( سيدي شاهين ) احتفال أهالي المدينة المتجدد في النصف من شعبان
على رغم الاختلاف الذي شهده احتفال ليلة النصف من شعبان ما بين الماضي والحاضر في مدينة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، إلا إن الأهالي لازالوا يولونه عناية شديدة كتقليد متعارف عليه على مر السنين.
ولا يمكن الجزم بتحديد مدة زمنية لإقامة أهالي المدينة لهذه المناسبة، ولكن الثابت أن الاحتفال لم يكن مقتصراً على الطائفة الشيعية فحسب، وهذا ما يؤكده الأستاذ " محمد الشريمي " في حديثه لشبكة التوافق الإخبارية حول هذه المناسبة.
ويتحدث الشريمي بقوله " أن الطوائف كافة تحيي الخامس عشر من شعبان ، من بينهم الشيعة والصوفية والشافعية، ولعل كثيرين من أهالي المدينة يجهلون سر هذا الاحتفال ويعدونه من الأعياد الإسلامية واحتفاء بالتراث الحجازي المختص بأهالي المنطقة فقط".
احتفال الأجداد مظهرٌ من مظاهر الألفة الاجتماعية
وعن كيفية إحياء المناسبة يضيف الشريمي بأن الحديث ينقسم لشقين فأساليب الإحياء اختلفت عما كانت عليه في السابق ، مستطرداً بأنه قديماً كان يعتبر مظهراً من مظاهر الألفة الاجتماعية والترابط ، وكانت الاستعدادات تتم قبل عدة أيام من يوم النصف من شعبان وذلك بالتردد على الأسواق واصطحاب الأطفال لشراء الملابس والفشار والمشبك ( زلابية ) والمكسرات وكذا القفف ( سلال من سعف النخيل ) كبيرة أو صغيرة لوضع التوزيعات بها، ويقوم الجميع بتبخير البيوت وتنظيف الساحات ورشها بالماء حتى يتم ترطيب الجو وتمنع الأتربة من التصاعد، وفي ليلة المولد يبدأ الاحتفال بعد صلاة العشائيين بين الأزقة الصغيرة للأحياء والتي كانت مجاورة للمسجد النبوي الشريف .
وأما المحتفلين فكانوا يتحركون مجموعات متعددة يترأسها شاب أو شابين يكونان في مقدمة المجموعة يرددون الأناشيد الخاصة بالمناسبة، حاملين العصي من سعف النخيل أو عود الرمان أو نبتة الطرفة ( نبتة تستخدم حول حدود البساتين لمنع الأتربة )، فتقوم هذه المجموعات بالمرور بين الأزقة وبين تلك المنازل المتراصة والملتصق بعضها ببعض وكان لسان حالها في ذلك الزمان يحكى عن التلاحم الاجتماعي والأسرة الواحدة ، فأبواب تلك المنازل مفتوحة لاستقبال هذه المجموعات التي جاءت تهني بهذه المناسبة وتضفى على أجواء طيبة الروحانية جو البهجة والسرور والفرح .
ويسهب الشريمي عن الاحتفال متحدثاً عن هذه المجموعات " تمشى كل مجموعة باتساق ونظام يكون في مقدمتهم شاب يحمل هذه العصا ويكون قائد لهذه المجموعة مرددين الأنشودة المخصصة لهذه المناسبة ( سيدي شاهين ياشربيت ) ويقفون عند كل منزل ويكون صاحب هذا البيت أمام داره بالقفة أو السلة المليئة بالفشار والمشبك والمكسرات والحلوى وبعض النقود , وتقف المجموعة وهى تردد الأهازيج والصلوات أمام المنزل ولا يغادروه إلا عند حصولهم على عيديتهم ونصيبهم من هذه الأشياء , وتستمر المسيرة إلى آخر بيت في هذه الأحياء الصغيرة .
أما أعمار أفراد المجموعة فهي تتراوح مابين ( 25 إلى 6 ) سنوات ومن له القدرة على المسير مرددين
سيدي شاهين ياشربيت, خرقه مرقه يا أهل البيت
إما جواب ولا تواب..والا نكسر هذا الباب
لولا خواجه (فلان صاحب البيت) ماجينا , ولا انطاحت..كوافينا
يحل الكيس ويعطينا
والسادة..والعادة
ستي سعادة هاتي العادة
سيدي سعيد..هات العيد
إما مشبك..والا فشــار
ولا عروسه من الروشــان
ولا عريس من الدهليز
ويقصدون بالعريس والعروسة طفل أو طفله ترمى أو تعطيهم الفشار والحمص والحلاوة ويضعوها في السلال أو القفة، من "الروشان" فهو النافذة أو الشباك المعمول من الخشب وفيه فتحات تستخدم للتهوية وليتمكن أهل البيت من النظر ومشاهدة ما يحصل بالخارج، ويقوم قائد المجموعة بالضرب على الباب بالعصا ليصدر صوتاً متلائماً مع الأنشودة والتصفيق.
النساء والفتيات لهن نصيبهن في إحياء المناسبة
ويتابع الشريمي " أما اليوم التالي فتقوم الفتيات والنساء بزيارة المنازل المجاورة لتقديم التهنئة بهذه المناسبة واخذ العيادي من أصحاب المنزل، كما تكثر في هذه الأيام أيضا الزيارات العائلية والتسوق حيث أن الأسواق تكون مكتظة بالباعة والبضائع والوسائل الترفيهية للأطفال كالمدريهة ( الأرجوحة ) وغيرها من الألعاب.
ويضيف أن الأهالي وخاصة أبناء الطائفة الشيعية يحرصون على إحياء الليلة بالدعاء والزيارة وبالأخص زيارة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وزيارة أئمة البقيع عليهم السلام، كما يحرص الرجال على حضور المجالس الصغيرة التي كانت موجودة في ذلك الزمان للاستماع والتبرك بذكر ى صاحب المولد الشريف عجل الله فرجه .
مفهوم الانتظار يضفي أنماطاً مختلفة على الاحتفال حديثاً
اما في هذه الأيام فيوضح الشريمي بأن الاختلاف متعلق بنمط وطريقة الاحتفال فأصبح الاحتفال أكثر شمولا , فالحفلات تقام في المجالس ( الحسينيات) بإلقاء الكلمات والأناشيد والأشعار وذكر سيرة الإمام الحجة وإلقاء الضوء على السيرة المهدوية، ومحاولة ترسيخ العقيدة في الإمام في نفوس الأجيال والاستفادة من هذه المناسبة في المشاريع التي تخدم المجتمع وتساعد على رقيه وكماله حتى يكون متواكبا ومتماشيا مع فلسفة الانتظار للإمام الحجة بن الحسن صلوات الله وسلامه عليه وعلى آباءه وأجداده .
وعن الاختلاف يقول الشريمي بأنه ناشئ عن اختلاف البيئة الجغرافية لأهالي المدينة والوعي الثقافي للمجتمع الذي يفرض أنماط جديدة للطرح والاستفادة بقدر الإمكان من نشر الوعي الديني والثقافي في كافة المناسبات، واستغلالها كموسم ثقافي لأفراد المجتمع إضافة للعديد من الأسباب.
الجدير بالذكر أن هناك مجموعة من الشباب قد تبنت الحفاظ على التراث المدني لعمل سيدي شاهين بالشكل الذي كان معروفا من قبل في بعض أحياء المدينة المنورة، كما إن احتفالات الجنادرية تشهد سنوياً توثيقاً لكيفية احتفال الحجازيين بالمناسبة التي تعد موروثاً شعبياً.
شاهد الفيديو:




تعليقات