الرئيسية وطنيات أخبار بانوراما أقلام حقيبة التوافق لمراسلتنا من نحن البحث

الأكثر قراءة في اسبوع
 

أمل .. ضحية الوحش القاتل
علي آل غراش - 2008-05-21 22:41:48 - القراءات [751]

أمل..

ضحية الوحش القاتل

 

علي آل غراش

 

انه نور ضعيف ولكنه قادر على التسرب إلى القلوب مهما كانت متعبة من شدة الظروف الحياتية الصعبة والقاهرة؛ ليمدها بوقود حب الحياة والتحلي بمتطلباتها.. فمن خلاله يستطيع المرء تحريك حواسه، وتحمل صعوبة الحياة والاستمتاع بها؛ وبدونه يفقد المرء كل شيء.

 

انه الأمل...أي الحياة ولا حياة بدون أمل...

 

ولكن الغريب ان أمل الإنسانة التي تحمل الاسم، وتتسلح وتتدرع بجميع أسلحة الأمل: الرجاء والتوكل والمقاومة والرضا بالقضاء والقدر.. ذهبت ضحية لوحش قاتل هاجمها بقوة وعنف، بدون أن ترتكب أي جرم أو ذنب أو خطيئة، وبدون مقدمات أو أستاذان.. ولم ينفعها اسمها وصمودها وتوسلها ودموعها في حماية نفسها وردع ـ من يحمل شفرة الموت ـ الوحش الكاسر فاقد الرحمة.

 

أمل ليست الضحية الوحيدة والأخيرة في سجل الضحايا للوحوش القاتلة التي بدأت تنتشر في المجتمع بدون رادع، وبدون أن تقوم الجهات المسؤولة بما هو مطلوب بالقضاء عليها أو بشكل اقل الحد من انتشارها الخطيرة.

 

 من خلال هذه السطور نتطرق إلى قصة حقيقية مؤثرة من واقعنا الاجتماعي، تتحدث حول الأيام الأخيرة من أيام حياة أمل ـ الإنسانة الرقيقة ـ الحياة القصيرة حسب الزمن المليئة بالصور والعبر التي تجسد روح الأمل وحب الحياة... بعد الاعتداء الفاضح من الوحش القاتل المتظاهر بالهدوء.

 

أمل فتاة تبلغ من العمر 17 عاما ذكية ومرحة وبسيطة تعشق حب الحياة، عاشت في بحبوحة من الدلال والاهتمام والمحبة من الأهل، متميزة في دراستها، ومتألقة في شكلها، حيث إنها تتصف بجمال خارق، وأخلاق عالية وابتسامة ساحرة، لا تعاني من أي مشاكل صحية أو غيرها، وكانت مطلبا لمن يرغب بالزواج داخل العائلة.

في الأسبوع المحدد لمجيء فارس الأحلام لخطبتها بشكل رسمي الذي تم قبوله من طرفها مسبقا، وفيما هي ترسم الأحلام الجميلة على لوحة الحياة الجديدة برفقة فارسها، وكل فرد ممن حولها مشغول بالتهيؤ والتجهيز، فجأة شعرت الشابة المفعمة بالحيوية والنشاط وحب الحياة بآلام حادة في بطنها ..؛ مزقت خيوط الأماني الجميلة، وشعر الأهل بالقلق...

 

أخذت على عجل إلى احد المستوصفات الأهلية القريبة.

سأل الطبيب عن فصيلة دمها.

أجاب والد الفتاة: لا نعلم، ولم نجر لها يوما تحليلا للدم .. فهي لا تعاني من مشاكل صحية سابقة وبالخصوص في الدم.

شخص الطبيب الحالة ..

ثم قال: يوجد قليل من الماء في الرئة ( تشخيص سريع غير مسؤول ستثبت الفحوصات فيما بعد خطأه, وما أكثر أخطاء الأطباء) و كتب بعض الأدوية.

الفتاة  لم تهدئ من شدة الآلام ولم تتحسن صحتها .. بل على العكس حالتها تزداد سوءا مع كل لحظة ...

