جراحات الإمام علي «ع» لم تشغله عن التفكير في الأمة
• كان يعيش مع الله ولهذا كان لا يلتفت إلى النّاس من حوله
• قول الحق والوقوف معه كانت شعاره في كلَّ مجالات حياته
• وصيته قبل استشهاده كانت لربط الأمة بالله و بكلّ القواعد الأساسيّة في علاقاتها بعضها مع بعض
لقد باع الإمام علي (ع) نفسه لله فقد أحبّه كما لم يحبّه إلاّّ الأنبياء يقول (ع): «هبني صبرت على عذابك، فكيف أصبر على فراقك، وهبني يا إلهي صبرت على حرّ نارك فكيف أصبر عن النّظر إلى كرامتك..».
هكذا يتحدّث الإمام علي (ع) في دعاء كميل مع ربّه وهكذا يريد أن يعيش مع الله سبحانه وتعالى.. كان (ع) يطلب من الله سبحانه وتعالى أن يجعل كلّ أوقاته عامرة بذكره وخدمته.. «حتى تكون أعمالي وأورادي كلّها وِرْداً واحداً وحالي في خدمتك سرمداً..».
إنّه يطلب من الله أن يعطيه القوة لا ليرتاح بالقوة ولكن ليخدم الله: «قوِّ على خدمتك جوارحي واشدد على العزيمة جوانحي وهب لي الجدّ في خشيتك والدّوام في الاتصال بخدمتك».
إنّه كان يعتبر الحياة ساحةً للسباق يتسابق فيها كل إنسان مع الآخر إلى الله لا إلى المال: «لأسرع إليك في المبادرين وأشتاق إلى قربك في المشتاقين وأدنو منك دنوّ المخلصين وأخافك مخافة الموقنين».هكذا كان الإمام علي (ع) يعيش مع الله ولهذا كان لا يلتفت إلى النّاس من حوله.عندما كان يسجد وينسجم في صلاته كان يخيّل للّذي يمر عليه أنّه ميّت يقال إذا نبتت السّهام في جسد الإمام علي (ع) كانوا يخرجونها منه وقت الصلاة لأنّه يكون مندمجاً مع الله مشغولاً عن الألم.
مبادئ الوصية الخمس:
في التّاسع عشر من شهر رمضان وفي محراب مسجد الكوفة ضرب عبد الرحمن بن ملجم الإمام أمير المؤمنين (ع) وهو يصلّي في محرابه.
بقي الإمام (ع) ثلاثة أيّام وهو يعاني من جرحه حتى كانت شهادته في الحادي والعشرين من شهر رمضان المبارك وقد أراد الإمام في هذه الأيام الثلاثة أن لا يحرم أمته من وصاياه فلم تشغله جراحاته عن التفكير في شأن الأمة ليربطها بالله ويربطها بكلّ القواعد الأساسيّة في علاقاتها مع بعضها البعض في وصيّته التّي أوصى بها عليه السلام ولديه الإمامين الحسن والحسين (عليهما السلام) وجميع ولده وجميع من بلغه كلامه.
ومن المناسب الإشارة إلى أنّ الحسن والحسين (ع) إمامان معصومان وأنّ المقصود بالوصية الأمة الإسلامية.. قال (ع) في هذه الوصّية: «أوصيكما بتقوى الله وأن لا تبغيا الدنيا وإنْ بغتكما..».
المبدأ الأول: «أوصيكما بتقوى الله..».
أن تراقبا الله في كلّ شيء وأن تعملا على أن تحسبا حساب الله في كل شيء وأن لا تطلبا الدنيا حتى لو جاءت الدنيا لتقديم نفسها إليكما ولا تأسفا على شيء منها زوي عنكما.
عندما تخسرون شيئاً من الدنيا في مال أو غير مال، فإنّ عليكم أن لا تعيشوا روح الأسف والألم والحسرة على فوات ذلك، بل اعتبروا أنّ الدنيا حسب طبيعتها تعطيكم شيئاً اليوم وقد تسلبكم إيّاه غداً، قد تعطيكم شيئاً من جانب وتسلبكم إيّاه من جانب آخر.
المبدأ الثاني: «وقولا بالحق».
