سياسة حجب الحجاب !
كاظم الشبيب
ليس مصادفة تزامن مصادقة الرئيس التركي عبد الله غل على قرار حرية لبس الحجاب في الجامعات مع الهجمة العسكرية التركية في شمال العراق لمطاردة عناصر حزب العمال الكردستاني. كان بإمكانه تبكير أو تأجيل المصادقة, لكنه لم يفعل. وكان بإمكانه تأجيل الحملة العسكرية ريثما ينتهي من الارتدادات المتوقعة جراء المصادقة على قرار الحجاب, لكنه لم يرد. فهل أراد الرئيس التركي هذا التزامن- الظرفي و الزماني- للقرارين؟ أم أن الأقدار شاءت للقرارين أن يتزامنا؟
في الذكرى العاشرة لتأسيس الجمهورية التركية, التي أسسها مصطفى كمال أتاتورك, حيث قرر إلغاء الخلافة في 3 مارس 1924م, جُمعت المصاحف والكتب الدينية ووضعت على ظهور الإبل ليقودها رجل يرتدي الزى العربي متجها بها نحو الجزيرة العربية, وعُلقت على رقاب الإبل لافتة تقول: (جاءت من الصحراء ولتعد إلى الصحراء, وجاءت من العرب فلتذهب إلى العرب). تشدد العلمانيون تجاه الدين, كردة فعل لتفكك وتخلف تركيا بسبب أفول الدولة العثمانية, لم يمنع أو يُوقف الأتراك, النخب والعامة, من محاولات التوازن بين العلمانية الحياتية والعودة لبعض العناوين الثقافية ذات الروح الدينية.
تُدرك جميع الأحزاب التركية, سواءً في التحالف الذي شكل الحكومة الأخيرة, أو في المعارضة, بأن قضية الحجاب ما هي إلا ترميز لموضوع الصراع الدائر بين إرادتين, منذ ثمانية عقود ونيف, إرادة «العلمنة» التي سعت لتغريب الشعب التركي, وإرادة «الأسلمة» التي حاولت المحافظة على الطبيعة المحافظة لتدين الشعب. لذا عمل حزب العدالة على تمرير الأمر, لا بصيغة دينية في تعديل المواد الدستورية, بل بصيغة إنسانية وحقوقية, فحقق مغازلة واضحة ورسالة مقصودة للإتحاد الأوروبي.
أن يمضي موضوع الحجاب دون ضجة واسعة, توقعها بعض المتابعين والكتاب أن تفضي إلى إسقاط حكومة حزب العدالة والتنمية, إنما يعني خروج الحزب من عنق الزجاجة, ونجاحه في امتحان القوة مقابل المعارضة الأتاتوركية وجنرالات الجيش الذين وضعوا أنفسهم حماة للعلمانية في البلاد. ويعني أيضاً نجاحه في ترجمة بعض من وعوده لقاعدته الجماهيرية ذات الطابع والتوجهات الإسلامية. ويعني كذلك تأكيد التقديرات المطروحة منذ سنتين حتى اليوم بأن تركيا تعيش بدايات الجمهورية الثالثة. لا يُعد النجاح في مسألة الحجاب اختراقاً لجدار العلمانية القوي في تركيا, لأن الاختراق الأول حدث عام 1950م عندما أصدر رئيس الوزراء عدنان مندريس قراراً برفع الحظر عن الأذان باللغة العربية, وقد أعدمه الجيش بعد الانقلاب عليه في 27/5/1960م.
أراد حزب العدالة والتنمية من تزامن القرارين أن يُظهر لجميع الأتراك التزامه بالأهداف التركية العليا وفي مقدمتها مطاردة الإرهابيين من الأكراد, وهي قضية يدعي جنرالات الجيش وحماة العلمانية ضرورتها وأولويتها, وبذلك يتوافق الحزب مع التيار العلماني ونخبه السياسية, فيحاول تحقيق ما لم يتمكنوا من تحقيقه في هذا الملف. ومن جهة أخرى يُحجب, ولو قليلاً, موضوع الحجاب بإشغال الشارع التركي بالحملة العسكرية التي شارك فيها نحو عشرة آلاف عسكري, وهو ما يمكن تسميته «سياسة حجب الحجاب».
أثبتت قيادات حزب العدالة والتنمية قدرتها على المناورة السياسية من جديد. وكشفت عن الحجم المتوفر لديها من الآليات البراغماتية في التعاطي السياسي الداخلي والخارجي, واستثمرت معطيات الثاني في خدمة الأول, وما استقبال وزير الدفاع الإسرائيلي قبل القرارين بأيام سوى مؤشر في هذا السياق. فقد تجاوزت, هذه القيادات, أخطاء تجارب الأحزاب الإسلامية السابقة, التي هي ذاتها نتاجها, مثل حزب العدالة الذي انشق عام 1961 عن الحزب الديمقراطي, وحزب النظام الوطني الذي أسسه البروفيسور نجم الدين أربكان عام 1970 وأنشق به عن حزب العدالة, كما أسس حزب الرفاه عام 1983...الخ, ولكن ماذا بعد الحجاب في جعبة حزب العدالة والتنمية إذا مررت المحكمة الدستورية فعلياً مشروع القرار؟





