لنتحاور على طريقتـِـهِم!
الإقرار بالتعددية
قال تعالى في محكم كتابه: (لكلٌ جعلنا منكم شِرعة ومنهاجاً ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة) يتضح من هذه الآية المباركة أن وجودنا في هذه البسيطة يأتي موازياً لوجود الملايين من البشر من ثقافات وعرقيات وأجناس مختلفة, فاختلاف الذهنيات والعقائد ما هو إلا وجودٍ طبيعي لتحقيق توازن أملاه الله حيث قال تعالى :(ولولا دفعُ اللهِ الناسَ بعضهم ببعض لفسدت الأرض), فنحن خلقنا لنكون مختلفين, فإذا سلّمنا بوجود هذه التعددية الفكرية, فينبغي علينا أن نرحب بها على حسب المنهج الإسلامي القويم ونحترم حقوقها كما نحترم حق الملكيات الخاصة, فالرأي هو ملك خاص لصاحبه .
الإيمان بمفهوم الآيات الكريمة أعلاه ينبغى أن يكون أساساً ننطلق منه نحو تهذيب أنفسنا وتمريسها لاحترام الرأي الآخر, لننعم بمجتمع صحي حيث (يتنافس فيه المتنافسون) وتتبلور فيه ابداعات كل فرد منا لنصل في نهاية اليوم إلى ألف فكرة وفكرة وإلى الإنتاجية التي تنقص مجتمعاتنا.
جاء في التاريخ أن بعد واقعة النهروان سمع بعض أصحاب الإمام شخصاً وهو يجهر برأي الخوارج، فجاءوا به للإمام علي قائلين: هذا يرى رأي الخوارج ، فقال عليه السلام: ما أصنع به؟ قالوا: تقتله. قال الإمام: أقتل من يخرج عليّ؟ قالوا: إذا تحبسه. قال: وليست له جناية احبسه عليها، خلّوا سبيل الرجل. من خلال هذا الدرس العلوي, يتضح لنا منهج أهل البيت عليهم السلام في التعددية وقبول الرأي الآخر. فلو كان الإمام عليه السلام ذي فكرٍ أوحد منغلق لصنع بذاك الخارجي ما صنع فرعون بأهل زمانه حيث تنطع قائلاً (ما أريكم إلا ما أرى).
الإلمام والبراهين وسيلة للإقناع
طيات التاريخ تنقل لنا مدى الأسى والبؤس التي عاشته المجتمعات الأوروبيــة تحت وطأة الدكتاتورية المسيحية, حيث انتهجت الكنيسة المبدأ الفرعوني وألجمت كل الآراء الشعبية إلا ما يناسب هواها ..”كما ينقل عن قصة العالم الإيطالي جاليليو والذي اعترضت الكنيسة وعلماء اللاهوت على آرائه العلمية حول حركة الأرض وأنها ليست مركز العالم، ولا هي ساكنة، بل تتحرك وتدور يومياً، وأن الشمس هي المركز، واتهم بالهرطقة والخروج عن الدين، وجلبوه إلى روما للمثول أمام محكمة التفتيش، فاعتقل في الحال، ثم استنطق وحقق معه، وهدد بالتعذيب، ثم أصدرت المحكمة حكمها بأن يعلن (( جاليليو )) التوبة، ويتنكر لآرائه العلمية، فحضر أمام المحفل الكنسي، وركع على ركبتيه وراح يقرأ ما أجبر على قوله، لكنه عند خروجه من المحكمة عقّب قائلاً: (( ومع ذلك فهي تدور ))”! هنا تتضح لنا نقطة مهمة في فن الحوار ألا وأن مهما بلغ عنادنا ومهما تعالت أصواتنا لن نستطيع أن نغير ما يدور في خلد أحدنا إلا إذا كان هناك فن في التعامل ورقي في الحوار, حوار مبني على أسس وقوائم علمية صحيحة لا بأساليب البطش واللاإنسانية. فعندما نشارك في أي حديث علينا أولاً التحدث من منطلق العارفين المُــلميّن وأن نعرض رأينا بكل لباقة وأدب لنبدي على (خلق عظيم)!
الوضع الراهن ودعوة للتغيير
وللأسف لا حاجة لنا للاطلاع على كتب التاريخ لنكتشف مدى رجعية وتخلف مجتمعاتنا, ولو دققنا البحث لرأينا عنجهية الحاكم السياسي ونزعتنا القبلية وتهمشينا للفكر الآخر هو الداء الذي دق المسمار الأخير في نعوش عقلياتنا. ففي الشارع أفواهنا مكتومة وفي الإعلام أقلامنا مكسورة, وحتى في الوسط العائلي آرائنا مسلوبة, فالحاكم رب, والمعلم معصوم , والعالم الشرعي لا يأتيه الباطل ,والأب له الرأي الأوحد حتى لو كان يهرف بما لا يعرف. فبسبب هذا الحرمان الثقافي والبعد عن المنهج التحاوري السليم تقبع مجتمعاتنا في آخر الصفوف, فلا إبداع ولا إنتاجية إلا ما رحم ربي.. فلندعو أنفسنا ولندرب عقولنا للتحاور في البيت, في الشارع , في المدرسة ,سواء كان مع هذا الجعفري أو مع ذاك الملحد "فلا مقدسات في الحوار" على حد تعبير آية الله العلامة السيد محمد حسين فضل الله – قدس الله نفسه الزكيه- فنحن خلقنا لنتشارك في معيشتنا لا ننطوي بنفسنا منغلقين.
