الثقافة المدنية وثقافة التسيير

الثقافة المدنية وثقافة التسيير

كثيرة هي المصطلحات و المفاهيم التي انتشرت في السنوات الأخيرة و صِرْنا نَسْمَعٌ عنها في كل مكان خاصة عبر وسائل الإعلام و أكيد أن مصطلح العولمة و الانترنت اخذا القسط الأوفر من الذكر إلا ن مصطلحات و مفاهيم أخرى يتردد ذكرها كذلك و لكن القليل من الناس من يفهم بعدها الدلالي و سياقها الاجتماعي أو السياسي. و من هذه المفاهيم نجد مفهوم الثقافة المدنية الذي في حقيقة الأمر يعتبر عنوانا جديدا لموضوع قديم لأن الثقافة المدنية في ابسط صورها نجدها تكمن في أدب السماع إلى الآخر حين نتحاور و يمكن أن نجدها في سلوكات يومية بسيطة مثل احترام الكبير أو تبجيل المريض أو إعطاء الطريق حقها كما ورد في الحديث النبوي الشريف.


و ربما توجد في لغتنا الدّارجة عبارات تلخص كل ما قلناه مثل: '' أفْلان مَتربي '' أو " أفْلان ظريف ". كما ترافق الثقافة المدنية عادة عبارة اتيكات عصرية Etiquette و التي هي عبارة على سلوكات جاهزة و مدروسة تجعل من ممارسها بإطراد و بصفة مستمرة شخصا ظريفا و حسن السلوك و ينتمي لعصره، و مواكبا لما يجب ان يكون عليه الإنسان السوي و بعبارة أخرى يقال عنه " جنتلمان gentlemen  ".


و إذا تعمقنا في مفهوم الثقافة المدنية نجدها تمتد الى فضاء المجتمع المدني و ترتبط أساسا بكيفية العيش داخل مجتمع منظم و مبني على مؤسسات حقيقية و تُسييره إدارة قوية. و من أبرز صور هذه الثقافة داخل المجتمع المذكور هو كيفية الحصول على مختلف الحقوق التي تكفلها الدولة و توفرها للمواطنين على شكل خدمات و مساعدات و إلى غير ذلك ....


 لكن هذه الحقوق بحاجة إلى طريق معبدة من الواجبات تصدر عن نفس المواطن، أولها  وكما أرى هو إعلام الغير عن ذاتي – خاصة الهيئات الرسمية – و أخبر بوجودي لأننا لا يمكن أن نتصور شخصا غير مسجل حتى في الحالة المدنية و ينتظر إدارة من الإدارات المسخرة لخدمته أن تسأل عنه و تراسله من اجل أن يتسلم حقا من حقوقه . و كذلك لا يمكن أن نتصور شخصا آخر لم يكون ملفا واحدا مطلوبا في إعلان ما أومن طرف مصلحة ما، ثم يتحصل على ما كانت ستقدمه تلك المصلحة من حقوق او امتيازات لأن القاعدة القانونية واضحة في هذا الشأن حين تنص على أن " الحق مطلوب و ليس محمول " بمعنى ان الحق لمن يطلبه و يبحث عنه و ليس محمولا على الأكتاف لصاحبه لأن ذلك يتحقق و فقط في " طوبة " و هو اسم الجمهورية المثالية التي تحدث عنها افلاطون و صارت تٌضربُ مثلا لكل ما هو مستحيل التحقيق في الواقع و يقال بأن ذلك الهدف أو تلك الغاية " طوباوية ".


أما ثاني تلك الواجبات التي تشكل الطريق السليم للحصول على الحقوق هو سلامة الاتصال لأنه كلما كانت وسيلة الاتصال واضحة و غير معقدة كلما كان الحق واضحا لا غُبار عليه فَمَنْ مِنَّا حاول معرفة طريقة تحرير طلب إداري ؟ و من منا تساءل عن مصير ملفه الذي تقدم به إلى هيئة من الهيئات ؟ بل و من منا امتلك الشجاعة اللازمة و تقدم بنفسه بصفته مواطنا جزائريا، و لم يفكر في الاستعانة بواسطة أو بشخص مهم يقضي له أمرا بسيطا لا يتطلب أي تدخل "Intervention"؟


