على فقد العلماء الربانيين فليبكي الباكون!!

على فقد العلماء الربانيين فليبكي الباكون!!



بسم الله الرحمن الرحيم

-قال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللّهُ يَحْكُمُ لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾

-قال أبو جعفر الباقر (عليه السلام): (كان علي بن الحسين (عليهما السلام) يقول: يسخي نفسي في سرعة الموت والقتل فينا قول الله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ وهو ذهاب العلماء ) .
-وقال أبو عبد الله الصادق (عليه السلام): (ما من أحد يموت من المؤمنين أحب إلى إبليس من موت فقيه) .

-وقال (عليه السلام): (إذا مات المؤمن الفقيه ثلم في الإسلام ثلمة لا يسدها شيء) .

-وقال أمير المؤمنين (عليه السلام): (… فإن العالم أعظم أجراً من الصائم القائم المجاهد في سبيل الله، فإذا مات العالم ثلم في الإسلام ثلمة لا يسدها إلا خلف منه، وطالب العلم تستغفر له كل الملائكة، ويدعو له من في السماء والأرض) .

على فقد العلماء الربانيين فليبكي الباكون
العلماء الفقهاء الربانيون هم حصون الإسلام سو أن كان من علماء المسلمين السنة أو علماء المسلمين الشيعة ، (((إلا التكفيريين والقاعدة منهم والذين ينسبون أنفسهم للإسلام))) ونعود للعلماء الربانيون ـ لأنهم حصون الإسلام ، بهم يدافع الله عن قيم السماء وبهم تحفظ الشريعة وبهم يهتدي العباد إلى الصراط المستقيم، والعلماء الصادقون هم ركيزة وأوتاد الأرض، بهم تستقر الحياة، وهم أوتاد الحياة، وهم رسل الله بعد انقطاع النبوة، وبعد انقطاع بعث الأنبياء والرسل، فهم الامتداد في عصرنا لرسل السماء وهم دون سواهم يجسدون شخصية الأنبياء، ولذلك حينما يفقد هذا العالم لا يمكن أن يعوض عنه إلا بعالم مثله يسير على خطاه، فموت العالم خسارة لا تعوض، وموت العالم هو الذي يستحق أن يبكي عليه الباكون، أكثر من بكاء الأب على أبنه والأم على ابنها، والله سبحانه يحب ويرفع درجة من يبكي على فقد العالم، كما في الروايات عن أهل بيت النبوة عليهم السلام

لأن العلقة ليست علقة مادية إنما هي علقة قيم لا تنقطع، لأن علقة الإنسان بأبيه وأمه تنقطع يوم القيامة إلا إذا ربطة بحبائل الإيمان، أما علاقة المؤمن بالعالم المؤمن لا تنقطع .

يوم القيامة تتقطع الأوصال ويفروا عن الآخرين ولا أحد يعرف أحداً وتتقطع بينهم الأسباب، لكن تبقى علاقة المستقيم مع بعضهم البعض، وأبرز تلك العلاقات علاقة المؤمن بالعالم، كما استضاء بنوره في هذه الدنيا يستضيء بنوره في عرصات يوم القيامة كما في الأحاديث، لذلك يستحق أن نبكى على من يضيء لنا عرصات يوم القيامة .

ونحن بمناسبة المصاب الجلل والرزية التي رزينا بها بفقد فقيهٍ، وعالمٍ رباني، صادقٍ، مخلصٍ، متقي، وهو محمد سيد طنطاوي شيخ الأزهر وبما تربط المسلمين الشيعة أواصر التفاهم بين الأزهر (طيب الله ثراه وقدس سره وجعل مثواه مع محمد وال محمد)، هذا العالم الفقيه الفاضل هو الذي وأمثاله يستحق أن يطلق عليه عالم، مثل هذا الفاضل الجليل ومن يتخلق بأخلاقه، يستحق أن يسمى عالماً رباني، هؤلاء هم العلماء التي تنطبق عليهم تلك الأحاديث التي توجنا بها الحديث وما شابهها .

