قراءة في فكر السيد الخامنئي الفقهي ( الحلقة الخامسة )

قراءة في فكر السيد الخامنئي الفقهي ( الحلقة الخامسة )

ثبات أحكام القصاص في الشريعة الإسلامية وشمولها لكل زمان و مكان

في البحث السابق تعرض السيد القائد حفظه الله تعالى إلى أدلة ثبات الأحكام الشرعية و أجاب عن الأدلة العامة التي ذكرها المعترض على شمول الأحكام الشرعية لكل زمان و مكان و في هذا البحث سيجيب عن إشكال أثاره بعض المعترضين على ثبات حكم القصاص في الشريعة الإسلامية مستخدمين نفس آية القصاص الشريفة

وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ البقرة 179.  

و للتذكير فقد كان الإشكال الأول الذي تعرض له السيد و أجاب عنه في البحث السابق:  

نقاش البعض في دلالة الآيات وقال: لا عموم زمني لهذه الآيات، أي أن القصاص كان من الشريعة يوماً ما، وحالياً ليس من أحكام الشريعة الإسلامية,فأجاب حفظه الله عليه بأربعة أجوبة هي:  

الجواب الأول : وبما أن المناقشة المذكورة كانت لآيات القصاص فقط بين حفظه الله بان هذا الكلام لا يختص بائيات القصاص بل يشمل أيضا الآيات الواردة في الصلاة و الزكاة و غيرهما فمن التزم بعدم الدوام في آيات القصاص فعليه أن يلتزم بذلك في الصلاة و الزكاة أيضا و هذا مالا يلتزم به احد إن المشرع جل وعلى أو أي مشرع أخر إذا كان في مقام بيان حكم شرعي و ترتيب ذلك الحكم على موضوع معين مثل بيان حكم الحرمة على موضوع شرب الخمر و لم يذكر أي قيد في بيانه

الجواب الثاني:سواء كان في نفس النص -الآية أو الرواية - الذي يبين الحكم من خلاله (قيد متصل) أو نص أخر- أية أو رواية أخرى (قيد منفصل) -فان حكمه يكون مطلقا يشمل كل زمان و جميع الأفراد و في كل الأحوال و هذا واضح جدا.   

 

 

 

 

الجواب الثالث: إن آيات الإحكام فيها ما يدل على أن الأحكام دائمة و عامة تشمل جميع الأفراد في كل زمان و مكان وهو كلمة كُتِبَ الواردة في بعض آيات الأحكام .   

 

 

 

الجواب الرابع : لدينا أدلة قوية على شمول الأحكام الشرعية الإسلامية لكل زمان ومكان غير آيات الأحكام منها  

 

 

مثل كون الاسلام هو الدين الخاتم و أيضاَ عدد كبير من الروايات التي تثبت ان احكام الله عامة .   

 

 

 

الإشكال الثاني و هو في فهم آية القصاص  

 

 

قالوا أن الآية الشريفة المتقدمة تريد أن تقول أن النتيجة التي يريدها المشرع من تشريع القصاص هي "الحياة" و هذا أمر واضح فإذا وجدنا أسلوب أخر غير القصاص يعطي نفس النتيجة كنا مخيرين بينه و بين القصاص أما إذا وجدنا أسلوباَ أخر يعطي نتيجة أفضل من القصاص كالسجن المؤبد أو الأشغال الشاقة فالواجب نسخ حكم القصاص و استخدام الأسلوب الجديد .  

 

 

قال حفظه الله: بيان الإشكال بالنحو العلمي: يستفاد من الآية الكريمة: (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ) أنّ ملاك تشريع القصاص هو الحياة، ومن ذلك نستفيد النتيجتين التاليتين:  

 

 

ألف: إذا وجدنا أُسلوباً آخر لعقاب الجاني يوجب الحياة لزم ذلك الأُسلوب، كما لزم القصاص، فإذا فرضنا أن إرغام القاتل على الأعمال الشاقّة يوجب حياة المجتمع، كان هذا العمل لازماً.  

 

 

باء: إذا عثرنا على أُسلوب استلزامه للحياة أقوى من استلزام القصاص للحياة فالمفروض نسخ القصاص واعتبار الأُسلوب الآخر بديلاً عنه.  

 

 

إذن، بناءً على النتيجة الأُولى نكون مخيّرين بين القصاص والأُسلوب البديل، وبناءً على النتيجة الثانية يكون حكم القصاص منسوخاً ببديله. هذا هو البيان العلمي للإشكال، وبيان المستشكلين ليس بهذا النحو؛ وذلك باعتبار جهلهم بالمباني العلمية.  