 

ومع كل صرخة ألم يزداد الخوف والقلق لدى أحبتها...

 

ونتيجة لهذا التدهور السريع أخذت إلى المستشفى العام بالمدينة, وبعد فحص سريع ودقيق..., اخذ الطبيب منها عينات من الدم، وتم إرسال العينات إلى مستشفى الملك فيصل التخصصي بالرياض لعدم توفر مختبر بالمنطقة!.

 

 

وبعد أيام من الانتظار القاتل التي مرت بصعوبة على الأهل.. جاءت النتيجة بشكل مفاجئ لم يتوقعه أشد الشامتين والحاسدين.. خبر نزل على من يحبها من الوالدين و جميع أفراد العائلة كالزلزال العنيف الذي زلزل كيان العائلة المستقرة.

النتيجة هي  إن أمل مصابة باللوكيميا (سرطان الدم) اسم لا يحتاج إلى شرح وتفصيل وتعريف,  فمدلوله يكفي للشعور بالرعب و الخوف بنهاية الحياة كما يشعر اغلب أبناء المجتمع بسبب الثقافة الاجتماعية.

 

وعوضا عن إرسال أمل إلى منزل الحبيب زوج المستقبل..، تم إرسالها بشكل عاجل جدا إلى مستشفى الملك فيصل التخصصي في الرياض برفقة والديها.. بقلوب مجروحة ووجوه كئيبة، و بآمال كبيرة ممزوجة بالخوف مما سيحدث من آثار هذا المرض الخبيث المفاجئ.

في الرياض تم مصارحة الفتاة بالمرض، وهي لحظة عصيبة وكارثة نفسية هائلة.

في البداية لم تظهر أمل أي ردة فعل من هول الصدمة سوى السكوت والنظر لوجوه من حولها بنظرات غريبة و سريعة تارة تنظر إلى والدها وتارة إلى والدتها وتارة إلى الأطباء، وكأنها لا ترى أحدا من خلال عينيها اللتين كادتا أن تخرجا من مكانهما "محجرهما"، ... وفجأة أخذت تجهش بالبكاء والصراخ .. كأنها بركان ثار بعد سنين من الخمود ينثر الحمم البركانية الحارقة، ويلهب العواطف الجياشة المتوقدة..، وشعر الجميع بهزة عنيفة..

 

وبفضل مواساة العائلة، والتعامل الراقي من أطباء المستشفى مع مثل هذه الحالات.. تم السيطرة على الوضع... وتم رفع معنوياتها، ودعوتها للتحلي بالأمل والرجاء والتوكل على الله..., وهدأت الفتاة وتقبلت الأمر الواقع... وهي تكتم الحسرات والحزن والآهات تحت أضلاعها.

 

 

إنها كانت تتوقع أن تكون مصابة بمرض ما ...

 

إلا أنها لم تكن تتوقع إصابتها بمرض اسمه يعني نهاية الأشياء و قاتل الآمال و اقتراب خط الموت.

 

حسب الثقافة الموجودة في المجتمع.

ومع ذلك وبما إنها شابة على وشك كتابة عقد الزواج فكان أكثر ما يهمها ويشغل بالها وذهنها أن لا يؤثر العلاج على أهم وأغلى ما لدى كل فتاة مقبلة على تحقيق حلمها "الزواج" وهو الشكل الخارجي.

 فهي مستعدة لتتحمل كل ما تعنيه الكلمة من ألم و وجع وحرمان ... إلا الشكل الجمالي الأهم لدى الفتاة وخاصة لمن تتباهى بجمالها.

 

 

ولكن في خلال أيام...، وبعد تعاطي 5 جرعات من الدواء فقط... ظهرت نتائج العلاج!

تغير الشكل الخارجي الجميل، وظهرت علامات آثار الدواء الكيماوي على الجسم الهزيل ... ، وبعد شهرين فقط أصبحت الفتاة ذات الشعر الناعم الكثيف والطويل الذي يزيدها جمالا و جاذبية بدون أي شعرة على جلدة الرأس الأملس!!.

