التكفير خطيئة لابد أن يتخلص منها العرب والمسلمين " الجزء الأول " :
سليم العوا للتوافق : الشعارات وحدها لا تصنع صحوة إسلامية حقيقية
المقاومة هي الأسلوب الوحيد لتحرير الأرض العربية من قبضة العدو الصهيوني
أكد الدكتور محمد سليم العوا المفكر الإسلامي الكبير أمين عام الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين أن لابد أن تختفي النظرة المذهبية البغيضة نهائيا من حياتنا , فالإسلام كما يقول العوا يسع الجميع والاختلاف من رحمة الله بنا، ولابد أن نعى جميعا دور الغرب والصهيونية العالمية في تشويه قيم الإسلام وزرع الفرقة بين المسلمين وتقسيمهم مذاهب وأحزاب .
وقال العوا أن حزب الله كان سيق في خانة الخطأ لو خطط للقيام بعمليات عدائية في مصر أما رصد الصهاينة على أرض مصر فهو ليس بالخطأ الذي يعاقب عليه حزب الله.
وأشار العوا في حواره مع " شبكة التوافق الإخبارية " إلى أن الدول العربية لن يطول بها الوقت قبل أن تهب لنجدة الشعب الفلسطيني وتخليص مقدساتنا من الاحتلال الصهيوني.
وأرجع المفكّر الإسلامي الكبير فساد حياة المسلمين في مختلف مجالاتها إلى إبعاد الدين وأحكامه وتعاليمه عن توجيه وإرشاد الناس مُحذّرا من خطورة السعي إلى حلّ المشكلات المعاصرة برؤية وفكر العلماء والمجتهدين السابقين لأن في ذلك إساءة للشريعة والمجتهدين فلكل عصر فقهاؤه ومفكّروه ومجتهدوه , مؤكدا أن باب الاجتهاد باق إلى قيام الساعة لأن الإسلام في أصله قد صيغ على الاجتهاد.
وأشار إلى أن التعدّدية والاختلاف في الأفكار والرؤى والاجتهادات أية من آيات الله تبارك وتعالى في خلقه وبالتالي فلا مجال ولا يصح إنكارها أو الاختلاف عليها ,داعيا أصحاب وروّاد الصحوة الإسلامية المعاصرة إلى تجسيد أفكارهم ورؤاهم في حياتهم العملية لأن الشعارات وحدها لا تصنع صحوة إسلامية حقيقية حتى وإن كانت شعارات في جوهرها سليمة وحقيقية.
وفيما يلي ما جاء في الحوار الذي أُجرى معه:
التكفير
التوافق : لماذا يلجأ البعض منا لتكفير الأخر سواء من الجانب السني أو الجانب الشيعي ؟ وكيف نتخلص من هذه الآفة ؟
العوا : لابد أن يدرك كل مسلم أن اختلافه عن أخيه المسلم لا يعني تكفيره، فاختلافنا عن بعضنا البعض في جزئيات أو فرعيات متعلقة بالعقائد لا يخرجهم من ملة الإسلام، وبعض الناس يرون أن من ليس على مذهبهم الفقهي والعقائدي يخرج من ملة الإسلام، وأنا لا أري هذا، الإسلام يتسع للجميع من أهل القبلة، والاختلاف من رحمة الله بالناس، وهؤلاء جاءتني منهم ردود فعل سلبية كثيرة خصوصًا الذين يريدون أن يكفـّروا الشيعة تكفيرًا تامًا، ولاموني لومًا شديدًا وبعضهم قال في ما يقولونه في الشيعة، وهذا شأنهم وإن شاء الله يغفر لي ولهم.
التوافق : و ما رأيكم في تسييس الصراع بين السنة والشيعة؟ وهل هناك مبرر للخوف من إيران على أساس أنها معقل معتنقي المذهب الشيعي في العالم الإسلامي؟
العوا : إيران لم تكن سنية مع الشاه، ثم أصبحت شيعية فجأة مع العلماء، إيران شيعية طوال حياتها، ونحن لم نرَ من إيران أي أذىً على مدى التاريخ، وأيام حكم الشاه كانت إيران حليفة لإسرائيل عندما كنا نحن نحارب إسرائيل، ولم نقطع العلاقات معها ولم نهنها ولم نعاملها معاملة سيئة، الآن إيران عدوٌ لإسرائيل حليفة للمسلمين، تقف مع المقاومة بكل قوتها مادياً ومعنوياً وتسليحاً وتدريباً، ونحن نقف ضدها، معايير الحكومات العربية والإسلامية مقلوبة، وينبغي أن تكون إيران في موقع الصديق لا في موقع العدو، ويجب أن تكون تركيا كذلك في موقف الصديق لا العدو.
