بم تضبط الفتوى؟!
لا شك أن الأمر الملكي بضبط عملية الافتاء، خاصة فيما هو خاص بالشأن العام، أو قضايا الأمة المهمّة في هذا العصر، وقصره على هيئة علمية تقوم بالاجتهاد جماعيًّا، هو ضرورة واقع، حيث انتشرت في هذه الأيام من الفتاوى والاجتهادات ما يُخشى معه في بعض الأحيان أن يقود إلى فوضى، خاصة تلك الفتاوى أو الآراء التي تنطلق بها الألسنة والأقلام بحكم على أفرادٍ أو فئات من المجتمع بالتعيين لهم، أو بالتوصيف لهم بما يعرفون به، بالكفر والنفاق، أو الابتداع والفسق، أو الإلحاد، والذي أصبحت هذه الألفاظ تدور في الكتابات غير المسؤولة عبر الإنترنت، وفي الصحف أحيانًا، وفي الكتب والمطويات، بل والحكم على المعيّن حتى بعد وفاته بشيء من هذا، دون خشية عقاب، لمَن أطلقها، وهو يحكم على المسلم بما يخرجه عن الملة، ويعرّضه للقتل، أو بما يزعم أنه به يدخل النار، ويُحرم الجنة، ويردد هذا على شاشة قناة فضائية مَن كان له في كل يوم فتوى باطلة لا يشهد لها دليل من الشرع، ولا يقبلها عقل، من مثل فتوى هدم الحرم المكي كله، تلافيًا -كما يزعم- لاختلاط الرجال والنساء فيه عند اداء النسك بعمرة أو حج، والاقتراح بإعادة بنائه على شكل أدوار يعلو بعضها بعضًا، يُخصص بعضها للرجال، وأخرى منها للنساء، وله كل يوم صولة وجولة، وتخصصت قنوات دينية في استضافته، وقد استمعت مؤخرًا إليه في إحداها يتحدث عن فقيد الوطن الدكتور غازي القصيبي -رحمه الله وأسكنه فسيح جناته- بكل ألوان السوء، التي لا يمكن أن تجري على لسان مسلم وصفًا لأخيه الذي غاب عن دنيانا ولقي ربه، بل ويحكم على كل من رثاه وأثنى عليه بأنه منافق، وما المنافق إلاّ كافر كفره أشد ضررًا من الكفر الأصلي الصريح، وهو ومَن على شاكلته يعلم أن الحكم على أحد من المسلمين بجنة أو نار جزمًا مستحيل، لأنه يخالف أحكام الشريعة بيقين، ففي الحديث الصحيح (أن رجلاً من المسلمين أبلى بلاءً حسنًا في معركة، وكان يضرب في المشركين يتبع كل شاذة منهم، أو فاذة فيقتله، فأثنى عليه الصحابة رضوان الله عليهم، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم: (هو من أهل النار)، فقال رجل: (أنا صاحبه فاتبعه، فجُرح جرحًا شديدًا فاستعجل الموت فوضع نصل سيفه على الأرض وذبابه بين ثدييه، ثم تحامل على السيف فقتل نفسه، فخرج الرجل إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: أشهد أنك رسول الله، وقص عليه القصة، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس وهو من أهل النار، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار فيما يبدو للناس وهو من أهل الجنة)، فالحكم بأن فلانًا من أهل النار بحسب ظاهره فقط لا يجوز، فقد يكون له من الأعمال ما تخفى على الناس، وهي تقربه إلى الله يعفو بها عنه، ويغفر ذنوبه، ويدخله الجنة، وقد يكون آخر يعمل في الظاهر بعمل أهل الجنة، وهو يخفي من عمله ما يقوده إلى النار حتمًا، لذا جاء في الحديث الصحيح الآخر: (إن أحدكم يُجمع في بطن أمه أربعين يومًا، ثم علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله مَلَكًا فيأمر برزقه وأجله وشقي أم سعيد، فوالله إن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها غير باع أو ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها غير ذراع أو ذراعين فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها)، وهؤلاء الذين يحكمون على الخلق بأنهم استحقوا النار أو الجنة -في نظرهم- إنما يصدرون عن جهلٍ، فصاحبنا الذي أشرنا إليه عندما وقع في عرض مَن مات ظن أن ينجيه من الإثم العظيم أن حديث (اذكروا محاسن موتاكم، وكفوا عن مساويهم) ضعيف، وما علم أن ضعفه لا يجعله مردودًا، فالضعيف يُعمل به في فضائل الأعمال عند الجمهور، وكف اللسان عن ذكر الموتى بسوء من فضائلها، ومحاسن الأخلاق التي يغفل عنها مثله، وله شواهد من أحاديث صحيحة كقوله عليه الصلاة والسلام: (لا تسبوا الأموات فإنهم افضوا إلى ما قدّموا)، وكقوله عليه الصلاة والسلام: (إذا مات صاحبكم فدعوه لا تقعوا فيه)، وكقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (لا تؤذوا الأحياء بسب الأموات)، ولكن من لم يصونوا ألسنتهم عن الوقوع في عرض الأحياء، لا ينتظر منهم أن الموت يذكّرهم الآخرة فلا يقعوا في عرض مَن مات، وما يعلمهم ألاّ يختم الله لهم بسوء العاقبة، فيذهب عملهم الظاهر إن كان لهم منه عمل صالح، ويحاسبوا على ما أخفوا من أعمال قد تدخلهم النار، والحقيقة أني أستغرب لمن حاز علمًا ألاّ ترتعد فرائصه، وهو يحكم على غير بجنة أو نار، وهو يعلم أن ذلك ليس إليه، وأن حكمه به باطل، فمثل هؤلاء يجب أن يحاسبوا، لأن ما يصنعونه هو عين الفساد، ويثبت ألاّ علم لهم بشرع الله، فإن لم يُحاسبوا ويُعاقبوا فكل ضبط للفتوى بعدُ لا قيمة له، فهل سيحدث هذا؟ ما هو نرجوه، والله ولي التوفيق.




تعليقات