وقفة مع ( الحق أحق أن يتبع )
عباس الموسى
سرني جدا ما أراه في الكتابات المتأخرة التي صدرت باسم سماحة العلامة السيد محمد علي العلي (حفظه الله) وإن كان ذلك بعد تجاوز العقد السابع من عمره-كما يبدو- ولكن ذلك يستحق الإشادة وإن كنا نتمنى لو كتب سماحة السيد قبل ذلك وألف مؤلفات يكون لها الأثر الأكبر في تطور مجال الكتابة في الأحساء حيث لم نشهد فيما سبق من فترة، قوة في الكتابة في علماء الأحساء وبغض النظر عن هذا كله فإن ما صدر من كتابة باسم سماحة السيد يشاد به ونتمنى أن نرى المزيد مما يخدم الجو العلمي ويثري الأفكار في الساحة العلمية بشكل خاص والساحة العامة بشكل عام .
وآخر ما صدر من كتابات لسماحة السيد كتيب بعنوان ( الحق أحق أن يتبع ) وهو كتيب يتحدث عن كيفية طلب قضاء الحاجة من النبي والإمام والاستعانة بهم وكان هذا الكتيب –كما هو ظاهر- ردا على كلمات أو محاضرة كانت للسيد محمد حسين فضل الله (حفظه الله) حيث كان المقطع الذي نقله في الكتيب (ص21) من محاضرة للسيد فضل الله وفي (ص 42) ذكر بعض أفكار السيد فضل الله.
وأنا هنا لست لأثبت رأي السيد محمد العلي ولا السيد فضل الله (حفظهما الله ) ولكن لمناقشة السيد محمد العلي في بعض ما طرح من قضايا بل قضية واحدة وهي قوله : (فعلى هذا التقدير لا يكون قولنا للنبي والإمام أغنني أو أرزقني شركاً ولا مستلزما للشرك) .
فهل يصح منا أن نقول : ( يا محمد أرزقني أو يا علي أرزقني )؟
للإجابة على هذا نحتاج دراسة عدة أمور من خلال منظور القرآن الكريم والسنة الشريفة لنعرف مدى صحة هذا القول من عدمه ، وسيكون حديثنا في عدة نقاط هي كالتالي:
1-من هو الرزاق؟وهل هي صفة محصورة في الله سبحانه أم لا؟
2-هل المعصوم يمكن أن يرزق ؟ وكيف ؟
3-ما المقصود بالهداية بالرزق؟
4-أهل البيت وتفويض الرزق إليهم ؟
4-حث أهل البيت على طلب الرزق من الله سبحانه ؟
5-التوجه القلبي والتوكل على من ؟
من هو الرازق ؟
الرازق هو الله سبحانه وتعالى ولا يشك أي مخلوق يؤمن بوجود الخالق أن الله هو الرازق وقد تقرر ذلك في آيات متعددة في القرآن الكريم منها :
(إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ) (الذريات:58) والمقام هنا مقام الحصر أي أن الرزق محصور في الله سبحانه وتعالى فقط، وهذا هو دور ضمير الفصل ( أو ضمير الشأن ) الذي جاء ليحدد الرزق ويحصره في الله فقط .
فما هو معلوم أن ضمير الفصل هو من أحوال المسند إليه لأنه يقترن به أولا ، وفي المعنى عبارة عنه وفي اللفظ مطابق له ، وله فوائد :
أ : قصر المسند على المسند إليه ، نحو " زيد هو أفضل من عمرو " و ( ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ).
ب : مجرد التأكيد إذا حصل الحصر بغير ضمير الفصل كما إذا كان في الكلام ما يفيد قصر المسند على المسند إليه كتعريف المسند باللام في ( إن الله هو الرزاق ) أي لا رازق إلا الله ، أو كان في الكلام ما يفيد قصر المسند إليه على المسند كتعريف المسند إليه باللام في " الكرم هو التقوى " أي " لا كرم إلا التقوى " فضمير الفصل يؤكد هذا الحصر . وهذا ما هو موجود في الآية الكريمة . هذا أولاً .
يقول السيد الطبطبائي في الميزان :
والتعبير بالرزاق - اسم مبالغة - وكان الظاهر أن يقال : إن الله هو الرزاق للإشارة إلى أنه تعالى إذا كان رازقا وحده كان رزاقا لكثرة من يرزقه فالآية نظير قوله : ( وما أنا بظلام للعبيد ) . وذو القوة من أسمائه تعالى بمعنى القوي لكنه أبلغ من القوي ، والمتين أيضا من أسمائه تعالى بمعنى القوي . والتعبير بالأسماء الثلاثة للدلالة على انحصار الرزق فيه تعالى وأنه لا يأخذه ضعف في إيصال الرزق إلى المرتزقين على كثرتهم .
ثانياً : لقد وردت آيات كثيرة تقرر أن الله سبحانه وتعالى هو الرازق الوحيد منها :
(اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) (الروم:40)
(وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ) (النحل:71)
(وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ) (هود:6)
(وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) (العنكبوت:60)
(أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ) (الملك:21)
( وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ)(الأنعام: من الآية151)
(قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللّهُ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ ) (يونس: 31 )
(أَمَّن يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ }(النمل:64)
(قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ }سبأ24
(هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ }(فاطر:3)
(وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ ...) (يّـس:47)
والكثير من الآيات التي تحصر الرزق في الله دون غيره ولا مجال لذكرها لئلا يطول المقام.
