عشق الحقيقة ج3

عشق الحقيقة ج3

{قُلْ فَلِلّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاء لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ}الأنعام149

الحجة البالغة في العلن وبين الناس واضحة الضرورة ولزومها احتياج بشري مؤكد ورحمة إلهية منزلة للناس من المولى عز وجل فما هو دورها ومفعولها في الغيبة بعد أن كانت علنا وعلما وكيانا شاخصا وسفينة يأمن من ركبها وحبلا متينا من الله إلى أنامل الناس؟

وقبل أن نمخر في تساؤلات الغيبة يجب أن نتلمس زوايا الظرف والزمان لمعرفة الأسباب المفضية للغيبة وهل هي لحكمة ربانية غيبية متعلقة برأفة الله ورحمته وابتلائه أم هي لدواعي سلامة شخص الحجة وحياته ودوام وجوده عجل الله فرجه؟

لقد جرى الكلام في موضوع الغيبة بشكل مسهب وبطور الوضوح و ألإخفاء والتورية أحيانا من قبل زمان الغيبة إلى يومنا حتى أشكل على بعض الشيعة التعرف الدقيق على ملامح الظهور وعلامات الخروج للقائم عج الله فرجة وذلك بسبب ألأمر ألأمني ودواعي التقية حفاظا على الموالي تارة وخوفا على الحجة عجل الله فرجه تارة أخري وذلك لمركزية الفكرة في كيان ألأمة الإسلامية وتسببها في الثبات على العقيدة وتصادمها مع ألانحرافات الفكرية سواء الوافدة منها أو ما يدسه الحكام في عقول العامة لنزع معايير العدل والأنصاف لديهم وضمان تسليمهم لهيمنة الواقع الجائر.

فكان الخوف مبررا للاختفاء كعنصر واضح من ضمن الأسباب المتداخلة سواء كان الخوف على الأشخاص أو الخوف على المهمة بعينها.

وبرغم أن الخوف يعد مبررا مهما إلا أن القول بذلك يصطدم بحتمية بقاء الحجة بين الناس والضمان الإلهي بديمومة وكمال الحجة , فكيف تفنى الحجة أو تعدم وهي مضمونة عقلا ونقلا إلى أن يأخذ الله الأرض ومن عليها ؟

إذا كان الخوف ظاهريا فهو بالكاد يفسر دور الغيبة من الناحية المادية ولكنه لا يفسر الحكمة الحقيقة من الغيبة ولكنه في نظرية الأسباب قد يكون مبررا في العلن ليتضمن سنة ألابتلاء والتمحيص للخلق وكمال الحجة الربانية ويتمثل ذلك في إعطاء غير المعصوم ومن جميع ملل الناس ومشاربهم الفرصة ليختبروا قدراتهم الفاشلة حتما في إدارة البلاد ومصالح العباد, ولتتجلى الحقيقة الكونية بالحاجة إلى المعصوم وليس غيره في القيادة والإدارة, وأن ألأمانة لن تصان إلى بيديه الشريفتين.

يروى عن ألأمام الصادق عليه الصلاة والسلام (ما يكون هذا ألأمر حتى لا يبقى صنف من الناس إلا وقد ولوا على الناس حتى لا يقول قائل :لو و لينا لعدلنا,ثم يقوم القائم بالحق)(1)

فهل ترتفع الحجة في هذا الوقت أي وقت الغيبة؟ وهذا يثير إشكال أخر إذا كنا نقصد بذلك أن الغيبة تكون انقطاعا تاما وتخليه الدنيا من هذا الفيض.

والثابت أن ذلك لا يحصل البتة لا من الناحية العقلية ولا من الناحية النقلية وهو إنفتاق وخلل في النسيج العقدي إذ أننا في ما سبق قد مررنا على اللزوم العقلي ورأينا الدعم ألنقلي لأساس وجود الحجة المعصوم في تماسك نظام الدار الدنيا وفي كل زمان.

والواقع أن الغيبة هي تسليم للدور الظاهري في الحكم وإرسال الرحمة الإلهية في الناس كالشمس من خلف السحاب (أفد يا مفيد منك الفتوى ومنى التسديد) وأن الفيض ألإلهي مستمر في الغيبة كما هو في الظهور, وتأثير الحجة قائم لا يتبدد برغم ظهور الأمر بيد غيره تماما كفترة ذهاب نبي الله موسى عليه وعلي نبينا وأله أفضل الصلاة والسلام{وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاَثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ}الأعراف142 , فبعده الجسدي لم ينفي تأثيره الواقعي وإلا لما أستطاع أن يتسلم زمام ألأمور بعد عودته , فهو غائب بمقاييس جسدية حاضر بأبعاد ذهنية وروحية في قومه.

