقافية والأصولية التي دعَّمت الاستبداد. وهذا الإصلاح السياسي الديني يحتاج بالتأكيد لقوى دينية عاقلة وقديرة، ليعود الدين بعدها نبعا للحرية والكرامة والرقي والحضارة والاستقلال. ولن يحدث ذلك إلا إذا نهض الإسلام في مجتمعاتنا كقوة ثقافية تحملها الجماهير عبر صناديق الاقتراع، لا عندما يتحول ذلك الإسلام لسلطة سياسية يفرضها الحاكمون على المستضعفين بالقوة، فالإسلام الأول الطاهر الداعي للفضيلة الذي جاء به الرسول (ص) هو الإسلام الذي جاء عبر المستضعفون.
لقد وقف الشيخ آل سيف في كتابه ضد الاستبداد الديني رافضا له ومبطلا أصوله وقواعده التي بني عليها، مقدما صورة للإسلام تناقض الاستبداد. إلا أن المتلمس للكتاب بحثا عن أي مؤشرات أو شواهد نقد للاستبداد الديني داخل البيت الشيعي والمدرسة الشيعية يمكنه أن يشاهد بوضوح غياب هذا الجانب من النقد لصالح النقد الموجه ضد الاستبداد الديني المتولد من المدارس الدينية الأخرى. وقد يبرر البعض ذلك بالقول أن آل سيف كان بصدد تقديم خطاب جماهيري في الوسط الشيعي، وقد لا يخدمه الخوض في ذلك هنا. إلا أن ذلك مردود عليه بالقول أن تغييب الجماهير عن نقد خطابها الديني هو أس الاستبداد الديني، ونحن أولى أن ننتقد أنفسنا من أن ننشغل بنقد ما يقوله آخرون خارج المدرسة الشيعية. أما نقد الثقافة الدينية السنية التي ساندت الاستبداد فالأولى أن ينشغل به إخواننا في المدارس السنية، كما أنه من جهة أخرى أوضح للعيان من أن يحتاج للإيضاح، فيكفي ما حصل في الفترتين العباسية والأموية ثم ما تلا ذلك بعدهما أيام الحكم العثماني. أما ما حصل في الجانب الآخر الشيعي، فهو أمر يكاد يغيب تماما عن الجماهير الشيعية، ونحن أولى بكشفه لعموم الشيعة من غيرنا.
لقد وقف بعض رجال الدين في المدرسة الشيعية في الخط المدافع عن الاستبداد بوعي أو دون وعي، فأعطوا مبررا للاستبداد باسم الدين وكان لذلك شواهد تاريخية ينبغي أن نتوقف عندها مليا كي لا نوهم أنفسنا أو الجماهير الشيعية أن المدرسة السنية هي فقط من أبتلي بهذا الوباء.
يقول الكاتب شمخي جبر 'ورفع الشاه ناصر الدين شعار ( الدستور بدعة مخالفة للشريعة الإسلامية معتمداً على مؤيديه من الحوزة العلمية وكان يردد انه يود أن يكون محاطاً بحاشيته من الأغبياء لا يعرفون عن بروكسل هل هي مدينة أو نوع ما )'(26). فهنا تبرز علاقة بعض رجال الدين الشيعة بدعم حكومات الاستبداد المتحصن بالدين، لتنسف التصور السائد عن رجال الدين الشيعة في الخيال الشيعي الشعبي، و دورهم الدائم المتمثل في مناهضة الاستبداد.