والاعتبار العقلي يؤيد ذلك فإن الرزق هو ما يديم به المخلوق الحي وجوده وإذا كان وجوده من فيض جوده تعالى فما يتوقف عليه من الرزق من قبله ، وإذ لا شريك له تعالى في إيجاده لا شريك له في ما يتوقف عليه وجوده كالرزق .
وقد يقول قائل: أنه قد ورد في القرآن الكريم قوله تعالى: ( والله خير الرازقين ) وفي دعاء الجوشن في المقطع (3) (.... يا خير الرازقين ....) فهذا معناه أن هناك رازقين والله خيرهم .
قلنا :
أن الرزق بحسب الحقيقة لا ينتسب إلا إليه فما ينسب إلى غيره تعالى من الرزق كما يصدقه أمثال قوله تعالى (والله خير الرازقين) حيث أثبت رازقين وعده تعالى خيرهم وقوله (وارزقوهم فيها واكسوهم )كل ذلك من قبيل النسبة بالغير كما أن الملك والعزة لله تعالى لذاته ولغيره بإعطائه وإذنه فهو الرزاق لا غير . وثانيا أن ما ينتفع به الخلق في وجودهم مما ينالونه من خير فهو رزقهم والله رازقه ويدل على ذلك مضافا إلى آيات الرزق على كثرتها آيات كثيرة أخرى كالآيات الدالة على أن الخلق والأمر والحكم والملك بكسر الميم والمشية والتدبير والخير لله محضا عز سلطانه.
فالملك والعزة وكل خير اعتباري من خيرات الاجتماع كالمال والجاه والقوة وغير ذلك كل ذلك من الرزق المرزوق.
إذا سلمنا بذلك نقول هل يمكن أن تكون صفة الرزق لأحد غير الله؟
الرزق من صفات الله :
الرزق والرازقية من صفات الله الثبوتية والصفات الثبوتية هي الصفات التي يتصف بها سبحانه وتعالى دون غيره .
وقد عرفت الصفات الثبوتية في الكتب الكلامية والفلسفية بـ :
( كل ما أوجب اتصاف الواجب به كمالاً وبهاء بلا استتباع نقص )
وقوله ( اتصاف الواجب ) قيد يخرج غير الواجب وهو الممكن والذي هو الإنسان ، فالممكن لا يتصف بأي صفة ثبوتية ، فهذه الصفات لله ولله فقط .
فإذا كانت هذه الصفة للخالق فكيف يوصف بها المخلوق ؟!
وإذا سلمنا أيضاً بأن هذه الصفة صفة ثبوتية فعلية لله فإنه لا يمكن أن تكون لأحد من البشر .
الرزق من المعصوم عند السيد:
لنتساءل: هل يمكن أن يرزقنا المعصوم عليه السلام؟
وإذا كان ذلك ممكناً : كيف يكون ذلك ؟
السيد محمد علي (حفظه الله ) قسم الرزق والعطاء إلى قسمين: قسم مختص بالله وطلبه مستوجب للشرك حتى لو كان من المعصوم وقسم ممكن وهذا الإعطاء الممكن صدوره من النبي أو المعصوم مما لا يلزم من طلبه الشرك واستشهد لذلك بثلاث آيات ثم قرر بعدها إمكان قولنا (يا علي أرزقني مثلاً)
أما الآية الأولى: (وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَاماً وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً) (النساء:5) فهي عبارة عن إرزاق السفيه في المال بأن يعيش من نمائه ونتاجه وأرباحه لا من المال الأصلي بأن يشرع في الأكل من أصله ، وهذه الآية تقرر رزق اليتامى وإكساءهم من أموالهم حتى يبلغوا سن الرشد.
فاليتامى لديهم أموال وعلى الولي أن ينمي أموالهم ويعطيهم من الأرباح ، فالعطاء هنا مادي.
وأما الآية الثانية: (وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً) (النساء:8) فإذا حضر مجلس تقسيم الإرث جماعة من الأقرباء من الطبقة الثانية والثالثة ، وكذا بعض اليتامى والمساكين فارزقوهم من الإرث ، وبهذا تكونون قد منعتم من تحرك شعور الحسد والبغضاء لدى من يمكن أن يثور لديهم ذلك الشعور بسبب حرمانهم من الإرث ، ولا شك أن هذا العمل من شأنه أن يقوي أواصر القرابة الإنسانية بينكم.
فهنا (إرث) يعني – أموال – وحضور مجموعة من الأقرباء أثناء توزيع الإرث يوجب – ليس بمعنى الوجوب- إعطاءهم من هذه الأموال فهذا عطاء مادي أيضاً .
أما الآية الثالثة : (يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْراً لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَاباً أَلِيماً فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ) (التوبة:74)
وهذه الآية تتحدث عن المنافقين حيث أغناهم الله من فضله بما رزقهم من الغنائم وبسط عليهم الأمن والرفاهية فمكنهم من توليد الثروة وإنماء المال من كل جهة ، وكذا رسوله حيث هداهم إلى عيشة صالحة تفتح عليهم أبواب بركات السماء والأرض ، وقسم بينهم الغنائم وبسط عليهم العدل .
ففضل النبي من فضل الله لذا جاء الضمير في (من فضله) مفردا لا مثنى ، والسبب في ذلك أن أمثال هذه التعبيرات لأجل إثبات حقيقة التوحيد ، وأن كل الأعمال بيد الله سبحانه ، وأن النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) إذا ما عمل عملا فهو بأمر الله سبحانه ، ولا ينعزل عن إرادته سبحانه .
