المجتمع الإنساني بين إشكالية الدين والمؤسسات
مازن الشماسي
الدين هل هو الحل المرتقب لجميع مشاكل وهموم الناس؟، وهل هو الحل الأمثل لما يحدث من مشاكل في حياة البشر؟، ثم هل الربط بين الدين، والمؤسسات الدينية على اختلاف مذاهبها، ومشاربها ربط أساسي لا يمكن الفصل بينهما، أم أن المؤسسات الدينية استفردت به، ولغت أي مؤسسة أخرى من المشاركة فيها كالمؤسسات الجامعية الأكاديمية؟ ،وهل أساس المشكلة نابع من الدين أم من المؤسسة الدينية؟.
البعض قد يعترض على هذا الطرح، من باب أنَّ الدين من الأمور الممنوع النقاش حولها، متناسيا أن القرآن الكريم، وهو أعظم، وأقدس كتاب تناول هذه الأمور الدينية بكل انفتاح، وبعيد عن كل العقد التي يفرضها المجتمع من خلال عادات، وتقاليد، وروابط تاريخية قد يصل بعضها إلى حد الطرف، ورفض الآخر مما يجعل هذا المجتمع، أو ذاك متجمعا متنافرا متناحر، تنتشر بينهم العداوة والبغضاء.
على العموم هذه الأمور قد يفرضها، أي واقع اجتماعي ما، أسئلة مثل هذه، وغيرها كثيرة تطرح على طاولة النقاش الفكري لمعرفة الحقيقة التي صبغت بكثير من الغموض، والتشكيك، فها هو الاستبداد الديني ــ مصطلح أطلقه الشيخ عبد الرحمن الكواكبي في كتابه(طبائع الاستبداد ومصارع العباد ـــ يعتبر عنصر أساس من عناصر التخلف البشري، ومصطلح وعاظ السلاطين، من المصطلحات القديمة التي تذم العالم الذي يتستر بهذا اللباس الديني الذي هو بقادر على الكثير من الخداع والتضليل، والسير الأعمى خلف هذا الإنسان الذي وضع حوله هذه الهالة بما يعرف بمصطلح التقديس المشكلة الرئيسة، لقد عانت الكثير من المجتمعات بسبب هذه الإفرازات الدينية المتخلفة، والتي قيدت المجتمع وكبلته بلباس الجمود الفكري لدى الآخر، بحيث أن عقله لا يستطيع الرفض، بل يصبح مخدرا، يحارب أي كلمة أو فعل يحاول أن يقول للناس انتبهوا مما أنتم عليه، وانظروا إلى الحضارات الأخرى كيف تتقدم بينما نحن لا زلنا مستوردين ومستهلكين، ويبقى السؤال كيف يتحرر الإنسان من عبودية رجل الدين، ويتعامل مع العالِم الديني بالندية كما يتعامل الإنسان تماما مع الطبيب، والمهندس وهذه الحالة من المعاناة الاجتماعية قديمة بقدم البشر، فعلى مستوى الأنبياء قاسى النبي عيسى من اليهود باسم الدين، و قاسى الإمام علي من الخوارج وغيرهم باسم الدين أيضا، وكما تعاني مجتمعاتنا العربية، والإسلامية من الإرهاب العالمي الجديد والمتمثل في بعض التيارات الدينية المنغلقة، التي تعطي للآخرين فرصة تشويه الإسلام الرحيم، ويحولونه بإعلامهم القوي إلى دين متطرف وحشي، مما كان له أكبر الأثر في تشويه صورة الإسلام على مستوى عالمي، إذا المسألة معقدة بكل ما للكلمة من معنى، ما هو السبب وراء هذه الأمور التي تعطي للأديان صورة مشوهة، وواقع غير صحيح، برأي أنه بسبب صعوبة التفكيك بين المعتقدات والأديان والأفكار وبين البشر، مما يجعل التفريق بين الإنسان، والمعتقد من الأمور الصعبة.
إذاً عامل التلازم بين الدين والإنسان هو من أكبر العوامل لهذه المشكلة، ولكي تتضح الصورة، لنأخذ هذه الأمثلة، الأديان والمذاهب على اختلافها تنسب إلى بشر، فنقول الديانة المسيحية، واليهودية، وعلى مستوى المذاهب، نقول مذهب أحمد بن حنبل، والشافعي والجعفري...
