المثقف الشيعي والنقد المذهبي!
أن يقول الإنسان في خلواته "ربِّ إني ظلمتُ نفسي فاغفر لي" أكثر فاعلية لذاته من أن يقولها أمام الملأ. وأن يضع نفسه على طاولة الجرح والتعديل أكثرضمانة لإصلاحها. وأن يقلّب أفكاره بطنها وظهرها كل يوم بحثاً عن الحقيقة يكون قد زانها بميزان العدل والقسط. أما إذا ساوى عقائده وثوابته مع عقائد وثوابت الآخر على بساط البحث والتنقيب عن الحقيقة بدون عصبية فهذا هو الإنصاف بعينه الذي كان يقبل به النبيون والمرسلون صلوات الله عليهم أمام أدعياء الحقيقة من المشركين والكفار، حيث يقول الله عز وجل "وإنا أو إياكم لعلى هدىً أو في ضلالٍ مبين" تنزلاً للمنطق الذي يقبل به المختلفون معهم، وتلك واحدة من أقوى مهارات الدعوة إلى الله.
وتلك المهارة في الحوار تظهر الحق بطريقة جلية صافية توائم الفطرة، وتجعل من قلب وفكر الآخر ضيقاً حرجاً كأنما يصّعّدُ في السماء.
إن المهدي من آل محمد صلوات الله عليهم عندما يظهر في مكة المكرمة فيقول ".. فمن يحاجني في آدم فأنا أولى بآدم، ومن يحاجّني في نوح فأنا أولى بنوح، ومن يحاجّني في إبراهيم فأنا أولى بإبراهيم، ومن يحاجّني في موسى فأنا أولى بموسى، ومن يحاجّني في عيسى فأنا أولى بعيسى، ومن يحاجّني في محمد فأنا أولى بمحمد..."
إن من يملك الحق والحقيقة لا يضره أفكار وأهواء الآخر وتخرصاته وتصوراته، فإذا "جاء الحقُّ وزهَقَ الباطل" فإن كل الحق يكون أقرب لفطرة الناس الشفافة فيخضعون له.
ولأنّ "الحق أبلج" كما يقول علي أمير المؤمنين عليه السلام، فإن أهله لا يستنكفون عن الحوار والمحاجة مع الآخر في سبيل تعريف الناس بالحق، ولا يخافون لومة لائم في التعريف بالحقيقة ونبذ ما علق بها من شوائب حتى لو أخذ العامة بتقديس تلك الشوائب، سواء كانت على شكل أفكار، أو تشكّلت في صورة طقوس. إن أهل البيت عليهم السلام وقفوا بقوة أمام بعض الخرافات والطقوس المبتدعة في الأمة الإسلامية، ليصفو الإسلام في النفوس والعقول. وفي موطن يعلّم الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام أحد الناس دعاء "يا مقلب القلوب ثبّت قلبي على دينك" فقال الرجل مزايداً "يا مقلّب القلوب والأبصار....." فقال له الإمام ناهياً: لم أقل "... والأبصار..؟!" فهذا على مستوى الدعاء، فكيف يكون الأمر على مستوى الأفكار والعقائد؟ سيكون التشديد أعظم.
وكذلك سار علماؤنا على هذا النحو والنهج بدقة متناهية حيث كانوا ولا يزالون ينفون عن الإسلام عامة والمذهب خاصة كل ما علق بهما من شبهات وخرافات وغرائب وأنباء، وخصوصاً فيما يرتبط بشعائر مدرسة أهل البيت عليهم السلام. أما الشعائر التي يقوم بها أتباع أهل البيت عليهم السلام فإنها منظورة-غالباً- من الفقهاء الأعلام الحريصون على نقاوة الإسلام وصفائه، فليس كل ما لم يوجد في عهد النص فهو مبتدع وحرام.
إن النقد الذاتي كان ولا يزال من مميزات مدرسة أهل البيت عليهم السلام، وهو –النقد- من معطيات فتح باب الاجتهاد الذي أغلقه علماء مدرسة الصحابة، ولأنهم تورطوا في المسائل المستحدثة اضطروا لتنشيط وتحريك الاجتهاد في هذا العصر لدى بعضهم.