وقد تمثل إغناء النبي في توزيع الغنائم على المسلمين بما فيهم المنافقين فيكون عطاء النبي (ص) – كما في الآية – مادي .
فهل ما يقصد السيد محمد علي (حفظه الله) من العطاء الممكن والذي لا يدخل ضمن الشرك هو العطاء المادي؟
إذا كان هذا المعنى هو المقصود فإن جميع الناس بلا استثناء رازقون، فأنا والسيد محمد علي وباقي الناس من يوزع الإرث ومن يهب الناس الأموال ومن يعطي الأجير أجره ومن يتصدق هنا وهناك ومن ... كلهم رزاقون بهذا المعنى .
فأموال توزع هنا وهناك فإذا قلت ( يا محمد أرزقني ، أو يا علي أغنني ) سأحصل على أموال مادية ( مليون ريال مثلاً) أم ماذا ؟!
طبعاً من المستحيل أن يكون هذا المعنى صحيحاً.
فليس من المعقول أن يقف الإنسان بجوار ضريح أحد المعصومين ( عليهم أفضل الصلاة والسلام ) ويدعو ( يا علي أغنني ) ثم يرجع إلى بيته ويجد تلك الأموال في انتظاره .
ومن المؤكد أن في حياة النبي (ص) أو المعصوم (ع) قد يعطي المعصوم أي فرد كان أموالاً كعطاء يغنيه به أو يرشده إلى تجارة تنفعه أو غير ذلك فيغنى هذا الفرد أو ذاك بإذن الله وهذا لا خلاف فيه ومنهم من يعطيه المعصوم المال فيضيعه فيرجع فقيراً بل قد يكون أعظم من حالته السابقة لقلة تدبيره أو لأمور أخرى .
أما في حالة وفاة المعصوم فكيف سيعطي المعصوم الأموال للناس إذا كان المعنى العطاء المادي ؟!
هل سيكون ذلك بإيداع في الحساب دون أن يعلم صاحب الحساب أو بشيك مفتوح يصل إليه وهو في بيته أو كاش يعطى إلى الطالب من قبل المعصوم أو عن طريق إرسال رسوله ليسلم الأموال إليه بمجرد قولنا – بل حتى اعتقادنا- يا علي أرزقني ؟!
فالواقع أننا لم نفهم من كلام السيد محمد علي (حفظه الله ) ما هو العطاء الممكن من الرزق ؟
فإذا سلمنا أن هذا المعنى غير مقصود .
فما المقصود إذا ؟
هل الهداية في الرزق ؟
بأن يهدي المعصوم الإنسان إلى رزقه وكسبه فإذا كان الكلام كذلك قلنا أن الهداية لا تكون إلا من الله وحده هو يرزقها ويهديها ويوفر لها أسباب الرزق من خلال عدة أمور كما قال في محكم كتابه الكريم : (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ (32) وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ) (33) إبراهيم
وقد أوضح رازق العباد بأنه هو رازقهم جميعاً كما في قوله تعالى : (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ) (هود:6) وعليه إذا صح لنا ذكر أهل البيت عليهم السلام في طلب رزق أو حاجة من الله فإنما يكون بمنزلتهم وعظمتهم عند الله وذلك بتضمينهم في الدعاء لا بتوجيه الدعاء لهم مباشرة فيمكننا أن نقول :
( اللهم بحق محمد عندك أرزقني ) فالطلب هنا من الله ولكن بحق محمد أفضل الخلق وأكرم الخلق وأقدس الخلق وأشرف الخلق .....
وليس صحيحاً أن نقول ( يا محمد أرزقني )
والدعاء المشهور الذي نردده في صلواتنا نقول فيه :
( اللهم بحق فاطمة وأبيها وبعلها وبنيها والسر المستودع فيها ...) ولا نقول غير ذلك .
إنكار الأئمة عليهم السلام تفويض الرزق إليهم :
قلنا فيما سبق أن القرآن الكريم يؤكد في العشرات من آيات الله البينات على فكرة أن الله وحده الرازق لجميع المخلوقات (إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ) (الذريات:58) ( هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ) (فاطر: من الآية3) وبدون أن يستعين بأحد (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ) (الاسراء: من الآية111)
تؤكد آيات كثيرة على أن الأنبياء عباد للرحمن عاشوا وماتوا كباقي البشر إلا في عظمتهم ورسالتهم الرفيعة بل هم عباده المخلصين المكرمين كما قال تعالى ( إِلاَّ عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصينَ ) ( وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ ) فهم عباد الرحمن، لا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا (قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرّاً وَلا نَفْعاً إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ) (يونس:49)
ويذكر القرآن الكريم بصورة خاصة نبي الإسلام (ص) على أنه إنسان لا يختلف عن باقي الناس إلا بنزول الوحي عليه لإبلاغه إلى البشر (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ) (الكهف: من الآية110) وقد أمر الله نبيه أن يؤكد على بشريته تلك للذين طلبوا منه معجزة قبل الإيمان به (وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً (90) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيراً (91) أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلاً (92) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً نَقْرَأُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولاً) (الإسراء 90-93) ولم يشر الكتاب الكريم إلى فكرة كون النبي فوق البشر بل لم تظهر هذه الفكرة إلا بعد وفاته (ص) مباشرة وذلك عندما قال الخليفة الثاني بأنه لم يمت وإنما غاب عن الأنظار وسيعود بعد ذلك ليقطع أيادي وأرجل الذين ادعوا وفاته.
