التحلل الأخلاقي غزو سلاحه الشهوات
الابتعاد عن الشهوات المادية وبخاصة الشهوة الجنسية شرط أساسي في بعض الأديان حتى يمكن أن يصل الفرد إلى درجة القديسين، ولهذا يحرم على الرهبان والكهنة في مثل هذه الديانات الزواج. أما في المادية الغربية القائمة، فإن عبادة الشهوات هي السائدة، فإذا كانت هذه الدنيا فرصة لا تتكرر، وجب على الفرد اقتناصها من أجل إشباع شهواته بأقصى حد.
ولا شك أن الشهوات لها دور حاسم ومهم، بل هي السبب لصلاح الحياة واستمرارها، فبخصوص هذه الآية: زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنْ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ ( ) يرى بعض المفسرين أن الشيطان هو الذي يزيّن الشهوات من أجل أن تكون الوسيلة لإضلال بني آدم، غير أن آخرين كالمرجع ناصر مكارم الشيرازي، يرون أن الله هو الذي زين هذه الشهوات للناس بمعنى أوجدها فيهم كأمر فطري تتوق النفس لها.
فكل ما ذكرته الآية من حب الجنس والأموال والمركب الحسن، هي شهوات طبيعية، فالغريزة الجنسية هدفها الأساس هو الإنجاب، وقد غرسها الله في المخلوقات، ومنها الإنسان ليتحرك نحو إشباعها كحاجة جسدية ملحة، ومن ثم يتحقق هدفها النهائي وهو بقاء النسل.. وهكذا بقية الشهوات كلها تعتبر ركيزة مهمة يوظفها الإسلام لإصلاح الحياة عن طريق تقييد طرق إشباعها، فيحل الزواج ويحرّم السفاح. وشهوة حب المال تدفع الفرد لتنمية ماله والحرص على عدم إضاعته، وهدف هذه الشهوة رفاهية المجتمع، ولهذا قيّد الإسلام وسائل كسب المال، فأباح الكسب بالعمل الشريف وحرّم كسبه بالربا، لأن العمل يسهم في زيادة الثروة الكلية للمجتمع ومن ثم يزيد من رفاهيته، أما الربا فهي عبارة عن نقل المال إلى جيب المرابي الذي لا يبذل جهدا ولا يخاطر بماله في تجارة...الخ.
هذا موقف الإسلام من الشهوات.. جعلها لإصلاح الحياة، أما غير الإسلام، كالمادية الغربية، فتعمل على حرف شهوة الجنس وغيرها من الشهوات عن تحقيق غايتها السامية، فيتجه الإنسان المادي لإشباع هذه الشهوة دون تحمل مسؤولية تكوين أسرة قد تعيق انطلاقته نحو نيل المزيد من هذه الشهوة وتنويعها... هذا الفكر الجاهلي المادي يعمل على إطلاق العنان للشهوات وعبادتها، قال تعالى: } والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما{. تماما كما يعمل إبليس الرجيم يعمل هذا الفكر الجاهلي ودعاته، فيفسد الأخلاق عن طريق تأجيج الشهوات، فإبليس الرجيم قد لا يأتي للمؤمن من باب التشكيك في وجود الله والتشكيك في وجود نار وجنة كمقدمة لإفساد أخلاقه وحرف سلوكه، ولكن يمكن أن يأتي من باب الترغيب في اقتحام المحرمات من أجل إشباع الشهوات المؤججة.
قال تعالى: } فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غياً{. إنّهم مصلّون، ولكنهم أضاعوا التأثير المطلوب للصلاة في حياتهم، فلم تعد تنهى عن الفحشاء والمنكر، ومن المحتم أن من يضيع الصلاة يطلق العنان لشهواته، تماماً كمن انحرف فكره، إذ يتبع هذا الانحراف في الفكر انحراف في الأخلاق والسلوك.
المعادلة هي كما يلي: بمقدار الإيمان بالله وصدق توحيده، والتصديق بأن عنده جنة للطائعين ونار سجّرها للعاصين، بنفس المقدار يعيش المؤمن حالة من الخشوع ومن ثم التوازن بين الجانب المادي والجانب الروحي في حياته. جاء في فقه الإمام الرضا (ع): "ألا من اشتاق إلى الجنة سلا عن الشهوات، ومن أشفق من النار رجع عن المحرمات، ومن زهد في الدنيا هانت عليه المصيبات". والعكس بالعكس.




تعليقات