 

طوال الشهرين من معرفة المرض والسفر إلى الرياض للعلاج كانت العائلة تبذل محاولات كبيرة لجعل مرض أمل من الأمور السرية التي لا ينبغي أن يعلم بها احد إلا على عدد قليل من العائلة المقربين.

بعد انتهاء فترة العلاج بالرياض، وعودة الفتاة إلى منزل أهلها بالشكل الجديد .... ، استمر الأهل في طريقتهم بمنع أي شخص ومهما كان قريبا وعزيزا أن يراها بتلك الحالة التي وصلت لها, وذلك من باب الخوف على مشاعرها.

وتأتي هذه الفكرة بالتعامل من قبل الأهل بعزل المريض عن المحيط الخارجي غير الشريحة القريبة جدا ظننا منهم بانها تساهم في شعور المريض الحساس الشاب بالراحة وعدم الحرج.. وهذه الفكرة أحيانا تكون غير صحيحة حيث إن بعض المرضى يشعرون بالارتياح النفسي لرؤية الناس مما ينعكس بشكل ايجابي على العلاج.

 

وخلال فترة تواجد أمل بالمنزل بذلت الأم المحبة الخائفة على اعز مخلوقة لديها، والتي تراها تذهب من يديها.. الكثير من الجهد والمال في سبيل إنقاذ عزيزتها مما هي فيه.

 فقد سافرت برفقتها إلى عدد من الدول المجاورة، والى أي مكان تظن بان هناك أمل، ويوجد فيه شيء يساهم في التقليل من آلام ابنتها، و يساهم في تحسين حالتها.

 

وصرفت أموال طائلة لشراء الأدوية وبالخصوص العشبية الطبيعية المفيدة المعروفة لمثل هذه الحالات، والتي يتم الترويج لها عبر خبراء التغذية والعودة للطبيعة، كما أنها توجهت إلى المعالجين الشعبيين والى المشايخ ... بعد 3 شهور وخلال زيارة روتينية لمستشفى الملك فيصل بالرياض وجد الأطباء حدوث تحسن في حالته، وذلك بفضل الاهتمام والعناية الكبيرة من الأهل وخاصة من الأم التي لا ترى الحياة إلا من خلال ابنتها التي تأمل أن تراها قريبا عروسا ترتدي الثوب الأبيض.

 

كانت أمل يحدوها الأمل أن تر نفسها عروسا جميلة في أحسن وأجمل صورة وسط فرحة الأهل والأحبة؛ يلتف حولها الأقرباء والصديقات والزميلات، كفراشة ساحرة ...

 

وهذه الأمنية تزداد لديها كلما ازددت حالتها سوءا ...

 

إلا أنها عندما عادت من المستشفى بالرياض وهي بحالة أفضل طلبت من أهلها إقامة حفلة كبيرة على شرفها.. تريد أن تفرح وان تنسى لوقت قصير معاناة الآلام والوحدة والخوف.

تريد حفلة ربما حفلة وداع تودع فيها كل من تحبه ويحبها...

 

وقد أقيمت لها حفلة كبيرة جدا وتم دعوة الطبقة الخاصة من الأهل والأقرباء، ومن أرادت، وقد عاش الجميع لمدة من الوقت لحظات سعيدة مرحة ظاهريا... بينما القلوب تخفي الكثير من الحزن والخوف مما هو قادم، وقد قام الأهل بتصوير هذه اللحظات التي لا تنسى.

 

بعد أيام معدودة وبشكل مفاجئ تغيرت نفسية أمل حيث بدت ترفض الغذاء المساعد والمخصص لها، وأصبحت ترغب بأغذية أخرى ممنوعة غير جيدة لها، وأصبحت تلح على ذلك.

 

فقد ملت من الأدوية، ومن الأغذية العشبية التي تفتقد للطعم الطيب والمحبب.. انها تريد أن تستمع بالحياة من خلال أكل وشرب ما تشتهي, وعمل ما تريد هي لا ما يفرضه الآخرون مهما كانوا من الأهل والأطباء .

 

الوالدان وخاصة الأم أصبحت في وضع محير ...