 

 

الجواب على هذا الإشكال  

 

 

صحيح أن الآية الشريفة قالت أن علة أو ملاك تشريع حكم "القصاص"هو"الحياة" و لكنها لم تقل أن "الحياة" علة تامة لتشريع حكم "القصاص" فقد توجد هناك فوائد و مصالح من القصاص غير الحياة و لم تذكرها و نحن لا نعرفها و القول بأن الحياة علة تامة للقصاص رجم بالغيب و لا يتجرأ إنسان ورع على قوله, و أيضا الآية الشريفة لم تقل أن "الحياة" علة منحصرة لتشريع القصاص بمعنى انه لا يوجد أمور أخرى قد تودي إلى تشريع القصاص غير الحياة لاحظ المرض مثلاَ فهو علة للإفطار في نهار شهر رمضان و لكنه ليس علة منحصرة فهناك أمور أخرى مثل السفر تؤدي إلى نفس النتيجة و هي الإفطار , وحيث أننا لا نستطيع أن نضع حكم القصاص كعقوبة لأمور أخرى غير التي ذكرها لنا المشرع بالاعتماد على الآية مع أن هذا ممكن ثبوتاَ أي قد يكون عند المشرع ثابت حكم القصاص لأمور أخرى غير التي وصلت إلينا و لكننا لا نستطيع أن نخمنها , فكذلك لا نستطيع- بالاعتماد على الآية -أن ننسخ حكم القصاص لمجرد تخمين وجود مصلحة اكبر منه . و النتيجة أن ملاكات الأحكام و علل التشريعات الإلهية على ثلاثة أقسام  

 

 

1- علة تامة- الملاك التام- مثل المرض للإفطار في شهر رمضان و لكن قد توجد علل أو ملاكات غيرها تؤدي إلى نفس النتيجة مثل السفر.  

 

 

2- علة منحصرة – تمام الملاك – بمعنى أنها العلة الوحيدة للحكم و هذا نادر جداَ في الشريعة الإسلامية.  

 

 

3- جزء علة فلا يُشرع الحكم إلا بعد أن تجتمع أجزاء العلة فتكون علة تامة مثل الحريق فأنه لا يحصل إلا بعد أن تجتمع جميع أجزاء علته الوقود و الأكسجين و الحرارة فكل واحد منها جزء علة.  

 

 

و نحن لا نعلم أي نوع هو المقصود في الآية الشريفة فلا ندري هل الحياة هي ملاك تام( علة تامة) أو تمام الملاك ( علة منحصرة) أو جزء الملاك( جزء علة ) لتشريع القصاص.  

 

 

قال السيد حفظه الله: الأُمور التي تُطرح كملاك للأحكام أعم من كونها مصرّحاً بها أو مستظهرة تُقسّم إلى ثلاثة أقسام:  

 

 

1 ـ الملاك التام: بمعنى أنّه لو لم يكن هناك عامل آخر فالملاك لوحده يوجب ثبوت الحكم.  

 

 

2 ـ تمام الملاك: وهو يعني أن الملاك تام مضافاً إلى كونه تمام الملاك، أي أنّ هذا الملاك هو الوحيد الذي له دخل في صدور الحكم، فإذا كان ثبت الحكم، وإذا لم يكن انتفى الحكم.  

 

 

الاختلاف بين القسمين: في أنّ الملاك في القسم الأوّل يوجب صدور الحكم، وإذا وجد هذا الملاك في مورد آخر أدّى إلى سراية الحكم، لكن الحكم لا ينتفي بانتفاء هذا الملاك، وهو من قبيل الإسكار في حرمة الخمر، الذي جاء في روايات مثل الرواية التالية: ((كلّ مسكر حرام))[19]، فالمستفاد من هذه الرواية كون الإسكار ملاكاً تامّاً للحرمة، ولذلك تثبت الحرمة في النبيذ إذا كان مسكراً، وإذا انتفى الإسكار عن خمر بسبب الجو أو ظروف خاصة فالحرمة لا ترتفع. أمّا القسم الأوّل فيعبّر عنه بـ(العلة)، وهي تعني ثبوت الحكم أينما كانت، وانتفاء الحكم أينما انتفى الملاك، وتعارف القول التالي هنا: الانتفاء عند الانتفاء. ولا يوجد مورد من هذا القبيل في الشارع وإذا وجد فهو نادر.  

 

 

3 ـ جزء الملاك: أي أنّ للملاك دخلاً في الحكم في الجملة، من قبيل: الصحة في الصوم، التي يستفاد دخالتها إجمالاً في وجوب الصوم من خلال الرواية: ((صوموا تصحّوا))، وتسلّق الجبال يوجب الصحة كذلك فهل يجب؟  

 

 

أكثر الروايات التي تعرّضت إلى قضية علل وفلسفة الأحكام مثل روايات كتاب (علل الشرائع) هي من هذا القبيل.  

 

 

نقول: المستفاد من آية القصاص أن الحياة ملاك في الجملة، أمّا كون غير الحياة من الأُمور الأُخرى لا توجب صدور الحكم في عالم الثبوت، فهذا ممّا لا يمكن استفادته من الآية، كما لا يستفاد منها وجوب كلّ شيء يستلزم الحياة. على سبيل المثال إذا فرّ القاتل وما أمكننا الوصول إليه، لكن أطفاله كانوا في متناول أيدينا فنقتلهم أو نحرق بيته ونصادر أمواله، فهذا يوجب الحدّ من ظاهرة القتل في المستقبل ويوجب الحياة، وهل يمكن تجويز هذه الأعمال للغرض المزبور؟ قطعاً لا يمكن تجويز ذلك.  

 

 

و أخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

تعليقات

الرجاء كتابة الكود الذي تراه في الصوره:



دخول | » هل انت مشترك جديد؟ سجل الان

تذكرني