التوافق : ماذا عن رأيك فيمن يقولون أن حزب الله أخطأ بالعمل داخل مصر ؟
العوا : حزب الله لم يعمل داخل مصر ضد النظام أو الشعب المصري فحزب الله ومن منطلق عمله الذي ينصب على مقاومة العدو الصهيوني كان لابد في هذا النشاط المشروع بل الواجب شرعًا، في نظر القائمين به من التعرف على الإسرائيليين، وعلى أمـاكن تواجدهم خارج إسرائيل، ليس لاستهدافهم خارجــها ـ داخل الأراضي المصرية ـ وإنما للتقرب منهم، والإفادة بهم في تهريب السلاح للأراضي الفلسطينية، ومعرفة كل المعلومات الممكنة عن إسرائيل من الداخل، بل وتجنيد بعضهم كما يُجندون بعضنا، وذلك جميعه أن منهم تجارًا للسلاح، وليس بخافٍ على أحدٍ أن أحد أهم مصادر السلاح الرئيسية للمقاومة الفلسطينية هم تجارُ السلاح الإسرائيليين من ضباط جيشها وجنوده، وهذه حقيقةٌ تعلمها المخابرات المصرية والمخابرات الإسرائيلية حق العلم!!
وفي هذا ما يكفي للقطع بأن استهداف الإسرائيليين داخل الأراضي المصرية لم يكن أبداً من أهداف المتهمين، بل إنه أمرٌ مُحرَّمٌ عليهم، في خطة عملهم وتوجيهات المسؤولين عنهم لهم.
وإذا كان الإسرائيليون غير مستهدفين داخل الأراضي المصرية فمن باب أولى ألا يكون المصريون أنفسهم مستهدفين من المتهمين، أو من قيادة حزب الله، والمصريون هنا تعنى الشعب والقيادة والأرض والنظام العام، فكلُّ ذلك مُحرَّمٌ فقد أعلنت قيادة حزب الله أن استهدافُ الإسرائيليين العاديين، أو السائحيـن، والسفن الإسرائيليـة المارّة بقناة السويس، والقيام بأية أعمال عسكرية ضد إسرائيل، بصفةٍ عامةٍ، داخل الأراضي المصرية، كانت جميعها مُحرّمَات على المتهمين بقرارٍ واضحٍ وصريحٍ من قيادة حزب الله.
ويستتبع ذلك لزوماً وعقلا أن تكون المصالح المصرية عموماً محرمة من باب أولى .
المقاومة حق أصيل
التوافق : وماذا تقول عن المقاومة المسلحة والتشكيك في شرعيتها ؟
العوا : المقاومة في عرف الفقهاء والقانونيين هي التعبير الحيّ عن البقاء، والصنـو المرادف للحيـاة، والحقيقة المساوية لجوهر الوجود، وما استمرارُ الإنسانِ ذاته إلا نتاجٌ لعوامل المقاومة والبقاء، داخله، ضد أسباب الفناء وعوامل الهلاك.
إذ ما إن تنتهي منه سمات المقاومة وصفاتها، وإرادة الحياة وأدواتها حتى يحكم عليه بالموتِ والفناء، وكذلك الأمرُ بالنسبة للشعوب والأمم، والدول والجماعات.
والمقاومة المستمرة، في كل أوطان العرب، أثبتت أن هذه الأوطان تسكنها شعوب لا قابلية لديها للاستعمار، ولا ترتضي الضيم، ولا تستنيم إلى الذل، بل هي شعوب تقاوم جيلا بعد جيل، لا يتوقف جهادها إلا تحرفًا لقتال أو تحيزا إلى فئة، ولا يصيبها مصاب في مجاهديها إلا كان في الناشئة من يسد مسدَّه ويقوم مقامه .
التوافق : كيف ترى حل القضية الفلسطينية في ظل تزايد الخلافات العربية بشأنها وكل طرف يرى حلا من وجهة نظره ؟
العوا: هناك حل اسمه حل الدولتين ولا حل الدولة الواحدة، هناك حل واحد فقط للمشكلة الفلسطينية هو استمرار المقاومة حتى ينهزم المشروع الصهيوني وتنكسر شوكة إسرائيل، حينها نتحدث عن الحل، نحن الآن في حالة حرب مع إسرائيل، وفي حالة الحرب لا نتكلم عن احتمالات السلم أو أي حلول أخرى، هذا تخريف، أي كلام عن حلول سلمية هو خرافة، الحل الصحيح هو المقاومة والجهاد، بغير ذلك لن تحل القضية ولا أمل في حل الدولتين ولا في ثلاث دول، ولن تقوم لنا قائمة طالما تركنا حقنا وواجبنا في الجهاد، الطريق الوحيد لحل مشكلة فلسطين هو المقاومة والحرب حتى تنكسر دولة إسرائيل .