مصادرة الرأي
لسوء الحظ, يتبختر البعض منا بتمسكهم الشرعي ولكن للأسف ما إن تحاورهم حتى تجدهم في غيهم يعمهون, غافلون عن أبجديات مدرسة أهل البيت عليه السلام وعلومهم الاجتماعية الجمة حتى غدو ( يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض). فترى مصادرة الرأي ديدنهم وكأنما الخلق تحت وصايتهم خَدمـةً أميين, ضاربين بعرض الحائط قوله تعالى : (إنا هديناه السبيل. إما شاكراً وإما كفورا) الآية التي فيها يكفل سبحانه وتعالى الحرية الشخصية وخصوصية الرأي حتى قال سبحانه (لا إكراه في الدين).. فإذا كان هذا هو المنهج الإلهي في تطبيق علة الوجود وهو الدين وممارسته , فما أجهلنا حين نسلب البعض مساحته الفكرية في المجالات الدنيوية ونصادر رأيه. وليتنا نسمع لما وصى به الإمام الصادق عليه السلام حيث قال" إياكم والخصومة في الدين"! وها هو أيضا أمير المؤمنين عليه السلام يقول أيضا "خذ الحكمة ولو من أهل النفاق" .. هنا سيد البلغاء (ع) يدعونا لأن نبحث عن الحقيقة وأن نتحاور حتى مع من لا يشاركنا اعتقاداتنا الدينية فما بالك بين أخوة في المذهب! فلنرحب بشتى أطياف الفِكر , ولننصت لكل الأفراد والثقافات لعلنا نسمع لما كنا به جاهلين, ففي الحوار السليم مداد كمداد البحر لتوسيع المدارك وتخصيب العقول, فلا نعلم مِنْ فمٍ مَنْ تنطلق الحِكم ومن أي عقل نستوحي الإبداع حتى قال الإمام الحسن عليه السلام :" عَلّم الناس عِلمَك وتعلم عِلمَ غيرك فتكون قد أتقنتَ عِلمك وعُلّمَتَ مالم تَعلم ."
التواضع في الرأي ينصره
حين كان الرسول الأعظم (ص) يصارع لإعلاء رسالته الإلهيــة بين جهال قومه, أخذ يحاور مجتمعه بأرقى أساليب التخاطب, فكان يأتي المعاندين بلين جانب وبآذانٍ صاغية حتى أثنى عليه سبحانه وتعالى وقال (ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك).. فكان في حواره (ص) يعتمد على احترام الرأي وعدم تهميش الآخر, حتى قال لخصومه (وإنّا وإياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين) .. فالرسول (ص) مع قوة حجته إلا أنه لم يفرض ويربو برأيه عن رأي الآخرين, فاحتملَ الخطأ والتجئ إلى النتائج على أرض الميدان لتبيان صوابه. فالعيب كل العيب أن ننزه أنفسنا ونخطّأ الرأي المخالف. فجميل ما قاله الإمام الشافعي تلميذ الإمام الصادق عليه السلام حيث قال: "إن رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب."
ماهية الجدال
في جهة أخرى, الفكرة السائدة لمصطلح الجدال في واقعنا الثقافي فكرةٌ سلبية سوداوية وكأنها من كبائر الذنوب. ولكنها في واقع الأمر أمرٌ محمود وممارسة صحية حتى أن سبحانه وتعالى أمرَ نبيه وقال :" ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ " .. فهنا أمرٌ قرآني صريح لتطبيق الجدال ولكن مع شروطه , فبالحكمة والموعظة وحسن النية واللسان يأتي الجدال أُكلــــه. وأما إذا كان الانتصار الذاتي وإذلال خصومنا هو مرامنا من الجدال فيا لعقمِ عقولنا ولضيق أُفقنا .. روي عن أمير المؤمنين عليٌ عليه السلام أنه قال: " ما جادلت جاهلا إلا وغلبني وما جادلت عالما ًإلا وغلبته" فحتى أفصح الفصحاء (ع) يعلن انهزامه ضد هذا الجهل الفكري! فلنرق بجدالنا ولنستعلي بنوايانا ولنفتح للطرف الآخر باب عقولنا.. فبالحوار يأتي الإبداع, وباحترام التعددية تتقدم الأمم.. ولتكن نوايانا مخلصة للاستفادة والتعلم لا لإبراز الأنا والفوقية.. فها هو الشافعي مجددا لا يرمو من جداله إلا حسن المآب حيث قال: "ما حاججت احدا الا تمنيت ان يظهر الله الحق على لسانه".
الختام
اللهم اجعلنا من عبادك الذين يستمعون للقول فيتبعون أحسنه .. وسبحانك اللهم رب العزة عما يصفون وسلامٌ على المرسلين..




السلام عليكم
############ من اين لك هذا الموضوع ومن نسقه لك واخرجه أخراجا جيدا ومترابط .”الاجابه” #####؟؟؟....
###########
اللهم أحفظ حماة الدين الذين مازالوا صامدين في وجوه المشككين الراحلين أو الباقين؟؟ للاسف يواجهون المحن من أجل ثبات دين ومذهب أئمة أهل البيت “ع” ليس
من أجل الحزب الذي من أجله تضرب العقيدة مافي مشاكل بس يضرب الحزب خط أحمر؟؟؟؟؟؟
دع الايام تفعل ماتشاء
وطب نفسا اذا حكم القضاء
تعليقات