الرئيسية وطنيات أخبار بانوراما أقلام حقيبة التوافق لمراسلتنا من نحن البحث

الأكثر قراءة في اسبوع
 

نحو إنهاض الأمة...
غريبي مراد عبدالملك - 2008-06-06 08:12:47 - القراءات [588]

نحو إنهاض الأمة...

 

بقلم: أ.غريبي مراد (*)

 

 

لقد كتب أستاذي و صديقي العزيز سماحة الشيخ حسن الصفار منذ سنوات بصحيفة الأيام البحرينية في عددها الصادر رقم 5961 مقالاً بعنوان : «نحو إنارة العقـول» ، و اليوم  أتصور أن اللقاء الحواري بين أهل الإسلام في مركز الجغرافية الإسلامية مكة المكرمة، هو خطوة مهمة "نحو إنهاض الأمة" حيث  نأمل أن تكون  إستراتيجية، لا تكتيكية أنتجها التأزم التاريخي والانطوائية السياسية في البلاد الإسلامية، إلى جانب الرهانات الإستكبارية لإعادة الصحوة الإسلامية  إلى نقطة الصفر .

 

لأن الإسلام عندما يبدأ يتحرك في وعي الشخصيات الرائدة  ليرشدها إلى الانفتاح على الله و  واقع عباد الله بصدق و روح رسالية، بالكاد ستنتفض الجماهير  على الانهزامية التي بداخلها و تفضح تلك  الأطراف التي تركز في نفوس و حياة الناس الطائفية و الحقد و تنشر الزيف و تقلب الحقائق وتمشي بين الناس بالنميمة و الغش و الإستحمار، لإبقاء الواقع الإسلامي على تخلفه، ولذلك  وددت في هذه السطور أن ننتبه جيدا و نستدرك غفلتنا و تقاعسنا المتعدد الأبعاد و الذي نبرره بحجج واهية بينما عدو  أمننا الإسلامي كله ، لا يرتاح و لا لحظة من الزمن، لا لشيء سوى أنه يريدنا أن نبقى في الحضيض الحضاري و يسعى لأن نكفر معه و نظلم مثله و نستكبر على المستضعفين، هكذا مناسبات لا يمكنها أن تنجح بلا التفاعل الجماهيري معها قد يتساءل الواحد: كيف ؟

 

هذا اللقاء يعتبر نواة تأسيسية لبعث روح ثقافية وحدوية إسلامية جديدة وفق منهج قرآني نبوي رصين، يحيط به سياج من الوعي  العقيدي الكبير و العميق للمؤثرات الذاتية و الكيد الشيطاني و الثقافة الجمعية التي لها تأثير كبير على سلوكيات و تفاعلات الإنسان مع واقعه و في تصور مستقبله، و كما يقال مشوار ألف ميل يبدأ بخطوة، و ليست أية خطوة ، إنها تركيز الهدف الوحدوي المنبعث من فكرة "إن الدين عند الله الإسلام" مع التخطيط التواصلي المحكم ، أقصد أن لا يخطط كل فاعل من أجل الوحدة بعيدا عن الآخرين من المؤمنين بأن صلاح هذه الأمة في وحدتها، و ذلك حتى لا تختلط البرامج الوحدوية و مشاريعها و ندخل في دوامة صراع الإرادات الوهمية التي من المفترض أن تلتقي في إرادة واحدة هي وحدة العمل من أجل الإسلام ، بالإضافة إلى تأكيد ثقافة التنظيم و التوجيه وفق عملية إعلامية دقيقة متوزعة على جميع الصعد الحساسة في واقعنا الإسلامي.

 

وبالطبع علينا أن لا ننسى الصدمات التي عاشها العالم الإسلامي ما بعد الموحدين -كما يرى الأستاذ مالك بن نبي رحمه الله - و منذ الأربعينات وحتى إلى ما بعد 11 أيلول  من احتلال و عدوان و ما هنالك من عدم رضا الاستكبار العالمي على  كل ما ينتسب للإسلام أو ما يتداول في أروقته الثقافية النشطة بالشر و المكر (اسلاموفوبيا)، و لا نغفل عن دعاوى الماركة الإسلامية فهناك مصلطحات يراد لها أن تتحرك في الذهنية العربية و الغربية و العجمية عموما ، مثل هيكلة دعاية إعلامية لدى العربي بان الإسلام الإيراني خطر على روح إسلامه العربي الأصيل، و العكس أيضا لكنه بدرجة أقل ، وربما  المجتمعات الإسلامية في فترات تاريخية كانت تعيش بعض الوهم القومي و العنصري و المذهبي  الذي يصطدم مع منطق الأصالة الإسلامية والذي اختلط بالجو الفلسفي السياسي في عملية فوضى فكرية، حتى إذا لم نحقق شيئا من ذلك الهدف الإستكباري ببلادتنا انتهينا إلى اتهام بعضنا البعض بالنكبات الطائفية التي كانت وراء الانهيار الإسلامي عبر الزمن كله...