ولو رجعنا لقضية هجرة عدد كبير من علماء جبل عامل والتحاقهم بالدولة الصفوية في حينها، لوجدنا أن الدولة الصفوية قامت أول ما قامت على كيان عسكري بحت يرتكز إلى القوة المادية وحدها، فكانت بحاجة إلى العلماء والمثقفين، فوجدت بغيتها في (جبل عامل)(27)، فهنا أيضا يبرز تحالف عدد من رجال الدين الشيعة مع السلطات الظالمة الصفوية. ورغم إمكان تبرير التحالف بين رجال الدين والحكام الصفويين في فترة من الفترات، إلا أنه يصعب تبرير ذلك في عهد ملوك فاسدين وظالمين مثل الشاه سليمان والشاه سلطان حسين(28). ونحن لا نريد أن نحاكم رجال الدين أولئك بمقاييس هذا العصر، إلا أنه إذا جاز الحديث عن حكومات سنية وظفت الدين في تبرير الاستبداد، فإنه بالمثل في الواقع الشيعي أيضا يجوز الحديث عما هو شبيه بذلك.
أما الصمت المدعم للاستبداد فهو شأن شيعي آخر يذكرنا بآراء إخواننا السنة الداعية لإتباع الحاكم وعدم الخروج عليه برا كان أم فاجرا. ومن هنا خرج لنا مصطلحا (الحوزة الصامتة) و(الحوزة الناطقة) في الوسط الشيعي. ومن رحم هذا الصمت أيضا ولد الانتظار السلبي للإمام الثاني عشر(ع)، فكان هذا الصمت وهذا الانتظار وهذا الانكفاء عن الخوض في شؤون السياسة، خير دعامة يستند عليها حكم الجور والاستبداد. وفوق هذا الصمت وهذا الانكفاء، كانت معارضة بعض رجال الدين وخوفهم المتضخم من كل رجل دين يحاول أن يدخل عالم السياسة، تلك المعارضة التي شكلت الموقف السلبي والحاجز الجماهيري في وجه كل من حاول أن يجرب طريق الإصلاح والتغيير الواعي والتدريجي في مجابهة الحكومات.
هذا والاستبداد الديني لا ينحصر في عالم السياسة فقط، ولا يختص بكبار العلماء والفقهاء دون غيرهم فحسب - أي أنه لا يكون نخبويا فقط -، بل يتكاثر أيضا. فينجب استبدادا دينيا في مستويات اجتماعية متعددة وفي مجالات متنوعة ويمكنه أن ينموا من خلال الجماهير ليشكل خطرا كبيرا يهدد كثيرا من المستضعفين.
فالآراء الدينية التي تصادر حرية التفكير فتحجر على الناس حرية القراءة والاطلاع مثلا تحت مسميات (كتب الضلال) و(الفكر الضال)، أشهر من أن تحجب عن الناس. والقمع الديني والترهيب لكل من يتكلم في نقد أخطاء رجال الدين والفكر الديني، ليس بحاجة لمن يقوم بنشره عبر تبني وظيفة المذياع. واحتكار بعض رجال الدين لفهم الدين وتصرفهم المطلق مثلا في أموال الأخماس وحجب ذلك عن الجماهير، أمر ليس بحاجة لكثرة النقاش والتبيان.
إن في كل مدرسة دينية أيا كانت، دائما هناك من يمارس التسقيط والترهيب والتكفير والتفسيق والمضايقة والتخوين والتخويف لكل من يقرر أن ينتقد ولو في أمر بسيط. فالخلاف في التطبير ومصارف الخمس وحادثة كسر ضلع الزهراء (ع)، كلها تغدوا عندنا مواضيع للتسقيط والتبديع والتكفير.
* المسلمون ومشكلات ضوابط حرية التعبير:
لقد تحدث الشيخ فوزي آل سيف في قسم كبير من كتابه (رؤى في قضايا الاستبداد والحرية) عن (حرية الرأي والتعبير) مبينا وموضحا كيف أن 'التشريعات الدينية - ولا تختلف أصول الديانات في هذه الجهة - جاءت لتكرّس ممارسة الحرية لدى الإنسان، بدءاً من العقيدة وانتهاء بالعمل.'(29). وفي الوقت نفسه في جزء آخر من الكتاب يقر الكاتب أن هناك استبدادا دينيا والمقصود منه هنا 'هو الاستبداد الذي يتعنون بعنوان الدين، أو استبداد الفئة المنتسبة إلى الدين.'(30). والنتيجة التي أوصلنا إليها الكاتب في نهاية الكتاب - بعد بحث موضوعي الردة وحرية التعبير - هي أنه جعلنا نقف أمام حالتين مربكتين: فإما ضبابية في رؤية الدين بسبب التفاسير المتعددة للدين، أو استسلام قهري للفئات التي تفرض فهمها الخاص للدين بالقوة أو تدعي احتكار فهم الدين في ظل غياب أجواء التسامح، التي أسندها الكاتب بانتهائه إلى ضرورة وجود ضوابط دينية لحرية التعبير.