على كل حال لا نريد أن نسهب في هذا الموضع ، إن مسألة التفويض جاءت من الغلاة ابتداء من زمان أمير المؤمنين وإلى الآن وذلك من فرقة تسمى بالمفوضة وظهرت هذه الفرقة في زمن الإمام الصادق (ع) .
وهذه الفرقة تعتقد أن الله فوض أمر الخلق والرزق إلى الأئمة عليهم السلام ولذا جاءت محاربة أئمة أهل البيت عليهم السلام لهؤلاء الغلاة بما يزعمون من أنهم فوض إليهم الرزق وقد روي عن الإمام الرضا عليه السلام أنه قال : ( الغلاة كفار والمفوضة مشركون .... )
وجاء عن الإمام الرضا عليه السلام قوله : ( من زعم أن الله عز وجل فوض أمر الخلق والرزق إلى حججه فقد قال بالتفويض ، والقائل بالتفويض مشرك ) .
وصريح الأخبار – كما هو القرآن – نفي الرزق عن غير الله تعالى :
قيل للإمام الصادق (ع) : ( إن رجلاً يقول بالتفويض .
فقال : ما التفويض ؟
فقيل له : يقول أن الله عز وجل خلق محمداً وعلياً ثم فوض الأمر إليهما فخلقا ورزقا وأحييا وأماتا .
فقال (ع) : كذب عدو الله إذا فاتل عليه هذه الآية التي في سورة الرعد (أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ) (الرعد: من الآية16)
وقال الإمام الصادق (ع) أيضا :
(...فو الله ما نحن إلا عبيد الذي خلقنا واصطفانا ، ما نقدر على ضر ولا نفع وإن رحمنا فبرحمته ، وان عذبنا فبذنوبنا ، والله مالنا على الله من حجة ، ولا معنا من الله براءة ، وإنا لميتون ، ومقبورون ، ومنشرون ، ومبعوثون ، وموقوفون ، ومسئولون ، ويلهم مالهم لعنهم الله فلقد آذوا الله وآذوا رسوله صلى الله عليه وآله في قبره وأمير المؤمنين وفاطمة والحسن والحسين وعلي بن الحسين ومحمد بن علي ( صلوات الله عليهم ) .
وكان الرضا عليه السلام يقول في دعائه :
( اللهم إني بريء من الحول والقوة ولا حول ولا قوة إلا بك ، اللهم إني أعوذ بك وأبرأ إليك من الذين ادعوا لنا ما ليس لنا بحق اللهم إني أبرأ إليك من الذين قالوا فينا ما لم نقله في أنفسنا ، اللهم لك الخلق ومنك الرزق وإياك نعبد وإياك نستعين ، اللهم أنت خالقنا وخالق آبائنا الأولين وآبائنا الآخرين اللهم لا تليق الربوبية إلا بك ولا تصلح الإلهية إلا لك ، فالعن النصارى الذين صغروا عظمتك والعن المضاهئين لقولهم من بريتك . اللهم إنا عبيدك وأبناء عبيدك لا نملك لأنفسنا نفعا ولا ضرا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا ، اللهم من زعم أنا أرباب فنحن منه براء ، ومن زعم أن إلينا الخلق وعلينا الرزق ، فنحن براء منه كبراءة عيسى بن مريم عليه السلام من النصارى ، اللهم انا لم ندعهم إلى ما يزعمون ، فلا تؤاخذنا بما يقولون ، واغفر لنا ما يدعون ولا تدع على الأرض منهم ديارا إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا
فالإمام الرضا يقول (لك الخلق ومنك الرزق) فالرزق من الله لا من الأئمة وقال أيضا (ومن زعم أن إلينا الخلق وعلينا الرزق ، فنحن براء منه كبراءة عيسى بن مريم عليه السلام من النصارى) فالإمام يتبرأ ممن يدعي أنهم يرزقون ونحن –بعض الشيعة – نصر على أنهم يرزقون ، سبحان الله !
ودعا في نهاية دعائه بأن لا يبقي أحد ممن يدعي أنهم يرزقون بقوله : (ولا تدع على الأرض منهم ديارا إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا ) وأكد في دعائه أنهم – أهل البيت- لم يدعوا شيعتهم وأتباعهم ولا غيرهم إلى ما يزعمون فيهم .
وجاء في دعاء الجوشن الكبير ما يؤكد أن الله هو الرزاق الوحيد كما في المقطع (90) يا من لا يعلم الغيب إلا هو يا من لا يصرف السوء إلا هو يا من لا يخلق الخلق إلا هو يا من لا يغفر الذنب إلا هو يا من لا يتم النعمة إلا هو يا من لا يقلب القلوب إلا هو يا من لا يدبر الأمر إلا هو يا من لا ينزل الغيث إلا هو يا من لا يبسط الرزق إلا هو يا من لا يحيي الموتى إلا هو .
فقوله ( عليه أفضل الصلاة والسلام ) : (يا من لا يبسط الرزق إلا هو ) يحدد فيها أن الله هو باسط الرزق للعباد وحده دون سواه .
وعلى هذا كيف يصح أن نقول –مثلا- ( يا علي أرزقني أو أغنني) وأئمة أهل البيت (ع) يرفضون وينهون عن هذا ويكذبون من يقول هذا ويتهمونه بالغلو .
إن هذه مفارقة عجيبة أن يرفض أئمة أهل البيت (ع) أن يقال عنهم أنهم يرزقوا العباد بطريقة أو أخرى وشيعتهم يدعون أنهم يرزقون ؟؟!!