لو أردنا أن نقرأ باختصار شخصية هذا العالم في بعض المجالات، ونريد أن نسرد بعض تلك الخصال حتى ننظر للعلماء من هذه الخصال، ونطلب من علمائنا أن يتحلوا بمثل تلك الخصال، لأنه ليس كل من وضع على رأسه عمامة يستحق أن يسمى عالماً، أو نؤمنه على ديننا وأعراضنا وأموالنا وصلاتنا وما شابه .

فالعلماء لهم درجات عليا عند الله، ينقل الإمام العسكري (عليه السلام) عن الإمام الرضا (عليه السلام) إلى أن يقول الإمام علي بن الحسين (عليه السلام) بيناً لخمسة أصناف من العلماء، أربع غير صالحين يدعون يقول لا يغرك هؤلاء، ولا تنخدع بهم، فقول عليه السلام : (إذا رأيتم الرجل قد حسن سمته وهديه وتماوت في منطقه وتخاضع في حركاته فرويداً لا يغرّنكم) … إلى أن يقول (ولكن الرجل نعم الرجل) العالم حق العالم الفقيه حق الفقيه (هو الذي جعل هواه تبعاً لأمر الله)، تبعاً لقيم السماء لا لكي يجير الدين لهواه (وقواه مبذولة في رضا الله) ليس في زعامته (يرى الذّل مع الحق أقرب إلى عزّ الأبد من العز في الباطل، ويعلم أن قليل ما يحتمله من ضرّائها)الدنيا (يؤذيه إلى دوام النعيم فذلك نعم الرجل فبه فتمسكوا، وبسنته فاقتدوا، وإلى ربكم به فتوسّلوا، إنه لا ترد له دعوة، ولا تخيب له طلبة) العلماء الحقيقيون بهذه الخصال .

لا أي أحد مِمن عليه عمامة إذا مات قلنا (ثلم في الإسلام) النماذج السيئة استراح الإسلام منها، بل إذا ذهب أحد من المعممين الفاسدين استرحنا منه، بل وثلم من الباطل والجهل ثلمة وتتسع، بل بموته تسد ثلمات في الإسلام .

أما العلماء الذين يثلم الإسلام بموتهم الذين يجعلون هواهم تبعاً لأمر الله، وقبل أن نتحدث عن بعض خصال شيخ الأزهر محمد سيد طنطاوي نذكر بعض الروايات في هذا الإطار حتى نعرف أهمية العالم و البكاء على المؤمن العالم .

1 ـ عن الإمام الكاظم (عليه السلام) : ” إذا مات المؤمن بكت عليه الملائكة وبقاع الأرض التي كان يعبد الله عليها، وأبواب السماء التي كان يصعد فيها بأعماله، وثلم في الإسلام ثلمة لا يسدها شيء؛ لأن المؤمنين الفقهاء حصون الإسلام كحصن سور المدينة لها” عالم، مؤمن، فقيه مؤمن، لا أي من عليه عمامة، وليست شكليات بل حقائق، هؤلاء هم الذين يمنعوا عن الأفكار الجاهلية والضلال، وبهم نهتدي ونحافظ على الهدى .

2 ـ يقول الإمام الصادق (عليه السلام) : ما من أحد من المؤمنين يموت أحب إلى إبليس من الفقيه …

3 ـ قال عليه السلام : “إن الله عز وجل لا يقبض العلم بعد ما يهبطه، ولكن يموت العالم فيذهب بما يعلم فتليهم الجفاة فيضلون ويضلون، ولا خير في شيء ليس له أصل” انظروا إلى مقدار الخسارة حينما يموت العالم الذي أخذ من علمه من أخذ، ومن لم يأخذ خسر، فنحن لابد أن نستغل فرصة وجود العالم نأخذ ونغترف منه، وللأسف إذا مات العالم لا يفيدنا الندم .