وعلى كلٍ لو تجاوزنا كل النماذج السيئة والمتنوعة في تفسير واحتكار الدين وتكريس الاستبداد من خلال ذلك، وجرينا خلف الثقافة الدينية المتسامحة المفترضة التي يطرحها آل سيف باعتبارها طرحا عقليا مقبولا ومنسجما بشكل واقعي مع أصول الدين ونصوصه، فهل سنصل من خلال رؤية الشيخ إلى نتيجة واقعية يمكن تطبيقها على أرض الواقع؟؟؟.
لا شك طبعا أن كثيرا من الكتاب والمفكرين وعلماء الدين يتفقون مع ما ذكره آل سيف من ضرورة وجود ضوابط لحرية الرأي في المجتمع المسلم خصوصا، ولا شك أنهم يرون ذلك واجبا حتى في غيره من المجتمعات أيضا. فها هو الدكتور عبد الله الأنصاري يتحدث عن حرية التعبير عن الرأي في الغرب بالقول ' فمن الخطأ النظر إلى مبدأ حرية التعبير في الغرب على أنه مبدأ مطلق بلا قيود. فواقع الأنظمة الغربية لا يقر حرية التعبير كحق مطلق بل يقيده بضوابط تحكمه وتنظمه، وأخرى تمثل خطوطا حمراء ومقدسات سياسية لا يمكن تجاوزها حتى في ظل الديمقراطية والحرية الغربية'(31).
أما عن حرية التعبير في الإسلام فيقول الأستاذ الدكتور إبراهيم أبو جابر'الإسلام يضمن عادة حريات التعبير عدا التي تخالف المبادئ والعقيدة الإسلامية كالكفر والشرك والردة وسب الله ورسوله. حيث توجد في الإسلام مجموعة من الضوابط والحدود على حريات الأفراد والجماعات من أجل حماية الدين والمجتمع الإسلامي. وهذه القيود ليست نهائية أو مطلقة بل قابلة للنقاش والنقد.'(32).
من جهة أخرى مغايرة نشاهد الدكتور توفيق السيف يقف في الجهة المعارضة. فقد تطرق في أمسية أقيمت تحت عنوان (التعبير عن الرأي بين الحرية والضوابط) لمعنى التعبير ودور الحرية في الاعتقاد والفكر وارتباط شتى أنواع الحريات بحرية التعبير عن الرأي، فجعل الدكتور السيف الحرية في التعبير عن الرأي حرية مطلقة لا مكان فيها للضابط ولا مكان للمنع والاحتكار، وجعل حرية التعبير حاجة إنسانية عظيمة لا تحتاج إلى إذن من احد كالتنفس والسمع والبصر، وتساءل السيف: هل هناك ضوابط لأن نسمع أو نرى أو نتنفس ؟؟. ويبدوا واضحا هنا أن الدكتور السيف لا يقصد أن الحرية يصح أن تكون بلا ضوابط كما قد يتصور البعض، بل يبدوا واضحا أنه يرمي لما هو أبعد من ذلك بكثير، فعندما سأله المحاور عن الفوضى التي قد تنشأ عن عدم وجود الضوابط، قال : إنها فوضى مطلوبة، مستشهدا بالثورة الفرنسية التي بدأت بفوضى تلتها قوانين وضوابط لتلك الحرية(33). فالدكتور السيف كما يبدوا يرمي للقول أنه لا مجال للحديث عن تلك الضوابط في مجتمعات إسلامية ابتليت حتى النخاع بكافة أشكال الاستبداد السياسي والديني، خصوصا تلك الضوابط التي تنبثق من دساتير لا تكون خاضعة لإرادة وانتخاب الجماهير.
