“هـــبــــة لــهـــبــة”
في العشرين من عمرها حين تزوجها رجل معدم فقير الحال, أعياه الزمان فأفقده شيئا من عقله وأجهد ما تبقى له من عقل في الهذيان, وجدت نفسها زوجة للفقر الذي منه هربت, بسيطة الحال, قليلة الكلام, نظراتها خجلة, تتساقط حروفها من كلماتها حين تتحدث, تقسو على نفسها لتنسى ما أحدق بها منذ طفولتها, فالفقر ما زال ظلها الذي لم يغب عن ليلها ونهارها.
وهبها الله أملا, فمن عليها بطفل جميل, ما إن فرحت بقدومه حتى أخذت تأسى له فالفقر يهدد ابتسامة مولودها, ويظلم مستقبله, ضمته إليها بقوة راجية من الله أن يرزقه من عنده, قبلت جبينه ثم مسحته خشية أن يطبع الفقر عشه عليه.
أما زوجها فلا يزال في هذيانه فلا يملك غير الهذيان الذي لا يأتي بالرزق, عاشت هي وطفلها على ما تجود به قريباتها, لم تقدر على صنع شيء سوى أن تدخر بعض الطعام لوقت قد يُبطئ عنها عطاؤهن.
دعتها إحدى جاراتها يوما على العشاء, أحست بثقل المنزل عندها فهي لم تعتد على ذلك ولكن إصرار جارتها حثها على أن تلبي دعوتها, نظفت عباءتها كثيرا, ألبست طفلها أجمل ما امتلكه, ذهبت تمشي في وجل, وجدت الباب مشرعا, دخلت بارتباك, كانت هناك مدعوات كثر, دخلت عليهن وهن يتسامرون ويتفاكهون, حتى خرسن فجأة عن كل شيء واتجهت أنظارهن إليها, أحست بالخجل كثيرا, وهن يسائلن بعضن بعضا من تراها تكون؟ هل تعرفينها أنتي؟ وأخرى تقول: تبدو لي محتاجة جاءت تطلب مالا, أو تطعم؟ أحست بنظراتهن وهي تأكلها من أخمص قدميها إلى رأسها, انزوت في مكان ما من المجلس, وضعت طفلها على حجرها حتى نام من سكون المجلس.
رفعت بصرها قليلا لترى من هن حولها, كانت نساء مترفات, البعض منهن تتجمل بالحلي والقلائد, وأخرى تمسك بهاتفها النقال الجديد, وتلك يقبع طفلها بجانبها والدمى حوله كأصدقاء له, اقتربت منها إحداهن تسألها بلطف: ما اسمك؟ فأجابت متلعثمة: هبة, ثم أردفت سؤالها بآخر, وأين تقطنين يا هبة؟ فقالت: أنا جارة صاحبة هذا الدار.
شعرت بالغربة في ذلك المجلس, فاستنهضت صغيرها لتمضي إلى دارها, قالت لها إحداهن: لم أنتي عجلة, يمكنك البقاء, فقالت: إن ولدي ينام باكرا لذا سأذهب, سألتها أخرى: يبدو أنك تحرصين على القيام باكرا فتحضري لزوجك غداءه, اعترت هبة الأحزان واللوعة فهي لا تملك قوت يومها بشكل كاف حتى تحرص على ذلك, ثم قالت: لا لست أهتم بذلك فزوجي لا يأكل كثيرا فهو مريض, وأنا أكتفي "ببسكويت" أو "أندومي" لم تدرك هبة ما كانت تقول, إلا حين رأت التعجب باديا على وجوههن, فأخذن يحذرنها من خطورة ما تأكله وما يسببه من أمراض, حتى أوجمت وخرست وتسمرت ثم أجهشت بالبكاء, سالت الدموع مدرارا على خديها , خيم الصمت بدوره عليهن فأوجمن وخرسن, كانت أدمعها حبيسة منذ زمن حتى تفجرت سيلا وأمطرت بغزارة.
هدأن من روعها, ثم قالت إني لا أملك غير ذلك لآكله, مدت إحداهن يدها وفيها بعضا من المال, رفضته هبة بشدة , ولكنها وضعت المال في حقيبة هبة بإلحاح كبير, استفاق ابنها ليمضيا, وجد حقيبة أمه مشرعة, مد يده بداخلها ليخرج منها المال ويرمي به على الأرض, ذهلت النسوة من فعله كثيرا, وكأنه على صغره يتعفف, أما هبة فأدركت حكمة الله من تصرف صغيرها ومضت مبتسمة راضية, أيقنت حقا بأن الله وهبها رزقا عظيما وخيرا كبيرا حين منَّ عليها بهذا الطفل, وأنه الأمل الذي يُطلب بالصبر والرضا بقضاء الله.




تعليقات