كما أن علماء ورواة الحديث في مدرسة قم – القديمة طبعا – وقفوا في أوائل القرن الثالث الهجري أمام أفكار المفوضة موقفاً حازماً والمطلع على هذه الحقبة من تاريخ قم يعرف ذلك ، إذ حاولوا بكل قوة التصدي للتيار الجارف في أدبياتهم –الغلاة- التي انتشرت آنذاك ، وقرروا وصم كل من ينسب للأئمة من أمور فوق مستوى البشر بـ ( الغلو والغلاة ) ومن ثم إخراجهم من مدينتهم .
أهل البيت يحثون الناس على طلب الرزق من الله
عندما نتلمس أقوال أئمة أهل البيت عليهم السلام نجدهم يحثون الناس على طلب الرزق بأنفسهم كما كانوا هم يطلبون رزقهم بأنفسهم كما جاء في الكافي بإسناده إلى عبد الأعلى مولى آل سام قال: استقبلت أبا عبد الله عليه السلام في بعض طرق المدينة في يوم صايف شديد الحر فقلت: جعلت فداك حالك عند الله عز وجل وقرابتك من رسول الله صلى الله عليه وآله وأنت تجهد نفسك في مثل هذا اليوم ؟ فقال : يا عبد الأعلى خرجت في طلب الرزق لاستغني به عن مثلك.
كما حثوا الناس على طلب الرزق وعدم تركه حتى للتفرغ للعبادة فإن كان ذلك لم يستجب لهم دعاؤهم في الرزق.
فلماذا لم يقل الإمام الصادق عليه السلام وهو أعلم منا بهذه الأمور يا أمير المؤمنين أغنني ويعلم ما لجده من فضل عند الله ؟
في تهذيب الأحكام باسناده إلى سدير قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام أي شئ على الرجل في طلب الرزق ؟ فقال : إذا فتحت بابك وبسطت بساطك فقد قضيت ما عليك.
وعن علي بن عبد العزيز قال : قال لي أبو عبد الله ( عليه السلام ) : ما فعل عمر بن مسلم ؟ قلت : جعلت فداك أقبل على العبادة وترك التجارة فقال : ويحه أما علم أن تارك الطلب لا يستجاب له ، إن قوما من أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) لما نزلت ( ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب) أغلقوا الأبواب وأقبلوا على العبادة وقالوا : قد كفينا فبلغ ذلك النبي ( صلى الله عليه وآله ) فأرسل إليهم ، فقال : ما حملكم على ما صنعتم ؟ قالوا : يا رسول الله تكفل لنا بأرزاقنا فأقبلنا على العبادة ، فقال : إنه من فعل ذلك لم يستجب له ، عليكم بالطلب.
وباسناده إلى عمر بن يزيد قال : قلت لأبي عبد الله عليه السلام ، رجل قال : لأقعدن في بيتي ولأصلين ولأصومن ولأعبدن ربي عز وجل فأما رزقي فيأتيني ؟ فقال أبو عبد الله عليه السلام : هو أحد الثلاثة الذين لا يستجاب لهم .
وعن إبراهيم بن عبد الحميد عن أيوب أخي أديم بياع الهروي قال كنا جلوسا عند أبي عبد الله عليه السلام إذ أقبل العلاء بن كامل فجلس قدام أبي عبد الله فقال ادع الله أن يرزقني في دعة فقال : لا أدعو لك أطلب كما أمرك الله .
وتعلمون أن الله قال في الذكر الحكيم : ( ادعوني استجب لكم ) فهذا ما أمر الله به الناس، دعاؤه ليستجيب الله لنا وهذا ما قرره الإمام في هذه الرواية.
كما بينوا أن الرزق للعبد مكتوب ومُقر ، فمهما عمل ، وجهد جهده فلن يحصل أكثر من نصيبه له. وتلاحظون اليوم كيف يحدث بيع الاكتتابات فالناس قد يبيعون سهم الاكتتاب في وقت واحد ولكن بأسعار مختلفة فلكلٍ رزقه الذي كتب له لا أزيد، وذلك ما جاء عن محمد بن يعقوب عن علي بن محمد عن ابن جمهور عن أبيه رفعه عن أبي عبد الله عليه السلام قال : كان أمير المؤمنين عليه السلام كثيرا ما يقول : اعلموا علما يقينا ان الله لم يجعل للعبد وان اجتهد جهده وعظمت حيلته وكثرت مكابدته ان يسبق ما سمى له في الذكر الحكيم ، ولم يحل بين العبد في ضعفه وقلة حيلته ان يبلغ ما سمى له في الذكر الحكيم ، أيها الناس انه لن يزداد أمرء نقيرا بحذقة ولن ينقص امرء نقيرا بحمقة ......) .
وهذا لا يعني أن الفرد يجلس ولا يعمل لأن رزقه مكتوب ومعد ؟ لا .. وإنما عليه أن يعمل لتحصيل رزقه وإن لم يعمل لم يحصل على رزق .