التوافق : تواجه الشريعة كثيرا من الاتهامات بأنها نصوص جامدة غير مواكبة لمتطلبات العصر وحاجياته ويستدل أصحاب هذه الاتهامات بقولهم أن باب الاجتهاد مغلق.. فما حقيقة هذه الاتهامات؟
العوا : إننا في العالم الإسلامي نواجه مسائل ومشكلات شديدة الخطورة في حياتنا الثقافية والسياسية والدينية، ويتعامل معها نسبة كبيرة من العلماء برؤية العلماء والفقهاء السابقين، وهذا سلوك يسئ إلى شريعتنا الإسلامية وإلى العلماء أنفسهم، فكل عصر له مشكلاته وعلماء كل عصر ينبغي أن تكون لهم رؤيتهم في التعامل مع الواقع الذي يعيشه المجتمع، والمقاصد الشرعية كلها تؤكد صلاحية الشريعة الإسلامية للتشريع المتجدد ومرونة أحكامها واستهدافها مصلحة الإنسان في كل مكان وزمان.
ولقد صيغ الإسلام كله على أساس من الاجتهاد المحكوم بقاعدة واحدة هي ألا يخالف المجتهد نصا صريحا في كتاب الله أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وأن يسعى بعد ذلك بكل طريق أباحه الإسلام لمعرفة الحكم الشرعي للمسألة التي يبحثها وقد أباح الإسلام كل طرق السعي العقلية لتحقيق مصالح الناس.
إن الإسلام حين نُفي عن حكم الواقع وقعد الفقهاء مُضطرّين أو مختارين عن ممارسة الاجتهاد الفقهي في أمور الناس اليومية، وقع ما وصفه الإمام ابن قيم الجوزيّة وصفا دقيقا بقوله:(لقد أحدث الناس – حين قعد الفقهاء عن التفقيه والتعليم والتأصيل والتحليل والتنظير- من أوضاع سياستهم فسادا عريضا وظن الحاكمون أن الشريعة قاصرة لا تقوم بمصالح العباد) والجملة الإعتراضية من عندي مقولة ابن القيم إنه حيثما أسفر وجه العدل فثمّ شرع الله ودينه، فليس للشرع ولا للدين وجهان أحدهما عادل والآخر ظالم، أو أحدهما عادل والآخر نصف عادل، إنما للدين وجه واحد وللشرع وجه واحد هو العدل الذي أنزل الله سبحانه وتعالى من أجله كتبه وبعث به رسله وأقام به السموات والأرض.
وقد كان اجتهاد ابن القيم مقابلا لاجتهاد آخرين قالوا:لا سياسة - أي لا طريقة في تدبير مصالح الناس- إلا ما نطق به الشرع.
فرد عليهم ابن القيم وقال لهم:إن أردتم ما نطق به نصا وقعتم في أمرين: في الخطأ لأنه لا دليل على قولكم . وفي تخطيء الصحابة والتابعين لأنهم ابتغوا الحكمة حيث كانت ونقلوها من ديار الروم وديار الفرس وديار المصريين إلى ديار الإسلام الأولى وأقاموها فيها. فقولكم غلط وتغليط للصحابة والتابعين لأنهم لم يجمدوا على النصوص.
والمقصود بالجمود في كلام ابن قيم الجوزية الوقوف عند الحد المحدود الذي ورد به كتاب الله وسنة رسوله وليس المقصود به العمل بالنصوص لأن العمل بالنصوص واجب في كل عصر حيثما كان هناك نص.
إن نصوص الإسلام لا يُبدّلها الترك ولا يُسقطها الإهمال ولا تنتهي قوة نفاذها بالتقادم الطويل أو القصير ولا البطء أو السريع، فنصوص الإسلام باقية عاملة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، عمل بها من عمل وتركها من تركها، يأثم التاركون ويُثاب العاملون.
أما قول الفقهاء القدماء إن الصحابة لم يجمدوا على النصوص فإنه لا يُفهم منه أبدا, كما فهمه بعض المعاصرين, أن الصحابة أهملوا النصوص وتركوها وراء ظهورهم، ولكن يفهم منه أنهم حيثما لم يوجد نص جعلوا المصلحة نصب أعينهم ومبتغى سعيهم فحقّقوها حيثما كان هناك سبيل إلى تحقيقها.
نهاية الجزء الأول




تعليقات