وأصل الحياة العلماء المؤمنون، فإذا لم يوجد عالم مؤمن لا خير في تلك الحياة، لأن أصل حياتنا هم العلماء الربانيون المتقون أمثال الشيخ الطنطاوي وغيره من العلماء .

4 ـ عن الإمام الصادق (عليه السلام) : “ما من مؤمن يموت في غربة من الأرض فيغيب عنه بواكيه، إلا بكته بقاع الأرض التي كان يعبد الله عليها، وبكته أثوابه، و بكته أبواب السماء التي يصعد بها عمله، وبكاه الملكان الموكلان به” هذه صورة عامة لمن يبكي .

5 ـ عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) “ما من مؤمن إلا وله باب يصعد منه عمله، وباب ينزل منه رزقه، فإذا مات بكيا عليه” وذلك قول الله عز وجل ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاء وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ﴾

6 ـ عن الإمام الباقر (عليه السلام) عن أبائه (عليهم السلام) : ” ما من مؤمن يموت في غربته إلا وبكته الملائكة، رحمة الله حيث قلت بواكيه ”

7 ـ قال النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) “إذا مات المؤمن الفقيه ثلم في الإسلام ثلمة لا يسد مكانها شيء، وبكت عليه بقاع الأرض التي كان يعبد الله فيها ” .

وقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) “يا رب أي عبادك أحب إليك

قال (عز وجل): الذي يبكي لفقد الصالحين، كما يبكي الصبي لفقد أبويه “.

الأنبياء، الأئمة، العلماء، هؤلاء هم من يستحق البكاء عليهم ويؤجر الإنسان ويكون أحب الناس إلى الله تعالى، لذلك مثل السيد (قده) يستحق أن يبكى عليه، وأن يترحم عليه، وأن يدعا له، وأن يتأسف على فقده، لأن مثل الشيخ الطنطاوي في تواضعه قليل من العلماء نلاحظهم بمثل تواضعه مع علمه الغزير، وأخلاق عالية، وتواضع مضاعف، وفي قلبه طهارة القلب، لا يحمل ضغينة ولا أحقاد، ولا موقف سلبي من مؤمن .

وأنا لا أتكلم كلام مبالغ فمن عاشره، ومن عاش معه يعرف ذلك، يرى طهارة قلبه، وأدبه، وأخلاقه، وتواضعه، وذلك ما هو إلا نتاج صدق الإيمان وعمق التقوى، إضافة لغزر علمه ومن درس عنده يعرف غزارة علمه، رجل مثابر، مجد، ذهن وقاد، لذلك صاحب رأي علمي محقق، رجل ينطلق في درسه، وفي بحثه للأمور العلمية لا يتكأ على أوهام أو على أدلة ضعيفة أو ما شابه .

متمكن علمياً، متفوق على درسه، يعين من حضر درسه، ومن سمع درسه يجد بوضوح، وحينما يسمع الإنسان لدرسه ودرس غيره يجد الوضوح في غزارة علمه، لا أقول هو أعلم من غيره، إنما بالنسبة لي كشخص استمعت إليه وإلى غيره ممن يعد أنه أرفع منه علمياً مع حظوة ذاك العالم الآخر العلمية.

وتقديسنا لإنسان ليس لشخصه إنما لتقواه وإيمانه وصدقه ولمن يجعل هواه تبعا لأمر الله، فلابد أن نزرع هذه الثقافة، ولابد أن يكون لمثل هذا العالم التقي الورع مكانة في قلوبنا كبيرة .

نسأل الله أن يتغمده بواسع رحمته، ويسكنه فسيح جنته، ويجعله في درجات عليا مع محمد وأهل بيته، ويعوض علينا بمن هو مثله أو خيراً منه إنه سميع الدعاء .
والله حير حافظ وهو أرحم الراحمين والعاقبة للمتقين .
المحب المربي
سيد صباح بهبهاني