إن حرية التعبير كفيلة بأن تقيد نفسها بنفسها إذا ولدت في المجتمع الديمقراطي، أما حرية التعبير التي تولد مقيدة في ظل الاستبداد سواء السياسي أو الديني فلن يكون مصيرها إلا أن تتحول إلى شعار أجوف خالي من المضامين الحقيقية لحرية التعبير، وبالتالي تتحول لدعامة قوية للاستبداد والمستبدين.
لذا يمكننا القول أن الحديث عن حرية الرأي والتعبير المقيدة بضوابط دينية تحمل في طياتها بذور أسوء أشكال الاستبداد. بل أيضا تحمل في طياتها نقضا واقعيا لمبادئ الإسلام وتشريعاته الرئيسية. فبالإضافة لمصادرتها حرية الإنسان في المعتقد، فهي تحمل نقضا لما يقره علماء الشريعة من وجوب أن يكون اعتقاد المسلم بأصول الدين (التوحيد والعدل والنبوة والإمامة والمعاد ... عند الشيعة) عن دليل وبرهان(34). وهنا يمكن أن نتذكر المغالطة التي وقع فيها سماحة آية الله السيد محمد حسين فضل الله في مكشفاته مع الدكتور عبد العزيز قاسم حين صادر تحت حجة الاختصاص حق الأستاذ أحمد الكاتب في الكتابة في موضوع يتوجب على كل فرد شيعي شرعا - كما سبق - ألا يتبناه إلا بعد البحث والتمحيص والنقاش والبرهان. فهل يمكننا أن نجيز لإنسان البحث في موضوع بل نوجب ذلك عليه من جهة، ثم نعيب عليه الكتابة والبحث في نفس ذلك الموضوع؟؟؟!!!.
إن مثل هذه التناقضات هي ما اعتدنا عليه للأسف في الساحة الدينية، لذا ليس مستغربا أن نخرج في مثل هذه الساحة من بحث موضوع حرية التعبير عبر متاهة مضنية، و أن لا نحصد في نهاية المطاف إلا آراء متشددة أو ضبابية مزعجة لا ندري على أي أركانها سنتكئ عندما ننتقل لميادين التطبيق والتنفيذ.
* كلمة الختام:
لقد وضع الشيخ فوزي آل سيف بحثه في النهاية على المحك عندما ختم بنقاش موضوع الردة في الإسلام، فدخل البحث في ضبابية تبرير الآراء القائلة بقتل المرتد حتى غير المحارب، وفشلت الآراء والاجتهادات العاقلة. فالآراء التي تقول بخلاف قتل المرتد غير المحارب ليست نهائية بل يؤخذ منها ويرد، فهي بذلك ليست مؤهلة للوقوف حائلا أمام الاجتهادات التي لا تتريث في قضية سفك الدماء حتى في مسائل فيها تعدد آراء. فماذا بقي بعد هذا من ضمانات لحرية الرأي والمعتقد والكل في طبقة علماء الدين يستطيع أن يفتي بردة وإباحة دم من يختلف معهم ممن يشاء؟؟؟!!!.
لذا فإن على المسلمين اليوم أن يقفوا وقفة صدق يفككون من خلالها تلك الطلاسم المعقدة التي وضعوها في الثقافة الدينية فأوقعوها في التناقض. فإن القول بوجوب القناعة في تبني أصول الدين مثلا، يقتضي التفكير الحر والشك والبحث والنقاش، وهذا يقتضي الجهر وفتح أبواب الحوار الصريح والجريء مع الآخرين، وذلك يقتضي الإيمان بحرية المعتقد، فكيف يجوز بعد ذلك الحجر على عقل المسلم وعقيدته؟؟؟!!!.