إن نقد التخرصات والأفكار العالقة بأصول ومسلّمات المذهب هي من مسؤوليات العلماء المؤتمنين عليه بالضرورة، فهم أعرف بأصول الإسلام وفروعه وخصوص القرآن وعمومه من المثقفين الذين يفتقرون إلى تلك المهارات العلمية لاستنباط الحكم الشرعي، فيتخبطون العشواء بطريقة ثقافية مبسترة، ظناً منهم أن أحكام الله عز وجل تصاب بالعقول والقياسات والاستحسانات المجاراة الناقصة لمتطلبات العصر المتحولة.
ثم إن المثقف الشيعي يحاول التنسيق في فكره مع الكم الهائل من العقائد والأحكام التي نهلها من أهل البيت عليهم السلام، بدون الخروج عليها تجاهلاً وتمرداً،بل يبغي وضعها كما هي في قوالب حاضرة ومتجددة استقاء من القواعد الشرعية، وشعاره في ذلك قول أمير المؤمنين عليه السلام "العالم بأهل زمانه لا تهجم عليه اللوابس".
ثم إن المثقف الشيعي داهمته عصور مظلمة من المطاردة والقتل والتشريد والتهميش والإقصاء، فمتى يستطيع أن يقول ما في فكره للوسط الثقافي وقد حُجر عليه فكرياً وثقافياً وإعلامياً وحتى جغرافياً؟ فيصبح الكتاب الشيعي ممنوعاً، والقناة الشيعية مشفّرة، والإعلام الشيعي محاصراً، بل وحتى وظيفياً .. ورغم كل ذلك فإن المثقف الشيعي له حضور ثقافي رائد عالمياً.
تُرى أين كانت أقلام وشاشات وصحف الآخرين أبان الاعتداء الإسرائيلي على لبنان في حرب تموز؟ وأين كانت أقلامهم وإعلامهم عندما نُزفت دماء الأبرياء الشيعة في البقيع قبل عام؟ وأين مثقفو الآخرين من إقصاء الأقلام الشيعية عن الصحف ومواطن الإعلام؟ بل ومنعهم من مساجد الله؟؟ وإذا ما بنى الشيعة مسجداً أو مصلى له في مناطق عمله ودراسته الجامعية فإنه يُهدد بالفصل! فأين النقد الذاتي لهذه الظلامات بحق الشيعة خاصة؟
إنهم يريدون من المثقف الشيعي التمرد على عقائده ومسلماته وطقوسه الممضاة من الفقهاء حتى يثبت شخصيته واستقلاليته وريادته الوهمية. إن المثقفين من أبناء مدرسة الصحابة لا يقوون على النقد لبعض هيئات الدولة، أو بعض الشخصيات المتنفذة -(كما كان أحدهم يقول بأن الأرض ليست بكروية ومن يؤمن بذلك فهو كافر، ولم يجرأ أحد بمحاربة هذه الفكرة)- ، وأما إذا نقدوا طريقة السلفية في التعامل مع القضايا الاجتماعية والسياسية فإنما لأنهم ابتلوا بهم، ونالهم منهم ما لم ينل غيرهم. وهذا النقد للسلفية لا يلزم المثقف الشيعي نقداً لفكره وقواعده ومسلماته. فلماذا يكون المثقف الآخر سالماً وبعيداً عن المساءلة ومواطناً من الدرجة الأولى إذا انتقد هيئة أو شخصية أو وزارة، والشيعي مشكوك في وطنيته لأنه اتبع الفقهاء الذين يبعدون عنه جغرافيا؟ فمالكم كيف تحكمون؟
إن المثقف الشيعي ليس مطلوباً منه أن يقحم نفسه في الإفتاء ومناكفة مصادر التشريع بقدر ما يحاول فهم الحكم الشرعي وتطبيقه على مصاديقه المختلفة والمتحولة بمراقبة الفقهاء الممثلين للإمام الغائب عليه السلام، ولا يعني ذلك إخلاء مسؤولية المثقف من الدعوة إلى الله وتوليد الأفكار الصحيحة لبناء مجتمع ناهض يقوم على قاعدة الحرية.
ختاماً.. فإن أولويات المثقف الشيعي تختلف عن أولويات غيره، رغم أن هناك تقاطعات وطنية نتمنى أن تلتقي وجهات نظر المثقف المواطن عليها، دون التقولب في قالب المذهب التي قد تضيق وقد تتسع، إيجاباً أو سلباً.




تعليقات