قابلية الاختلاف
لعل أكثر المناطق سخونة بالأحداث السياسية والتوترات هي منطقة الشرق الأوسط ، وهذا يأتي من منطلق توالي الأحداث وتتابعها في سياق واحد حينا وفي سياقات مختلفة أحياناً فمن اللافت أن قابلية الاختلاف في مجتمعات الشرق الأوسط موجودة في ثقافتنا بمساحة أكبر بكثير من قابلية الاتفاق والتوافق ، فما هي دواعي ذلك ..؟
أولاً : فقدان الذات وانعدام التأثير
إن وقوع منطقة الشرق الأوسط وإنسانها ضحية كبرى في براثن الصراعات الكبيرة تكشف أحد أوضح أسباب وقوع الاختلاف والتجاذب خصوصاً مع فقدان القرار والفاعلية في الأحداث ونتيجة للفشل أمام تلك القضية تنعكس هذه السلبية على الأداء في الدوائر الأصغر لكل فرد ينكص بالفشل.
وباستعراض الأحداث على سبيل المثال وليس الحصر ، تمثل القضية الفلسطينية سياقاً متصلاً منذ إعلان الكيان الغاصب قيام دولة إسرائيل مسنوداً بدول الاستعمار السابق ولا تزال قضية هذا الصراع الوجودي في حالة اضطراب تمثلت في الحروب المتعددة التي خاضها ضد الدول العربية المحيطة في سبيل القضاء على الوجود الفلسطيني بأي شكل من الأشكال لما يمثله من خطر على وجود كيانه الغاصب.
و أما أمثلة السياقات المنفصلة بما لها من تأثير أو تداخل في التحولات بمنطقة الشرق الأوسط ،فمنها انطلاق المد القومي مع نهاية الحكم الملكي في مصر ثم محاولة احتلال الكويت من قبل العراق في عهد عبدالكريم قاسم ثم نشوب حرب اليمن ثم قيام دولة الإمارات العربية المتحدة ثم قيام الوحدة بين مصر وسورية ثم إعلان الثورة الإسلامية في إيران و قيام الجمهورية الإسلامية فيها بقيادة الإمام الخميني (قدس)، ثم حرب الطاغية صدام حسين التي استمرت ثمان سنوات ضد الجمهورية الإسلامية في إيران ثم الغزو الروسي لأفغانستان وانطلاق ما سمي لاحقاً بـ " الجهاد الأفغاني" وما تلاها من قيام دولة طلبان في أفغانستان ثم الاحتلال الأمريكي لها ثم احتلال الكويت من قبل صدام حسين ثم حادثة 11 سبتمبر ثم سقوط العراق باحتلاله من قبل القوات الأمريكية ثم انتصار المقاومة الإسلامية في لبنان.
ثانياً : البحث عن الذات والتغيير
ثم يأتي كل ذلك في سياق عام متصل آخر وهو محاولة بسط النفوذ الغربي على دول المنطقة بشكل عام ، ومن نافلة القول التذكير بأن وسائل الإعلام المسموعة والمرئية والمقروءة في جميع أنحاء المعمورة التي غطّت أحداث تلك الوقائع والمتغيرات لا تعُد ولا تحصى ، ولا أشك بان إنسان الشرق الأوسط ومن خلال موقعه الجغرافي وبنيته العقدية والثقافية و دوره غير المؤثر بما يتناسب مع وضعه الطبيعي الضعيف في جميع تلك الأحداث هو أكبر ضحية لتلك الوسائل الإعلامية لانعدام حياديتها و مصداقيتها و موضوعيتها بشكل مجمل ونتيجة لذلك نرى أن إفرازات تلك الوسائل سلبياً في المجتمعات الصغيرة لهذا الفرد وذلك، كما نراه متمثلاً في الانقسامات السياسية بين الفلسطينيين من خلال المنظمات المتعددة التي لا يحتملها واقعهم المؤلم.
ثالثاً : الإنفعال والتأثّر
ولكن هناك جانباً آخراً من تلك الإفرازات السلبية على الفرد في منطقة الشرق بصورة أكثر ألماً وهو سرعة التفاعل مع المعلومات بصورة ملفتة بما له علاقة مع " الآخر " من الناحية السلبية فأصبحت قابلية الاختلاف هي المترسّخة وليس من العقلانية الاستهانة بما بذلته تلك الوسائل الإعلامية في بذر سلاحها الفتاك " فرق تسد" في أوساطنا منذ عقود عديدة وترسيخ هذا النهج في الأذهان بعد أن تم إيقاع المتلقي في فخ الحياد مع غفلة عن أهمية المصداقية، فمن المؤكد أنه ليس هناك وسيلة إعلامية لا تدّعي طرح الحياد والمصداقية والموضوعية كإطار عام وهذا ينطبق اليوم على كل وسيلة إعلامية بما في ذلك منتدياتنا المحلية ، و هنا يجب التنبيه على الفارق الكبير بين تلك المفاهيم من الناحية النظرية ومن الناحية الفعلية وهذا ينطبق أيضاً حتى على سلوك الأفراد المؤثرين أنفسهم سواءً كانوا شخصيات ورموز علمية أو إعلامية ، وإن مما يبدو بنظرنا أن الخطورة الأكبر يتمثل في اتخاذ بعض هذه الجهات منحى آخر في سياق الاختلاف في الرؤى بفقدان الحيادية والمصداقية وحتى الموضوعية في طرحها الإعلامي في محيط تُشكل الطهرانية عنوانا عاماً له.




تعليقات