فالخلاصة هنا إذا هي القول أن الوصاية على العقول ليست خيرا، فهي لا تثمر إيمانا حقيقيا ولا تنتج وحدة حقيقية(35)، بل تجعلنا نعيش في مجتمع ذو وجهين، يتجاهر بالصلاح في النهار ثم يزني في الليل، وهنا لا يمكن للإصلاح أن يأخذ خطوات عملية للأمام. ثم إن هذا الحجر على الآراء والأفكار ليس تزييفا للمجتمع فحسب، بل هو فوق ذلك وأد للتنمية والإبداع والابتكار التي لا تكون حقيقية إلا في أجواء الحرية والطمأنينة. ثم إن هكذا أجواء خانقة تفاقم الاستبداد الذي يقمع الحريات فتغلق أبواب الإصلاح والتغيير ويُدفع المجتمع بها نحو الجهل والانهيار والتخبط السياسي والديني معا. فتندفع المجتمعات حينها نحو ثورات بلا طائل، أو تجارب إصلاح بلا وعي، أو رضوخ واستسلام ورضى بالذل والاستعباد. فالخلاص الوحيد والأكيد للشعوب حينها هو أن ترفض كافة أشكال التطويق للحريات ولحرية التعبير خصوصا، إلا التطويق للحرية بالحرية نفسها عبر الممارسة الديمقراطية - أي عبر صناديق الانتخاب والاقتراع -. فحرية التعبير السياسي والديني خصوصا، هي مفتاح الخلاص وباب التغيير وضمانة المجتمع الحر التي أثبت صوابها تاريخ البشرية والحضارة الإنسانية بشكل عام. وفوقها يمكن أن يبنى ويؤسس الإصلاح المتدرج الواعي الواقعي، غير المغرق في مثالية الغايات، الذي لا يؤمن بالمجازفات الثورية اللحظية التي تقوم على قواعد الانفعال غير محسوبة الأسس ولا النهايات.
ــــــــــــــــــــــ
* الدراسة الكاملة المقدمة في مركز آفاق للدراسات والبحوث في الحلقة النقاشية تحت عنوان 'رؤى في قضايا الاستبداد والحرية'، المقامة مساء الأربعاء «ليلة الخميس» 17 ربيع الثاني/ 23 إبريل.
(1) العرب والديمقراطية، موقع الدكتور منصف المرزوقي.
(2) رؤى في قضايا الاستبداد والحرية، فوزي آل سيف، ص10.
(3) باحث ومفكر وأكاديمي، جامعة القاهرة.
(4) مجلة (المستقبل العربي)، (الاستبداد والتغلب في نظم الحكم العربية المعاصرة)، عدد آذار 2005.
(5) الثابت والمتحول في أنماط الاستبداد (الطريق إلى مقاربة وطنية تحرر المسار الديمقراطي من خلط الأوراق)، وليد المسعودي، الحوار المتمدن، العدد: 1688 - 2006 / 9 / 29.
(6) أضواء على ندوة : « الزهراوي والكواكبي الائتلاف والاختلاف »، صحيفة العروبة، يومية سياسية تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر، (حمص)، الاربعاء20/3/2008، رقم العدد 12740.
(7) رؤى في قضايا الاستبداد والحرية، فوزي آل سيف ص15.
(8) رؤى في قضايا الاستبداد والحرية، فوزي آل سيف ص15.
(9) أضواء على ندوة : « الزهراوي والكواكبي الائتلاف والاختلاف »، صحيفة العروبة، يومية سياسية تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر، (حمص)،الاربعاء20/3/2008 ، رقم العدد 12740.
(10) أضواء على ندوة : « الزهراوي والكواكبي الائتلاف والاختلاف »، صحيفة العروبة، يومية سياسية تصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر، (حمص)، الاربعاء20/3/2008 ، رقم العدد 12740.