وعندما نتلمس أدعية الصحيفة السجادية نجد فيها مجموعة من أدعية الإمام يحث فيها على دعوة الله للرزق وحاجة العبد لطلب ذلك من الله لا من غير ومن ذلك دعاؤه :
" اللَّهُمَّ إِنِّي أَخْلَصْتُ بِانْقِطَاعِي إِلَيْكَ وَأَقْبَلْتُ بِكُلِّي عَلَيْكَ وَصَرَفْتُ وَجْهِي عَمَّنْ يَحْتَاجُ إِلَى رِفْدِكَ وَقَلَبْتُ مَسْأَلَتِي عَمَّنْ لَمْ يَسْتَغْنِ عَنْ فَضْلِكَ وَرَأَيْتُ أَنَّ طَلَبَ الْمُحْتَاجِ إِلَى الْمُحْتَاجِ سَفَهٌ مِنْ رَأْيِهِ وَضَلَّةٌ مِنْ عَقْلِهِ . فَكَمْ قَدْ رَأَيْتُ يَا إِلَهِي مِنْ أُنَاسٍ طَلَبُوا الْعِزَّ بِغَيْرِكَ فَذَلُّوا ، وَرَامُوا الثَّرْوَةَ مِنْ سِوَاكَ فَافْتَقَرُوا ، وَحَاوَلُوا الِارْتِفَاعَ فَاتَّضَعُوا ، فَصَحَّ بِمُعَايَنَةِ أَمْثَالِهِمْ حَازِمٌ وَفَّقَهُ اعْتِبَارُهُ ، وَأَرْشَدَهُ إِلَى طَرِيقِ صَوَابِهِ اخْتِيَارُهُ . فَأَنْتَ يَا مَوْلَايَ دُونَ كُلِّ مَسْئُولٍ مَوْضِعُ مَسْأَلَتِي ، وَدُونَ كُلِّ مَطْلُوبٍ إِلَيْهِ وَلِيُّ حَاجَتِي "
والشاهد هنا قوله عليه السلام (رَأَيْتُ أَنَّ طَلَبَ الْمُحْتَاجِ إِلَى الْمُحْتَاجِ سَفَهٌ مِنْ رَأْيِهِ) فالإمام يوضح أن طلب الحاجة من غير الله سفه وقال أيضاً (وَرَامُوا الثَّرْوَةَ مِنْ سِوَاكَ فَافْتَقَرُوا) فطلب الثروة (الرزق) من غير الله افتقار ، فالله هو الرزاق والإمام يوضح هنا هذا المطلب ويؤكد أنه لا رازق إلا الله .
ومن دعائه عليه السلام : اللَّهُمَّ لَا طَاقَةَ لِي بِالْجَهْدِ ، وَلَا صَبْرَ لِي عَلَى الْبَلَاءِ ، وَلَا قُوَّةَ لِي عَلَى الْفَقْرِ ، فَلَا تَحْظُرْ عَلَيَّ رِزْقِي ، وَلَا تَكِلْنِي إِلَى خَلْقِكَ ، بَلْ تَفَرَّدْ بِحَاجَتِي ، وَتَوَلَّ كِفَايَتِي . وَانْظُرْ إِلَيَّ وَانْظُرْ لِي فِي جَمِيعِ أُمُورِي ، فَإِنَّكَ إِنْ وَكَلْتَنِي إِلَى نَفْسِي عَجَزْتُ عَنْهَا وَلَمْ أُقِمْ مَا فِيهِ مَصْلَحَتُهَا ، وَإِنْ وَكَلْتَنِي إِلَى خَلْقِكَ تَجَهَّمُونِي ، وَإِنْ أَلْجَأْتَنِي إِلَى قَرَابَتِي حَرَمُونِي ، وَإِنْ أَعْطَوْا أَعْطَوْا قَلِيلًا نَكِداً ، وَمَنُّوا عَلَيَّ طَوِيلًا ، وَذَمُّوا كَثِيراً . فَبِفَضْلِكَ ، اللَّهُمَّ ، فَأَغْنِنِي ، وَبِعَظَمَتِكَ فَانْعَشْنِي ، وَبِسَعَتِكَ ، فَابْسُطْ يَدِي ، وَبِمَا عِنْدَكَ فَاكْفِنِي"
والشاهد هنا قول الإمام (فَبِفَضْلِكَ ، اللَّهُمَّ ، فَأَغْنِنِي) فكيف يقول الإمام ذلك ونحن نقول أغنني يا علي ؟؟!! وقال أيضاً (فَلَا تَحْظُرْ عَلَيَّ رِزْقِي ) دلالة على أن الرزق منه سبحانه تعالى فقط .
ومن دعائه عليه السلام " فَمَنْ حَاوَلَ سَدَّ خَلَّتِهِ مِنْ عِنْدِكَ ، وَرَامَ صَرْفَ الْفَقْرِ عَنْ نَفْسِهِ بِكَ فَقَدْ طَلَبَ حَاجَتَهُ فِي مَظَانِّهَا ، وَأَتَى طَلِبَتَهُ مِنْ وَجْهِهَا . وَمَنْ تَوَجَّهَ بِحَاجَتِهِ إِلَى أَحَدٍ مِنْ خَلْقِكَ أَوْ جَعَلَهُ سَبَبَ نُجْحِهَا دُونَكَ فَقَدْ تَعَرَّضَ لِلْحِرْمَانِ ، وَاسْتَحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَوْتَ الْإِحْسَانِ.