وهذا المبدأ يعني أن يعمل الإنسان على أن يتحدث بالحقّ والصدق وأن يلتزم أيضاً بالحقّ والصدق، فلا يقول الكذب في كل موقع من مواقع حياته، ولا يلتزم الباطل في أي موقع من مواقع حياته.هكذا كانت سيرة علي بن أبي طالب (ع)، حتى قال: «ما ترك لي الحق من صديق». كانت قولة الحق في كلَّ القضايا هي شعاره في كلَّ مجالات حياته. وقد ورد عن النبي (ص) في تأكيده علاقة علي بالحق وعلاقة الحقّ بعلي أنّه قال: «علي مع الحق، والحق مع علي يدور معه حيثما دار».
المبدأ الثالث: «واعملا للأجر...».
في كلّ عمل من أعمال الإنسان يجب أن يفكّر هل هناك أجر من الله على هذا العمل أو ليس هناك أجر. إنّ الله يريد للإنسان المسلم دائماً في كلّ موقع من مواقع حياته،أن يفكّر برضا الله سبحانه وتعالى وأن يفكّر بثواب الله، فالله لا يريد للإنسان أن يقوم بأي عمل على أساس العبث أو على أساس المزاج.
المبدأ الرابع: «كونا للظالم خصماً وللمظلوم عوناً».
هذا المبدأ يشمل الجانب الاجتماعي في علاقات الناس بعضهم ببعض أو الجانب السياسي في علاقة الحاكم بالمحكومين، والمحكومين بالحاكم، وعلاقة الناس بعضهم ببعض.. أن يكون الأساس في معاونة الإنسان شخصاً على شيء أو في الوقوف ضد شخص، هو أن يكون الشخص الّذي تعاونه مظلوماً، وأن يكون الشّخص الّذي تقف ضده ظالماً.
ولهذا لا بدّ للإنسان دائماً من أن يحدّد في مستوى الحياة الاجتماعية من هو الظالم ومن هو المظلوم وذلك بالتدقيق في ما يعمله هذا ويعمله ذاك وفي ما يقوله هذا ويقوله ذلك لا أن يكون تحديدنا للظالم والمظلوم منطلقاً من الإشاعات أو من الكلمات غير الموثوقة أو من القضايا الّتي تحمل أكثر من وجه بل أن نحدد الظالم من موقع اليقين ومن موقع الثقة ومن موقع الاطمئنان حتى نواجهه على أساس متين لا على أساس منهار.
وهكذا عندما نريد أن نحدّد المظلوم أن لا يكون تحديدنا للظالمين والمظلومين ناشئاً من هوى النفس أو ناشئاً من العاطفة، أو ناشئاً من الصداقة أو القرابة أو المزاج. لا بد لنا من أن نحدّد مسألة المظلوميّة والظالميّة من غير جهة العداوة والصداقة، ومن غير جهة القرابة والبعد، ومن غير جهة التحزّب.
المبدأ الخامس: «أوصيكما وجميع ولدي ومن بلغه كتابي بتقوى الله ونظم أمركم».
عندما نستمع إلى وصيّة الإمام علي (ع) في آخر أيامه فنحن معنيّون بهذه الوصية لأنّ الإمام يقول كل من سمع هذا الكتاب فأنا أوصيه بهذه الوصيّة، وعليه أن يتحمّل مسؤوليته في تطبيق هذه الوصيّة، على واقعه وواقع النّاس من حوله.
تقوى الله هي الأساس لأنّ تقوى الله هي مراقبة الله، وكلما راقبنا الله أكثر كلما ضبطنا مواقع خطواتنا في الحياة أكثر. يقول الإمام (ع): «أوصيكم بتقوى الله ونظم أمركم».
هذا هو الأساس في سلامة كل مجتمع من المجتمعات، هو أن تكون علاقته ببعضه البعض، علاقات ترتكز على أساس القواعد الّتي تنظّم للمجتمع دوره في حركة أفراده، ودوره في علاقات أفراده ببعضهم البعض.
وهذه هي المشكلة الّتي لا يزال المسلمون يعيشون فيها على مستوى كل مجتمعاتهم فإنّهم يتحرّكون كأفراد ولا يتحرّكون كمجتمع بحيث إنّ كل فريق يتصور نفسه كلّ شيء أو كلّ شخص يتصوّر نفسه أنّ الحياة له وليس لأحدٍ حقّ الحياة معه وأنّ السّاحة له وليست لأحد غيره.




تعليقات