إذاً هذا الرابط بين الدين، والإنسان قد تكون له إيجابيات، وقد تكون له سلبيات، والسؤال هل من الممكن لهذه الحالة أن تتطور وتتغير في يوم من الأيام، أعتقد أنه من الصعب، التغلب على هذه الحالة فهي حالة متجذرة في نفوس البشر، وحتى إن القرآن الكريم ناقش هذه الإشكالية، ولم يغفل عنها لما لها من خطورة، في حياة وعقول ومسيرة البشرية، قال تعالى(قالوا إنا وجدنا أبائنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون) ، إذا هذه المسألة مرفوضة، ولكن ينبغي توضيح نقطة مهمة، انه مهما حصل فإن البشرية لن تجتمع على مذهب واحد أو فكر واحد، ولكن تظل الدعوة دوما مفتوحة أمام القلم واللسان، ومرفوضة تلك العداوات التي تنشأ من الاختلافات مهما تعددت.
ومن هنا يتطلب في الشخصية القيادية(الإنسان) سواء كانت ربانية أو سياسية...، صفات وخصائص ينبغي أن تتوفر فيها، من تلك الصفات الشجاعة والحكمة والتضحية والانفتاح وعدم رفض الآخر مهما كانت أرائه مختلفة ومتباينة، إضافة إلى الثقافة المتنوعة التي تفهم الآخر وتحاوره ولا ترفضه، ولكن هذه الأمور من الصعب، تواجدها، وقليل هم الأفراد والشخصيات التي تحترم الآخر، والغريب في الأمر أن هذه الشخصيات تحاول أن توجد لنفسها مبررات لاحترام الآخر مثال (أخ لك في الإنسانية) ، أو (أخ لك في الدين)، وهذه العقد النفسية في العادة تكون نابعة من محطات أيدلوجية مذهبية أو دينية أو عنصرية، أو حتى أبسط أمور العلاقات البشرية، على العموم من الصعب وجود مثل هذه الشخصيات المنفتحة والتي لا تؤثر معتقداتها وأفكارها في نظرتها للآخرين، بل تنظر للجميع على حد سواء، ومثل هذه الشخصيات لو وجدت في مجتمع ما سـيكون لها الأثر الكبير في تغير واقع المجتمعات وفي الغالب تمتلك هذه الشخصيـات صفـات روحـية نــــادرة تكــــون من خـلالها قادرة على تغيير المجتمعــــات التي تحيطها.
وللأسف هذه الشخصيات القيادية ( الإنسان) قد تكون خيرة وقد تكون شريرة، نعم لقد أخبرنا القران الكثير عن هاتين الشخصيتين، وذكر الكثير من الأسماء البشرية كفرعون ، ما يهمنا هو تلك الشخصيات التي قلبت موازين البشرية بشكل إيجابي، من هذه الشخصيات المهمة الأنبياء والرسل، وعلى رأسهم النبي محمد(ص) ، وكذلك هناك الكثير من الشخصيات الغير الدينية، كان لها من الأثر الكبير ما مكنها من تغيير الكثير من شؤونها الاجتماعية والحياتية، ونستطيع أن نذكر على وجه الخصوص، ( غاندي ) الذي استطاع ببعد رؤيته، وروحه المنفتحة من تغير، وتحرير مجتمعه، واستقلاله، أعتقد من خلال هذا الطرح أن المشكلة تكمن في واقع البشر وليس في الدين بعبارة أصح الأسس الدينية، لأن الاجتهادات المتعلقة بالجانب البشري، كحد السيف إما أن تكون إيجابية تسعد مجتمعاتها، أو تدميرية لها، إذا من الخطأ بمكان القول إن الدين هو سبب كل هذا الدمار والفشل البشري في إيجاد صيغة توازن تضمن العيش الكريم لأفراد البشر، المسألة باعتقادي ترجع برمتها إلى تلك العقول البشرية، التي تملك السلطات، الدينية والسياسية والتشريعية