 

و عليه عزيزي المسلم ، القضية بحاجة لعلم إسلامي إنساني في تحليله و روحي في آفاقه و تربوي في حركته ، لأن الوحدة كفكرة قرآنية إسلامية ليست ذلك الحلم الضيق ، و لكنها أرحب و أوسع و أرقى، هي جهاد للنفس أولا من لدن كل مسلم و ذاك يعني  معرفة الإسلام بلا شوائب ثم تجسيده بتقوى ليكون حيا في الضمير و الإجتماع، لأجل القدرة على السير إلى الله و بلوغ أهداف الخلقة و التدين الإسلامي الأصيل، هكذا يمكن أن نرتق في وعي الوحدة كوسيلة بعدما فهمناها على أنها هدف، بينما الحقيقة أنها ذلك المسهل لبعث العدل الإسلامي أمام الظلم العالمي.

 

إنني لا أعتقد أن الوحدة الإسلامية تنجح بشكل سريع ، بل إنها ستخوض كما خاضت أكثر من عملية قيصرية، منذ النهضة الإصلاحية أو قبل بكثير ، حيث مأزق ثقافة الوحدة أنها كلما حاولت استدعاء الذهنية الموضوعية، أقحمت في المذهبية الطائفية و الصراع الفكري البليد، لكن هناك من العاملين المؤمنين المخلصين للإسلام و المسلمين رغم كل تلك  التجارب المريرة  و الواقع المحتقن، استطاعوا أن يوصلوا  ثقافة الوحدة  إلى هذا المستوى من القوة بفعل معاناة كبيرة جدا، ومازال العطاء مستمرا بحيث تحول العمل من تبيان ضرورة الوحدة  إلى مشروع عمل ميداني بعدما أذيب جليد من  سوء الظن و الاحتقان المذهبي الذي لا تزال أثاره ضاغطة على بعض الجهات الرافضة لسنن الوجود و ثقافة الحياة الإسلامية من الحوار و الإختلاف و التسامح و التواصل و الإحسان و الإنسانية و ما هنالك. كما أن وحدة الإسلام استطاعت أن تثبت وجودها في إحدى أشد المناطق الإسلامية حساسية،  وذلك من خلال تضافر جهود شخصيات مثقفة مؤمنة بالقضية الوحدوية و مجسدة لكل معالمها فكرا و حركة و اجتهادا و سلوكا، إنها المملكة العربية السعودية من خلال رجالاتها المثقفة المخلصين للقضية، فعلى المستوى الثقافي اثنينية المثقف المؤمن الفاضل الأستاذ عبد المقصود محمد خوجة تعتبر تجربة حوارية رائدة، اتسمت في السنين الأخيرة بمنهج انفتاحي رائع، امتدت آثارها لجل مناطق الوطن السعودي المبارك، فبدأ الوعي بالصحة الاجتماعية و التواصل بين الأطياف المذهبية بالمملكة، و تبادل الزيارات التي أورثت ثقة في النفوس و رحمة في القلوب و تسامحا واسعا أغنى النباهة الإسلامية و جعل وعي ثقافة الإختلاف مدخلا لدورة تجديدية مهمة في الشخصية السعودية، و حتى الشخصية الإسلامية عموما المهتمة بالحراك الثقافي السعودي، و بخاصة الحوار الوطني الذي أغنى الوعي الإجتماعي في العالم الإسلامي ككل و ليس السعودي فقط، نظرا لوزن المملكة في المعادلة الإسلامية العالمية...

 

 دون أن ننسى الخطوات الجليلة التي  جسدها  أستاذنا العزيز الفاضل العلامة الشيخ حسن بن موسى الصفار في كتاباته الوحدوية ككتابه الإستراتيجي "الحوار و الانفتاح على الآخر" و الكتاب السوسيوثقافي "التسامح و ثقافة الإختلاف" و مؤخرا كتابه الذي كان بمثابة الطفرة الفكرية على مستوى الفكر الإسلامي  الوحدوي "السلفيون و الشيعة نحو علاقة أفضل"، و في حركته التواصلية مع أعلام الساحة الإسلامية من السنة و الشيعة و مشاركاته في الندوات و الملتقيات و المؤتمرات المغنية للأمن الإسلامي، لتدارك إحياء قيمة الوحدة في وعينا الإسلامي، خصوصا عمليا.

