ماذا بعد اتفاق الدوحة ؟
كاظم الشبيب
حال لبنان في هذه الفترة كتحسن حال المريض الذي انتقل من غرفة الإنعاش إلى غرفة التنويم الاعتيادية، فهو بحاجة إلى فترة من النقاهة كي يتعافى ويعود إلى ممارسة حياته الطبيعية. أما لبنان فيحتاج بالإضافة إلى فترة النقاهة للتعافي، يحتاج إلى مجموعة من العمليات الجراحية المتتالية التي تؤسس لمخارج شبه نهائية تمنع وبشكل دستوري احتمالات عودة التأزمات التي لم تتوقف عن تاريخ لبنان الحديث. ويخشى على لبنان من الانتكاسة خلال إجراء واحدة من العمليات الجراحية القادمة.
كل يوم يمر، منذ أربعاء الدوحة التاريخي، ينتقل الشارع اللبناني فيه من حالة مرتبطة بأحداث السنتين السابقتين إلى أمل يتجدد بغدٍ أفضل. لن تنمحي صور الخلافات والصراعات من عقول ونفوس اللبنانيين، لن تغيب مشاهد التوترات التي عمَّت شوارع بيروت والشمال والجبل، ولن تتوقف الأزمات بمجرد التوقيع على اتفاق الدوحة ونزول الناس في شوارع لبنان تملأهم السعادة والفرح. وقد شارك أغلب العرب اخوانهم اللبنانيين مشاعر الفرح هذه. ولكن، ماذا بعد ذلك؟ هل فعلاً تخلَّص اللبنانيون والعرب من ملف معقد أرَّقهم خلال العامين الماضيين؟ وهل سينتشون إلى درجة عودة الثقة للذات بحيث يأملون حل ملفاتهم العربية المعقدة الأخرى؟ أم أن ما حصل في لبنان حالة خاصة؟!
أمام لبنان واللبنانيين عام كامل من العيش في غرفة النقاهة في مستشفى اتفاق الدوحة، حيث اتفق زعماؤهم على تمرير مضامين اتفاق الدوحة حرفياً، من خلال ملء الفراغ الرئاسي وتشكيل حكومة الوحدة الوطنية وتعديل قانون الانتخاب، جل ذلك يعطي الحكومة الجديدة ومجلس النواب التنفس الاصطناعي للبقاء على قيد الحياة حتى موعد الانتخابات القادمة، أي حتى منتصف العام القادم.
فترة النقاهة هذه، ضرورة مرحلية يحتاجها لبنان واللبنانيون، وكما أن فترة نقاهة المريض تحدد مقدار قابليته للتعافي النهائي أو مدى ضعفه للانتكاس من جديد، هي كذلك مع لبنان المصاب بأمراض سياسية وأمنية واقتصادية واجتماعية ساهمت على تمكنها من جسد لبنان ضعف المناعة الذاتية، وقدرة وقوة الفيروسات الخارجية على اختراق عروق الجسد اللبناني المتعدد.
أما العمليات التي سيخضع لها الكيان اللبناني كمكونات سياسية وطوائف دينية ومذهبية ستكون بمثابة محطات امتحان لمتانة اتفاق الدوحة وقدرته على مساعدة لبنان على التعافي، لأن الاتفاق مدخل لاحتواء الأزمة وينجح عندما يتجاوز العمليات الجراحية المرافقة له. أهمها عمليات ثلاث:
تشكيل رؤية الحكومة وبالتالي برنامجها، بحيث تحافظ حكومة الوحدة الوطنية على الحد الأدنى من الانسجام لتنفيذ البرنامج وفق أولويات الرؤية، كي لا تتحول إلى حكومة تصريف أعمال، لأن المطلوب منها كبير وواسع.
من الأمور الصعبة خلال الفترة القادمة، صياغة الرؤية الإستراتيجية الدفاعية والأمنية، وهنا، تأتي أهمية أمرين، الأول آني عبر اختيار قائد للجيش بدلاً عن ميشال سليمان الذي أصبح الرئيس التوافقي، ولكن من أهم صفات القائد الجديد قدرته على التوازن لتطبيق رؤية الإستراتيجية الدفاعية الجديدة، ومن ثم يحتاج الجميع إلى ترشيح أسماء للقيادات الأمنية المختلفة يتم التوافق عليها. الأمر الآخر؛ استراتيجي عبر التوافق على مستقبل موضوع سلاح المقاومة، وكيف يتمكن القائد الجديد من الاستفادة من تجارب الكيانين، الجيش والمقاومة، وهما كيانان لا يمكن الاستغناء عن أحدهما على حساب الآخر ولكل منهما تجارب ممتازة.
على ضوء النقطة الثانية ستتحدد معالم طبيعة علاقات لبنان الإقليمية المفترضة، لاسيما تجاه إسرائيل كعدو قائم، ولا يمكن اعتباره غير ذلك، وتجاه سوريا كدولة حليفة مفترضة، وهي دائماً، وستبقى، جزءا من مشكلة لبنان أو جزءا من الحل.
العملية الجراحية الأخطر تتمحور حول كيف يصاغ للبنان مخرج سياسي وإداري نهائي يجنب لبنان وأهله من بؤر انبعاث التوترات الطائفية والمحاصصات المذهبية؟ وهذه العملية لم تعالجها المؤتمرات والحوارات الوطنية التي قامت على قاعدة البحث عن سيناريوهات لأزمات قائمة بين الفرقاء اللبنانيين.
فهل يتمكن الجسد اللبناني، كدولة ومجتمع وتكتلات، من تجاوز تلك العمليات الجراحية دون انتكاسة صحية؟ نأمل ذلك، أما إذا وقعت الانتكاسة فستعود الأزمة بصورة أقسى مما يتوقعه جميع الفرقاء والوسطاء؟.