هذه الذهنية التي اخترعناها مِنْ لَدُنَّّا و أقنعنا بها أنفسنا بأنها الطريق الوحيد للوصول إلى الحق او الخدمة المطلوبة، حتى أصبح الواحد منا بمجرد دخوله الى مكتب أو إدارة أول ما يفكر فيه هو من يعرف من الموظفين  المتواجدين بتلك الإدارة حتى يقضي أمره بسرعة و بالمقابل تنتشر الفوضى و الإحراجات و عدم الانتظام و تزداد الضغوطات الاجتماعية أكثر فأكثر و يزداد الضعيف ضعفا و يفقد المواطن قليل النفوذ ثقته بنفسه في الوقت الذي منحه إياها الدستور بكامل صورتها و لا يشوبها أي لبس. أما ثالث هذه الواجبات التي من المفروض أن تتوفر في أفراد المجتمع كي يحققوا ثقافة مدنية تَرْقى بهم إلى الحصول على حقوقهم، هو واجب التهيكل في جمعيات مختلفة الغايات و الأهـداف و في مختلف القطاعات و يكفي أن تكون جمعيات قانونية و معتمدة لدى السلطات المعنية، لأن الانتماء إلى جمعية ما من شأنه أن يُسَهِلَ التقارب بين المواطنين و يجعلهم يحتكون فيما بينهم و يتبادلون الانشغالات و الاهتمامات و بالتالي تتوحد مطالبهم و تزداد قوة و تأخذ صيغة رسمية و تكفي الجميع عناء البيروقراطية التي تضرب بأطنابها في المجتمعات الغير منتظمة و يشترط في كل هذا أن تكون الجمعيات فعالة و تهدف الى المصلحة العامة و لا تكون اسما من دون روح و لا تكون جمعيات مناسباتية أو مصلحية تزيد في الطين بلة و تكبح بدلا من أن تدفع إلى الأمام.


و لأن المجتمع المدني هو ضامن بقاء الدولة في غياب مؤسساتها فإن تهيكل المواطنين داخل جمعيات يجعلهم يشعرون بتواصل مستمر و حيوية و روح مواطنة عالية ترفع من معنوياتهم و تُطمئنهم على حقوقهم.


و بعد التطرق إلى هذه الصور الثلاث من الواجبات العاكسة للثقافة المدنية التي من شأنها ان توصل إلى الحقوق و تبني مجتمعا مدركا لدوره و وظيفته التاريخية كما يقول الأستاذ مالك بن نبي رحمه الله، يبقى أن نشير إلى أن اضطلاع المسؤولين بدورهم الكامل سيؤدي لا محالة الى اكتمال الدارة الكهربائية التي تجعل من المصباح مشتعل و تظهر لنا الطريق واضحة و جلية و لعل حلم الحكومة الالكترونية e-gouvernance، الذي هو في طريقه إلى التحقيق سيُذلل من الصعوبات التسييرية و يقرب من الثقافة المدنية الصحيحة و الثقافة التسييرية السليمة و يبقى حجر الزاوية في كل هذا هو توظيف الطاقات الكفئة و اللازمة و التي بإمكانها إن تصنع الفارق بين الإدارة العلمية و الإدارة البيروقراطية و تكشف لنا عن التناغم Harmonie الحقيقي الصادر عن مجتمع مدني مثقف و منتظم و إدارة عصرية و قادرة، و بذكر القدرة فإنه لا يجب أن نخلط بين الكفاءة و كثرة الأموال لأن الأموال الكثيرة بدون كفاءة حقيقية تسييرها لا تعني أي شيء و كما يقول جبران خليل جبران:


" المال مثل آلة الأورغ Piano، إنْ أحسنت العزف عليه فإنك ستسمع ألحانا جميلة و ممتعة و إن أسأت العزف فإنك لا تسمع الا نشوزا و أصواتا صاخبة ".

 


 

*رئيس جمعية ترقية و حماية البيئة لولاية خنشلة الجزائر، من أسرة تحرير مساواة

تعليقات

الرجاء كتابة الكود الذي تراه في الصوره:



دخول | » هل انت مشترك جديد؟ سجل الان

تذكرني