اللَّهُمَّ وَلِي إِلَيْكَ حَاجَةٌ قَدْ قَصَّرَ عَنْهَا جُهْدِي ، وَتَقَطَّعَتْ دُونَهَا حِيَلِي ، وَسَوَّلَتْ لِي نَفْسِي رَفْعَهَا إِلَى مَنْ يَرْفَعُ حَوَائِجَهُ إِلَيْكَ ، وَلَا يَسْتَغْنِي فِي طَلِبَاتِهِ عَنْكَ ، وَهِيَ زَلَّةٌ مِنْ زَلَلِ الْخَاطِئِينَ ، وَعَثْرَةٌ مِنْ عَثَرَاتِ الْمُذْنِبِينَ . ثُمَّ انْتَبَهْتُ بِتَذْكِيرِكَ لِي مِنْ غَفْلَتِي ، وَنَهَضْتُ بِتَوْفِيقِكَ مِنْ زَلَّتِي ، وَرَجَعْتُ وَنَكَصْتُ بِتَسْدِيدِكَ عَنْ عَثْرَتِي . وَقُلْتُ سُبْحَانَ رَبِّي كَيْفَ يَسْأَلُ مُحْتَاجٌ مُحْتَاجاً وَأَنَّى يَرْغَبُ مُعْدِمٌ إِلَى مُعْدِمٍ فَقَصَدْتُكَ ، يَا إِلَهِي ، بِالرَّغْبَةِ ، وَأَوْفَدْتُ عَلَيْكَ رَجَائِي بِالثِّقَةِ بِكَ . وَعَلِمْتُ أَنَّ كَثِيرَ مَا أَسْأَلُكَ يَسِيرٌ فِي وُجْدِكَ ، وَأَنَّ خَطِيرَ مَا أَسْتَوْهِبُكَ حَقِيرٌ فِي وُسْعِكَ ، وَأَنَّ كَرَمَكَ لَا يَضِيقُ عَنْ سُؤَالِ أَحَدٍ ، وَأَنَّ يَدَكَ بِالْعَطَايَا أَعْلَى مِنْ كُلِّ يَدٍ
وإذا قرأنا دعاء الجوشن الكبير وجدنا عدة عبارات تحدد أن الله رازق العباد دون سواه فقد جاء في المقطع:
7- (....يا رازق البرايا ...) .
8- (.....يا ذا الجود والسخاء يا ذا الآلاء والنعماء).
10- (..... يا رازق كل مرزوق .....)
66-(..... يا من رزقني .... يا من أطعمني وسقاني .....)
70- (.... يا حي الذي يرزق كل حي .....)
75- (.... يا من رزقه عموم للطائعين والعاصين ....)
20- (.... يا رازق الأنام )
52-(....يا رازق المقلين ....)
61- (اللهم إني أسألك باسمك يا خالق يا رازق ...)
79- (..... يا رازق الطفل الصغير ....)
88- (..... يا رازق البشر ....)
التوجه القلبي والتوكل على من ؟
هذه الطريقة من الدعاء وغيرها من الوسائل حرفت جهة الناس من حيث التوجه إلى الله مباشرة بل لا أبالغ إذا قلت بأن الله نُسي في مقابل دعوتنا لأئمتنا ، فلقد أصبحنا ندعو الأئمة عليهم السلام ولا ندعو الله (إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ) (لأعراف:194)
فهنا يبين سبحانه وتعالى أن كل من سوى الله عبدٌ مسخرٌ ، وحاجته مثل حاجتك فكيف تتكل عليه، قال (إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) (العنكبوت:17) وقال رسول الله (ص) : ( لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصاً وتروح بطاناً ) .
وقال أيضاً (ص) : ( من انقطع إلى الله عز وجل كفاه الله كل مؤونة ورزقه من حيث لا يحتسب ، ومن انقطع إلى الدنيا وكله الله إليها ) .
وقال (ص) : ( من سره أن يكون أغنى الناس فليكن بما عند الله أوثق منه بما في يده )
فعلى هذا إذا كان الله هو الرزاق وهو من يرزق الإنسان من حيث يحتسب ومن حيث لا يحتسب فكيف نتكل ونعتمد على أساليب وعادات غير صحيحة ينفيها القرآن وأهل بيت العصمة .
لذا علينا أن نتوجه إلى الله في كل حاجتنا وخصوصاً في الرزق (وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً) (الطلاق:3) وقد نبهنا أئمة أهل البيت عليهم السلام إلى ذلك بأن نتوجه إلى الله لقضاء حوائجنا وطلب رزقنا وغير ذلك ومن لم يتوجه إلى الله فإلى الخسران المبين ، وأبلغ ما ورد في ذلك ما جاء عن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال :
أنه قرأ في بعض الكتب أن الله تبارك وتعالى يقول : وعزتي وجلالي ومجدي وارتفاعي على عرشي لأقطعن أمل كل مؤمل [ من الناس ] غيري باليأس ولأكسونه ثوب المذلة عند الناس ولأنحينه من قربي ولأبعدنه من فضلي .
أيؤمل غيري في الشدائد ؟ ! والشدائد بيدي ويرجو غيري ويقرع بالفكر باب غيري ؟ ! وبيدي مفاتيح الأبواب وهي مغلقة وبابي مفتوح لمن دعاني .
فمن ذا الذي أملني لنوائبه فقطعته دونها ؟ ! ومن ذا الذي رجاني لعظيمة فقطعت رجاءه مني ؟ !
جعلت آمال عبادي عندي محفوظة فلم يرضوا بحفظي وملأت سماواتي ممن لا يمل من تسبيحي وأمرتهم أن لا يغلقوا الأبواب بيني وبين عبادي ، فلم يثقوا بقولي .
