موقف الإمام علي بن أبي طالب (ع) من معارضي حكمه

موقف الإمام علي بن أبي طالب (ع) من معارضي حكمه

" كثرة الوفاق نفاق"([1])، وفي المقابل فإن: " كثرة الخلاف شقاق ".([2]) هذا هو رأي الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام الذي لم ينطق إلاّ الحق، وهذا قد يعني أن النقد والمعارضة ليس ممنوعا، وأيضاً غير مرغوب فيه في حال خروجه عن أطر السلوك النابع من الإيمان والتقوى. وحق المعارضة للحاكم حق شرعي، ولا يمكن تصّور حكم صالح من دون وجود طرف ينصح وينتقد الحاكم وحكومته، والسعي للقضاء على المعارضة أو جزء منها بتلفيق التهم الكاذبة قضاء على الحكم الصالح وتحوّله تدريجياً إلى حكم فاسد استبدادي جائر.

وحرية تنظيم المعارضة لنفسها مكفولة في النظم الديمقراطية العريقة، وضرورة ملحة لضمان استقامة الحزب الحاكم، ولهذا تقوم بعض الأحزاب المعارضة بتشكيل ما يطلق عليه حاليا، بحكومة ظل، ذلك لتوزيع المسئوليات بهدف متابعة أعمال الحكومة في كل وزارات الدولة.

        والمعارضة وقبول نقد الحاكم كان سمة من سمات حكم الإمام علي (ع)، ففي هذا الحكم كان للإنسان أن يقول ما يشاء وأن يعارض ما يراه انحرافا أو مخالفة. وقد جسّد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام أسس التعامل مع المعارضة في صورة قلّ أن تجد لها مثيلا في التاريخ، فقد سمح بحرية المعارضة بشرط عدم الإساءة للأمة ومصالحها، يقول الكاتب جورج جرداق: " وأبى البيعة قومٌ آخرون، فخلّى عليٌّ بينهم وبين ما أرادوا شرط أن يعتزلوا الفتنة فلا يسيئوا إلى إرادة السواد الأعظم ".([3]) يقول الإمام في هذا الصدد: " فمن بايع طائعا قبلتُ منه، ومن أبى تركته ".([4])

أرزاق أفراد المعارضة خطٌ أحمر

        وحتى معارضيه من الخوارج، اعتبرهم الإمام عليه السلام طلاّب حق ولكنهم ضلوا السبيل، فسمح لهم بالتجمع وتنظيم أنفسهم كحزب معارض، ولم يمنعهم حقوقهم كمسلمين مع تكفيرهم له، فقال لهم: " ألا عندي لكم ثلاث خصال: ما كنتم معنا لا نمنعكم مساجد الله أن تذكروا فيها اسم الله، ولا نمنعكم فيئاً ما كانت أيديكم مع أيدينا، ولا نقاتلكم حتى تقاتلونا".([5])

قمة الإنسانية تجسّدت في هذه الكلمة، فلا يجوز عند الإمام تكميم الأفواه المعارضة لحكمه عن طريق قطع أرزاق المعارضين، وفي هذا الصدد يقول القاسم بن سلام (توفي سنة 224هـ) وهو من كبار أئمة أهل السنة والجماعة: " أفلا ترى أنّ عليا رأى للخوارج في الفيء حقـا، ما لم يظهروا الخروج على الناس، وهو مع هذا يعلم أنهم يسبونه ويبلغون منه أكثر من السبّ، إلا أنهم كانوا مع المسلمين في أمورهم ومحاضرهم. حتى صاروا إلى الخروج فيما بعد ".([6])

لا أقتل من لم يقتلني

وفي كنز العمّال: "جاء رجل لرجل من الخوارج إلى عليّ، فقال: يا أمير المؤمنين، إنّي وجدت هذا يسبك، قال: فسبّه كما سبّني. قال: ويتوعدك؟ فقال: لا أقتل من لم يقتلني، قال عليّ: لهم علينا ثلاث...".([7]) ولأن الخوارج في رأي الإمام، طلاّب حق، لذا كان يقول: " لا تقاتلوا الخوارج بعدي فليس من طلب الحق فأخطأه كمن طلب الباطل فأدركه ".([8])

من منكم يأخذ عائشة أم المؤمنين؟

        وأملاك المعارضين لها حرمة وتتمتع بحماية السلطة " وهذا ما حصل في موقعة الجمل وصفين وفي النهروان فكان المنتصرون يمرون على الذهب والفضة دون أن يكون لهم سبيل للحصول على شيء كما جرت العادة وكما كانت تقضي تقاليد الحروب. لقد أدى ذلك إلى اعتراض أصحابه ولكنه كان يطبق أحكام الشرع ونواهيه، فلم يأبه! لأن الحق يعلو ولا يُعلى عليه ".([9]) وعندما كثر اللغط واعتبار البعض أن أموال معسكر أم المؤمنين عائشة فيء، أسكتهم الإمام بأن سألهم من يأخذ منكم عائشة؟ هنا سكتوا وأذعنوا وعرفوا خطئهم. ([10]) والحكم الشرعي كما يرى بعض الفقهاء، أن أموال أهل البغي حتى الموجودة في ساحة المعركة لا يجوز استغنامها وقسمتها، وإنما تُرد عليهم بعد انتهاء الحرب، بما في ذلك سلاحهم. ([11]) قال الشريف المرتضى: " أهل البغي لا يجوز غنيمة أموالهم وقسمتها كما تقسم أموال أهل الحرب، ولا أعلم خلافا بين الفقهاء في ذلك. ومرجع الناس كلهم في هذا الموضع على ما قضى به أمير المؤمنين عليه السلام في محاربي البصرة ، فإنه منع من غنيمة أموالهم، فلما روجع عليه السلام في ذلك قال : " أيكم يأخذ عائشة في سهمه؟! ". ([12])