 

هل تقف بحزم وشدة ضد إرادة ابنتها التي تعاملت طوال الأشهر السابقة كالدمية المتعاونة المستسلمة بدون إرادة أو رغبة أو اعتراض؟.

أم أن تلبي رغبتها وتعطيها ما تريد مما قد يزيد من حالتها ووضعها سوءا؟.

 

وأصبحت الأم العاشقة المحبة المجروحة المتأثرة والحائرة تعيش في دوامة .. تدور في أعماق ذهنها وقلبها ... الكثير من الأفكار المتضاربة، والتساؤلات الصعبة: هل ابنتي ستودع الحياة، وهل من الصواب الرضوخ لطلباتها وتحقيق ما تريد قبل أن ترحل، لتستمتع بالبسيط من ظاهر حلاوة الدنيا، أم أمنعها، وأعيش بعد رحيلها حالة من تأنيب الضمير وتحمل المسؤولية لأنني حرمتها قبل وفاتها مما كانت تتمناه؟

 

... في هذه الفترة ازدادت حالتها سوءا و تدهورت حالتها... وبعد 6 أشهر من اكتشاف المرض ودعت أمل الحياة الفانية.

 

رحلت أمل ... ولا يزال أحبتها يتذكرون صورتها وبراءتها وقصتها، وكيف هاجمها الوحش القاتل بدون ذنب اقترفته وبدون مقدمات أو أستاذان.

 

ذهبت أمل ولا يزال الكثير من الناس يعانون من الوحش "المرض" يحذوهم الأمل بان يكون مصيرهم أفضل من أمل, وان يتم اكتشاف أدوية ناجعة, وان تتوفر لهم الإمكانات اللازمة الضرورية للعلاج في جميع المدن والقرى.. لاسيما إن المرض أصبح منتشرا في كل مكان... لا يفرق بين مدينة أو قرية أو هجرة، وبين غني أو فقير، وبين كبير أو صغير، وبين رجل أو امرأة...، ومن حق الجميع الحصول على الحماية عبر وجود الأجهزة التي تكتشف المرض في بداية مراحله قبل أن يستفحل ويمتد وينتشر، وضرورة نشر الثقافة حول المرض ...

وقبل العلاج لا بد من الوقاية وحلول عملية بالقضاء على المسببات للمرض ومنها التلوث البيئي والإشعاعات والأدوية والأغذية.. التي تغذي الوحش القاتل!

 

رحلت أمل بآلامها وأوجاعها، ويبقى الأمل أن تكون الحياة أجمل وأفضل لكل من يعيش على وجه الأرض...بفضل الأمل، فهو أقوى سلاح؛ ولأجل ذلك لا بد من توفر الإيمان بالأمل.

 

فالأمل هو الحياة، ولا حياة بدون أمل.

 

 

تعليقات الزوار
1 | ابو زهراء -مقر السكن
رحمك الله يا امل اكيد بينتشر هذا المرض لان كل يوم ريحة هذا الغاز في الجو تخنقنا كأن الناس حشرات وحياتهم تافهه ولا حد يتكلم



 
ذات صلة
 
جديد التوافق

تقارير مصورة

مذبحة غزة

صورة اليوم

عدد الزوار
6308520

 

تصويت
هل أن الأزمات – حصار غزة نموذجاً – تسهم في توحيد الأمة؟
نعم
لا
لا أدري

شارك برأيك

حدث في مثل هذا اليوم
< Jan 2009 >
س أ ن ث ر خ ج
          1 2
3 4 5 6 7 8 9
10 11 12 13 14 15 16
17 18 19 20 21 22 23
24 25 26 27 28 29 30
31            

عرض جميع المقالات »

 

 
 

النشرة البريدية
إشترك معنا في نشرة الموقع لتصلك بالبريد الإلكتروني
الاسم
البريد الإلكتروني  
|

حقوق الطبع محفوظة لدى شبكة التوافق الأخبارية © 2004 - 2007م

المقالات المدرجة لا تعبر بالضرورة عن رأي موقع التوافق