كذلك روحية ألانتظار في المسيحيين تترك تأثيرا قائما وملموسا وواقعا معاشا يصارع الفساد لديهم وبنسب مختلفة ولكن ذات الدور والتأثير للمسيح عليه السلام لا يفتأ متواجدا ومتغلغلا في شعور العالم المسيحي وذلك يعني عدم اختفاء دور المسيح وتواجده غير الجسدي برغم غيبته الجسدية.

تأثير وجود ألأمام المهدي الغائب عن ألأبصار غير خفي على الفهم , وتعاطي الأمة بلحاظ هذه الغيبة دليل تدخلها في تجاذبات الواقع المعاش .

وبعد هذه العجالة والقول المقتضب في شأن مهم وخطير في حياة هذه الأمة وعلى أخر الزمان وقرب التدخل المباشر للمعصوم عليه الصلاة والسلام يظهر دور الحب والعشق للحق في ربطنا بالفيض ألإلهي كقابلية محفزة في قدرة ألاستقبال للغيث الهتون من لدن الخالق الجليل.

عشقنا للحق المتمثل بحبنا ومشايعتنا لأهل الحق والصدق هو قدرتنا للالتفاف حول محور العبادة لله والتمسك بحبله المتين , والقدرة في ركوب سفينة النجاة أللتي يغرق من تركها ويأمن ويفوز من ركبها .

فلا مناص بأن نسكن هذا الحب في سويداء القلب محلا لا يساوره حب أخر بعد حب الله لا حب الأهل ولا حب الولد ولا حب النساء ولا القناطير المقنطرة من الذهب والفضة .

أليس الحب منجاة ؟

نعم هو منجاة وهو الدين وهو العبادة إذا كان يمتلك البوصلة ويركن لأمر الخالق في حب بشر أختارهم اختبارا للنفس بأن توحد الله في تطبيق أمره ولا تستعلي أو تشرك بالله في حبها وهواها وعبادتها لذاتها , مع فارق الشرف والرفعة والنجابة في مقام هؤلاء البشر والحاجة أليهم كسبب من الله حتى في دقات قلوبنا أليسوا هم أمان الله لأهل الأرض ولولاهم لساخت بأهلها؟

أليست لهم الولاية التكوينية والتشريعية؟

فهم من اختار الله وهذه مشيئته جل وعلى: في كتاب فقه الزهراء عليها الصلاة والسلام للإمام الشيرازي أعلا الله درجاته رواية من كتاب من لا يحضره الفقيه :فقد قال الرسول ألأكرم صلى الله عليه وأله لعلي عليه السلام(إن الله عز وجل أشرف على الدنيا فاختارني منها على رجال العالمين,ثم اطلع الثانية فاختارك على رجال العالمين, ثم اطلع الثالثة فاختار ألأئمة من ولدك على رجال العالمين ثم اطلع الرابعة فاختار فاطمة على نساء العالمين )(2)

وحين يوجه العبد للطواف حول بيت الله هذا البيت المادي من ألأجر والتراب إنما يطوف لأمر الله ويطبق توحيده عملا وفعلا فهو يوحد الله حتما ولا يشرك به الكعبة حتما, كذلك إطاعة الله وتوحيده جل وعلى يتمثل في إطاعته بحب أل بيت رسوله ألأكرم عليهم جميعا صلاته وسلامه وذلك أعلى درجات التوحيد لله عز وجل.

فرحمة الله جعلت لنا حبا صراطا زاهيا لنجاتنا فذلك الحب الحق وتلك حقيقة العشق وأسمى درجات الرأفة والرحمة الربانية.


(1)كتاب الغيبة للنعماني:ص282ب14ح53

(2)من فقه الزهراء عليها السلام ج1ص15عن كتاب من لا يحضره الفقيه:ج4ص374باب النوادر

وهو آخر أبواب الكتاب ح5762.

 

تعليقات

الرجاء كتابة الكود الذي تراه في الصوره:



دخول | » هل انت مشترك جديد؟ سجل الان

تذكرني
title
إستبيان
ما هي العقبات التي تعترض الوحدة الإسلامية؟
الإستبيانات
title
كاريكتور التوافق
المرأة العظيمة
title