ألم يعلم [ أن ] من طرقته نائبة من نوائبي أنه لا يملك كشفها أحد غيري إلا من بعد إذني ، فمالي أراه لاهيا عني ، أعطيته بجودي ما لم يسألني ثم انتزعته عنه فلم يسألني رده وسأل غيري ، أفيراني أبدأ بالعطاء قبل المسألة ثم اسأل فلا أجيب سائلي ؟ ! أبخيل أنا فيبخلني عبدي أوليس الجود والكرم لي ؟ ! أوليس العفو والرحمة بيدي ؟ ! أوليس أنا محل الآمال ؟ ! فمن يقطعها دوني ؟
أفلا يخشى المؤملون أن يؤملوا غيري ، فلوا أن أهل سماواتي وأهل أرضي أملوا جميعا ثم أعطيت كل واحد منهم مثل ما أمل الجميع ما انتقص من ملكي مثل عضو ذرة وكيف ينقص ملك أنا قيمه ، فيا بؤسا للقانطين من رحمتي ويا بؤسا لمن عصاني ولم يراقبني .
ومع هذا التراث الذي يوجهنا نحو الله لا نرى من العلماء – ليس كلهم طبعا – من يوجهنا كما هي هذه الروايات بل على العكس صُب اهتمامنا بأهل بيت العصمة عليهم السلام ونسينا ربهم وخالقهم لذا فإننا نقول ( يا علي أرزقني ) ولا نقول ( يا الله أرزقني ) .
لذا فإننا ننتخي بأهل البيت ولا ننتخي بالله .
ندعو أهل البيت ولا ندعو الله
نطلب الحاجات من أهل البيت ( يا أم البنين ساعديني ) ولا نقول ( يا الله ساعدني )
نطلب الشفاء من أهل البيت ( يا فاطمة شافيني ) ولا نقول ( يا الله شافني )
إذا أصابتنا مصيبة يتعلق قلبنا بأهل البيت ولا يتعلق قلبنا بالله سبحانه وتعالى .
أنلتجأ إلى الفرع وننسى الأصل ، فالأصل هو الله جل جلاله والفرع هم أهل البيت (وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) (الحشر:19) من نؤمل ؟ وممن نطلب الرزق ؟ ومن ندعو كشف حاجاتنا ومصائبنا ؟
أغير الله كل ذلك ! إذا كان ذلك كنا – كما في الرواية الشريفة – من القانطين اليائسين المبعدين من قربه تعالى ، ولن يستجاب لنا أي دعاء .
وهذه المصيبة العظمى والطامة الكبرى من علمنا هذا ؟ هل هو ( إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ)(الزخرف: من الآية22)
كلا . وإنما هناك من غرس هذه المفاهيم في أذهاننا ، أهي كتب ، أهي علماء ، أهي أمهاتنا وآباؤنا . هناك من يعبأ الناس بهذا ومن خلال ما مضى .
تعبئة الناس وتوجيه أفكارهم :
من الملاحظ أن الذي يتحكم في عبادات مجموعة من الشيعة العاطفة ، فالحركة نحو العبادات والشعائر حركة عاطفية بحته بعيدة عن العقل والتعقل بعيدة عن النصوص الشرعية المعتبرة لذا فإننا ندعو من هذا المنبر إلى ما يلي :
أن يخاطب الشيعي خطاب غير الشيعي ليتعرف الشيعي على معتقداته بطريقه يقتنع هو بها لا بتقليد محض ( إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ)(الزخرف: من الآية23) .
وهذا يعني أننا لا نطرح القضايا العقائدية على أنها مسلمات لا خلاف فيها بل ينبغي علينا طرحها مع الدليل ليتسنى للشاب الشيعي أن يتعرف على معتقداته دون تقليد أعمى .
فمثلاً هل يعلم أئمة أهل البيت الغيب أم لا ؟
هناك خلاف في هذه المسألة والناس لا بد أن يعرفوا ما هو صحيح من غيره أو لا أقل أن يعرفوا أن هناك خلاف في المسألة لا أن تطرح لهم هذه القضية أو غيرها دون دليل ودون ذكر الرأي المخالف لها على أنها من المسلمات .
( هَذَا بَلاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ) (ابراهيم:52)






بسم الله النور الذي أشع به على مدادات الوجودات القدسية وفي طليعتهم نبينا محمد والآل عليهم السلام والثناء ثم فبعد التحية والسلام على الأستاذ عباس إلا أنه قد اشتبهت عليه عدة أمور ومطالب مهمة :
1- أن موضوع مقالته مستهدف ليس لمضامين كلام السيد العلي وإنما لجزيئة مهمة من تركيبة عقيدة التوسل عند الإمامية وهم مقولة ( يا علي أغثني أو أدركني ) مجردة من ذكر الله فإنه أي الكاتب قد وافق على الصيغة التي فحواها على النحو التالي : ( يا الله بحق علي أغثني ) فإنه لا إشكال فيها مطلقا بحسب رأي الكاتب وهذا سنغضي الطرف عنه ولكن في ذات النقطة أو الجنية نقول أن العبارة التالية ( يا محمد أغثني ) لا إشكال فيها للتالي :
الاستعانة بغير الله ليست في عرض الاستعانة به وإلا لم يجز الاستعانة بالعلل وهذا ما سنتعرض له بشكل موجز عند تعرضنا لأجزاء العلة تاليا فالاستعانة المنحصرة بالله هي التي تتضمن تقمص عقيدة الخالقية والرازقية الاستقلالية المنحصرة بالله وأن كل حركة وسكون لا تكون تامة منعقدة إلا بأمر الله وإذنه وقدرته وذلك لا ينافي قدرة الآخرين في ظل قدرته سبحانه وتعالى سواء كانت هذا القدرة مفضية لعمل معجز