(11) موقع ديوان العرب، تناقضات التأسيس الأرسطي لمفهوم الاستبداد الآسيوي، الدكتور حسين الهنداوي.
(12) موقع ديوان العرب، تناقضات التأسيس الأرسطي لمفهوم الاستبداد الآسيوي، الدكتور حسين الهنداوي.
(13) جريدة الغد الأردنية، الاستبداد الرمز والقائد الضرورة.
(14) رؤى في قضايا الاستبداد والحرية، فوزي آل سيف ص7.
(15) رؤى في قضايا الاستبداد والحرية، فوزي آل سيف ص7.
(16) موقع (الجزيرة.نت)، تغطيات 2004، الجذور الدينية للاستبداد، بقلم/ د. علي الدباغ.
(17) رؤى في قضايا الاستبداد والحرية، فوزي آل سيف ص16 – 23.
(18) موقع دار الحياة، كتاب عفيف فراج «ثنائية - شرق - غرب» ... استعادة نقدية لجذور الإستشراق، كرم الحلو.
(19) موقع مركز الدراسات السودانية، الاستبداد: الجذور والأسباب وطرق الخلاص، حيدر إبراهيم علي.
(20) مجلة النبأ، العدد 53، الدين والديمقراطية في فكر العلامة النائيني، فرهاد الهيان، ترجمة: عباس كاظم.
(21) موقع (الجزيرة.نت)، الاستبداد وآليات إعادة إنتاجه والسبل الممكنة لمواجهته، توفيق السيف.
(22) موقع صحيفة قاسيون السورية الالكتروني، نص كلمة د/ نصر حامد أبو زيد في المؤتمر السنوي للجمعية الفلسفية المصرية والذي عقد في كلية الآداب جامعة القاهرة ونشرها الصحفي مجدي مهنا في عموده اليومي على ثلاث حلقات في (المصري اليوم).
(23) رؤى في قضايا الاستبداد والحرية، فوزي آل سيف ص23 – 28.
(24) رؤى في قضايا الاستبداد والحرية، فوزي آل سيف ص40.
(25) موقع دروب الإلكتروني، حوار في المشهد المعاصر، محمود كرم
(26) الموقع الإلكتروني لمؤسسة مدارك لدراسة آليات الرقي الفكري، تأبين العمامة، القسم الثاني، شمخي جبر.
(27) رسالة النجف الصادرة عن (جامعة النجف الأشرف للعلوم الدينية - جبل عامل)، العدد العاشر 2007م.
(28) موقع بنت جبيل، علماء جبل عامل في بلاد فارس: لمـاذا هاجـروا ومـاذا قـدمـوا؟، سالم مشكور.
(29) رؤى في قضايا الاستبداد والحرية، فوزي آل سيف ص70.
(30) رؤى في قضايا الاستبداد والحرية، فوزي آل سيف ص35.
(31) صحيفة عكاظ، كتاب ومقالات، حرية التعبير بين الإطلاق والتقييد. د. عبد الله بن فخري الأنصاري، السبت 10/01/1429هـ.
(32) موقع جمعية اقرأ لدعم الطلاب العرب، حرية التعبير من منظور إسلامي وعلماني، أ.د إبراهيم أبو جابر.
(33) شبكة فجر الثقافية، « مركز آفاق للدراسات والبحوث »، سيهات: الدكتور توفيق السيف: ..لا ضوابط في حرية التعبير عن الرأي، 22 / 9 / 2007م.
(34) يقول السيد محمد الشيرازي - عليه الرحمة - في المسائل الإسلامية :( المسألة 1 ) يجب أن يكون اعتقاد المسلم بـ ( أصول الدين ) عن دليل و برهان ولا يجوز له أن يقلد فيها بمعنى أن يقبل كلام أحد فيها دونما دليل.
(35) كما ذكر ذلك الشيخ فوزي السيف ص 72 و ص 103.