 

و أيضا التجربة اللبنانية الرائدة التي نستشفها كلما ازداد ت وتيرة الاحتقان فإذا بالأصوات العلمائية الشيعية و السنية ترتفع لصد الفتنة الملعون من أيقضها، فالمراجع لسيرة العلامة المغيب السيد موسى الصدر و المرحوم الشيخ مهدي شمس الدين و المتابع للمنهج الحركي للعلامة السيد محمد حسين فضل الله دام ظله، و كذا العلامة فتحي يكن ، و أيضا ببلاد الكنانة مصر الحبيبة -صيت الوحدة و مشاريع الوحدة الواقعية غالبيتها انطلقت هناك- جلنا يعرف العلامة الشهيد حسن البنا و المشايخ سليم البشري و محمود شلتوت و محمد أبو زهرة و محمد الغزالي و يوسف القرضاوي و غيرهم كثير ، و ببلاد الشام العلامة المرحوم الشيخ احمد كفتارو و الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي و الدكتور محمود عكام و الدكتور محمد حبش و الدكتور محمد راتب النابلسي و بالمغرب العربي ، الشيخ محمد الطاهر بن عاشور و الشيخ عبد الحميد ابن باديس و الشيخ البشير الإبراهيمي و الأستاذ مالك بن نبي و الدكتور نايت قاسم مولود بلقاسم و  العلامة  الشيخ علال الفاسي و الدكتور يوسف الكتاني وغيرهم كثير ممن لا تحضرني أسماؤهم ، وبالعراق و إيران و البحرين و ماليزيا فهناك  علماء أعلام من المدرستين أغنوا مشروع الوحدة بأفكارهم و حركتهم الرسالية، نذكر على سبيل المثال لا الحصر  المرحوم العلامة الشيخ زين الدين و العلامة الشيخ آية الله علي تسخيري، دون أن ننسى المفكرين المسلمين بالغرب أمثال مراد هوفمان و رجاء غارودي و اشتغالات نقدية لبعض المفكرين العرب العلمانيين التي تنبه لبعض الثغرات مثل كتابات الدكتور ادوارد سعيد الفلسطيني حول مشروع الوحدة الإسلامية، يدرك تماما أن هذه ثروة علمائية و تراث فكري وحدوي عظيم ينتظر جهدا كبيرا و صبرا جميلا و حكمة بالغة لتجسيده مع  تجديد بعض المشاريع فيه بما يتلاءم والراهن الإسلامي و التحديات التي تواجهه في تطلعه الوحدوي...و يبقى أملنا كبير في أن يتوج هذا اللقاء الحواري بمكة المكرمة تحت الرعاية السامية لخادم الحرمين، بحركة عملية إصلاحية تنويرية للجماهير الإسلامية بما يسهل الخروج من قمقم التخلف و الطائفية المقيتة و الجهل المركب الذي أفسد الأرواح و عطل العقول و أمرض القلوب ، و أفتن الواقع الإسلامي كله وجعله مطمعا للقاصي و الداني ...

 

بكلمة أن تكون  وحدويا، يعني أن تحاول عيش إنسانيتك إسلاميا لا مزاجيا، وأن تعرف أنه لا يحي الوحدة الإسلامية إلا المسلم ذو الأخلاق الإسلامية السمحة، ولكن علينا أن نعمل على أساس كيف نفتح مذاهبنا لبعضنا البعض لنتعرف على مواقع اللقاء و الوفاق لتهيئة أساس متين لبناء وحدة إسلامية كريمة، كما أوصانا بها النبي الأكرم صلى الله عليه و آله و صحبه و سلم، وكيف نفتح عقولنا لنفهم الإسلام الحضاري الإنساني، وكيف نعتبر أن التنوع المذهبي لا يمثل عائق أبدا ؟ إذا كانت ثقافة الحياة  فعلا إسلامية...

 

(*) كاتب و باحث إسلامي

 

 

ذات صلة
 
جديد التوافق

تقارير مصورة

مذبحة غزة

صورة اليوم

عدد الزوار
6307699

 

تصويت
هل أن الأزمات – حصار غزة نموذجاً – تسهم في توحيد الأمة؟
نعم
لا
لا أدري

شارك برأيك

حدث في مثل هذا اليوم
< Jan 2009 >
س أ ن ث ر خ ج
          1 2
3 4 5 6 7 8 9
10 11 12 13 14 15 16
17 18 19 20 21 22 23
24 25 26 27 28 29 30
31            

عرض جميع المقالات »

 

 
 

النشرة البريدية
إشترك معنا في نشرة الموقع لتصلك بالبريد الإلكتروني
الاسم
البريد الإلكتروني  
|

حقوق الطبع محفوظة لدى شبكة التوافق الأخبارية © 2004 - 2007م

المقالات المدرجة لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع التوافق