كلمة حق عند الحاكم الجائر

والمعارضة السليمة، المنطلقة من الحرص على الدين ومصلحة الأمة، تعتبر ضرورة في الإسلام، ولذا قال الإمام عليه السلام في معرض حديثه حول الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر "... وما أعمال البر كلها والجهاد في سبيل الله عند الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا كنفثة في بحر لجي، ...، وأفضل من ذلك كله كلمة عدل عند إمام جائر ".([13])

من سبّ الحاكم يسبّه أم يسجنه ويعذّبه؟

وضرب الإمام أروع الأمثال في حسن التعامل مع معارضيه، حتى المتطاول منهم ما دام من طلاّب الحق وإن أخطأ، إذ يُروى في هذا السياق أن الإمام عليه السلام كان جالسا في أصحابه إذ مرّت بهم امرأة جميلة فرمقها القوم بأبصارهم فقال عليه السلام: "إنّ أبصار هذه الفحول طوامح وإنّ ذلك سبب هبابها فإذا نظر أحدكم إلى امرأة تعجبه فليلامس أهله فإنّما هي امرأة كامرأته". وأعجبت هذه الكلمة العظيمة رجلا من الخوارج فقال: "قاتله الله كافرا ما أفقهه" وهنا وثب القوم ليقتلوا هذا الخارجي، فنهرهم الإمام عليه السلام وقال "إنّما هو سبٌّ بسبٍّ أو عفوٌ عن ذنب ".([14])

معاوية يقول: لمظكم ابن أبي طالب الجرأة على السلطان

وكان الإمام عليه السلام يشجع الرعية على النقد والاعتراض والنصيحة، لذا عندما مدحه قوم بقولهم: "أنت أميرنا ونحن رعيّتك،...فاختر علينا وأمض اختيارك، وائتمر فأمض ائتمارك، فإنك القائل المصدّق، والحاكم الموّفق..."، ردّ عليهم رافضاً المديح وتقديس الحكّام والتملق لهم، ومما قاله: "...فلا تثنوا بجميل ثناء لاخراجي نفسي إلى الله سبحانه وإليكم من البقية في حقوق لم افرغ من أدائها وفرائض لا بد من امضائها فلا تكلموني بما تكلم به الجبابرة ولا تتحفظوا بما يتحفظ به عند أهل البادرة ولا تخالطوني بالمصانعة ولا تظنوا بي استثقالا في حق قيل لي ولا التماس إعظام لنفسي فإنه من استثقل الحق أن يقال له أو العدل أن يعرض عليه كان العمل بهما أثقل عليه فلا تكفوا عن مقاله بحق أو مشورة بعدل".([15])

 ما هو ردّ معاوية بن أبي سفيان حينما جاءته سودة بنت عمارة تشكو له ظلم واليه بسر ابن أرطأة؟  قال لها: " لقد لمظكم([16]) ابن أبي طالب الجرأة على السلطان فبطيئا ما تفطمون ".([17])


[1] - الآمدي، عبد الواحد بن محمد التميمي: غرر الحكم ودرر الكلم، ص458.

[2] - المرجع نفسه، ص466.

[3] - جرداق، جورج: الإمام علي صوت العدالة الإنسانية، ج1، ص128.

[4] -  الثقفي، إبراهيم بن محمد: الغارات، ج1، ص203.

[5] - ابن الأثير: الكامل في التاريخ، تحقيق: علي سيري، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط1، 1408هـ، ج2، ص398.

[6] - أبو عبيد، القاسم بن سلام: كتاب الأموال، ط1، ص239.

[7]- كنز العمّال، ج11، ص300، حديث 31569.

[8] - المعتزلي، ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة، ج5، ص78.] يرى بعض الباحثين، فيما يتعلق بنهي الإمام مقاتلهم بعده، أنه كانت حركة الخوارج أيام الإمام عليه السلام تحركها رؤوس الفتن، وتستغل شعارات الخوراج، وفي واقعة النهروان تم الفرز، وبعد الإمام تحوّلوا إلى مذهب سياسي، وأكثر ثوراتهم على بنية أمية، وربما من هذا المنطلق أمر الإمام أصحابه بعدم مقاتلتهم، فلا يصح مقاتلة عدو عدوّك.. [

[9] -  الزين، حسن: "حقوق الإنسان في نهج البلاغة "،  ورقة مقدمة في مؤتمر نهج البلاغة والفكر الإنساني المعاصر، 8 – 9 رجب 1414هـ / 22 – 23 كانون الأول 1993م، والورقة ضمن كتاب يحوي أوراق المؤتمر، منشور لحساب المستشارية الثقافية للجمهورية الإسلامية الإيرانية بدمشق.

[10] -  أنظر: السرخسي، المبسوط، ج 10، ص 124، باب الخوارج.

[11] -  أنظر:تحرير الأحكام للعلامة الحلي، ج 2، ص 234

[12] -  الشريف المرتضى: الناصريات ،  ص 443 – 444 (باب قسمة غنائم أهل البغي)

[13] - المعتزلي، ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة، ج19، ص306.

[14] -  أنظر: المعتزلي، ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة، ج20، ص63.

[15] - الكليني، أبو جعفر محمد بن يعقوب: الكافي، ج8، ص355.

[16] - تلمّظ: إذا تتبع بلسانه بقية الطعام في فمه وأخرج لسانه فمسح به شفتيه.

[17] - طيفور، أحمد بن أبي طاهر : بلاغات النساء، ص47.

تعليقات

الرجاء كتابة الكود الذي تراه في الصوره:



دخول | » هل انت مشترك جديد؟ سجل الان

تذكرني