من قومية عبدالناصر إلى قاعدة بن لادن!
ناصر الشهري
بعد سقوط شعار القومية العربية وخطابها السياسي ومفردات الكلام، وأناشيد الكفاح لبطولات وهمية، جاءت مرحلة أخرى من مراحل المواجهة العربية مع الآخر، وبشكلٍ مختلفٍ بل بطريقةٍ شكَّلت المزيد من التحديات والانكسارات، والإيغال في الهزائم بدلاً من الهزيمة الواحدة التي كانت شعار القومية، والمتمثلة في القضية الفلسطينية، حيث طرح الإسلام المتطرف نفسه كبديل يراهن على الحياة وعلى الجنة معاً، وذلك من خلال الكفاح الذي يبدأ باغتيال الذات أولاً وينشر الفتوى داخل "حزام ناسف يبيح قتل الأهل والجيران قبل الأعداء.
وإذا كانت ثقافة الإسلام المتطرف قد استطاعت أن تنشط حين قام زعماؤها ومنظِّروها بالتغلغل داخل المجتمعات العربية والإسلامية مستحدثة جيلاً من صغار السن، وآخر من أنصاف المتعلمين الذين كان من السهل استغلال عواطفهم وحماس انتمائهم للإسلام، إلا أنه في المقابل لم تكن هناك معالجة مبكرة لهذا النوع من العمل الذي كان شعاره "الكفاح ضد الأعداء"، بقدر ما ظهر على السطح خاصة في الوطن العربي ما يعرف بثقافة الحداثة وهو ما اعتبره المجتمع المحافظ انقلاباً ضد المبادئ والثوابت، لما يحويه من تغريب يهدد القيم ولا يخدم الأمة، إذ إن الحداثة في نظر هؤلاء هي ثقافة بلا جذور ولا تاريخ كما أنها تحمل رسائلَ تشجع على التحولات والقفز من فوق خصوصيات المجتمع الإسلامي.
وهذا الجانب الأخير أعطى دفعة قوية للإسلام المتطرف الذي استخدم الحداثة كثقافة مناوئة للإسلام، وهو ما أكسب المتطرفين شيئاً من التعاطف مع مجتمعات تدين بالإسلام، ولا تقبل ما يهدده على الإطلاق بما في ذلك الحكومات المعتدلة التي ترفض أي خروج على الثوابت. وهكذا بدأ الصراع بين ثقافتين مختلفتين، كلاهما خطأ لا يخدم مصالح الأمة بقدر ما يعمل على تأجيج الصراع وتكريسه، فهو وإن حاول الحداثيون أن يكون دفاعهم ضد التطرف، إلاَّ أن بعضهم كان أكثر تطرفاً في المعالجة ومحاولة القفز من فوق الثوابت الدينية ، وهو ما لم يكن علاجاً لمواجهة الخطاب المتطرف بقدر ما كان مشروعاً يثير الشكوك والريبة ويدعو إلى الحذر من كل مسوغاته.
وفي هذه المرحلة التي تمر بها الأمة العربية فإن الوضع يحتاج إلى معالجة حقيقية محورها "الوسطية" بعد أن فشلت كل المشاريع التي تراهن على التطرف الفكري سواء في الناحية الإسلامية أو الثقافية المضادة التي خرجت جميعها عن طموحات الأمة العربية، وأدخلتها في نفق مظلم جديد بل ورسمت صورة قاتمة لمستقبل أكثر خوفا وأشد ظلما، نتيجة خلافاتنا على ثقافتنا الدينية والاجتماعية، ومزايداتنا على بعضنا منذ بداية قومية عبدالناصر وحتى إسلام بن لادن، وما بينهما أكثر من مهزلة•







