لافتات
بغداد .. غفت منذ قليل على انفجار هزّ أزقتها ، عائد للتو من مكان عملي خائف مفزوع لأني لا أعلم من أقراني وأقربائي قد خُطفت روحه في هذا الأنفجار الأخير .. طلقات من سلاح آلي أشعر أنها مرت للتو من فوق رأسي لأن طنينها لايزال في سندان آذني يدق ويدق معه قلبي .. أحداً ما أعرفه قد زهقت روحة تحت تلك العجلات الرهيبة التي يدّورها الإرهاب بانتظام .. مئآت .. آلاف اللافتات السوداء.. تتجدد كل يوم على حيطان المحلة التي أسكنها .. حتى لتخاله سيفرغ من البشر في يوم قريب .. الكل يموتون بـ "حادث مؤسف" لمن يخاف أن يكتب " عمل جبان" لئلا يدور هذا الجبان عليه ويقتله هو الآخر ، لذلك كانت عبارة حادث مؤسف مرضية للطرفين نوعاً ما .. القاتل والمقتول .
كان من المفرح أن تجد لافتة سوداء ومكتوب عليها " الفاتحة على روح فلان الذي توفي أثر مرض عضال " على الرغم من أنها قليلة وكأنهم منعوا الموت بالأمراض وأقتصر الموت على مطحنة الموت ! وفي المتنبي حيث ألتقي كان كل يوم يحمل لك مفاجئة حتى قبل هذا العنوان.. فجانبي الشارع يتناوبان اللافتات مرة على جهة اليمين منه وأخرى الى اليسار بتعاقب عجيب ..
في ساحة الرصافي عندما تحاول عبورها للوصول الى الجهة الثانية كان عليك أن تركض بسرعة لئلا يصيبك قناص في أية لحظة يتراءى فيها راسك أمامه كهدف .. فترى الناس يركضون الواحد تلو الأخر وكأنهم في سباق مع طلقة الموت تلك .. فأنت إذا سمعت صوت إطلاق نار عليك أن تجمد مكانك وإلا كانت التالية تطيح بدماغك الذي لايشغله شيء أكثر من العودة لأطفالك سالماً هذا المساء .. فجأة يسقط أحد العتالين في الساحة لقد أصابته رصاصة في رأسه .. مع الأسف لم يهنأ برزق اليوم !
لم نفكر حينها لماذا هذا القتل المنظم أو حتى لما يقتل العتالون وأصحاب العربات الحديدية الذي يعملون بأكثر الضروف قسوة .. ترى هل هم من العملاء أو هل هم من الأمريكان أو قد يكونوا جواسيس أو ... أسئلة كثيرة تفوق كل علامات الأستفهام في العالم ..
ودأبنا على هذا الحال لم يفرغ شارع محلتنا يوماً من لافتاته السوداء والبيضاء حتى ليأتي يوماً لا تجد مكاناً للافتة واحدة لتضعها .. ويأخذك خيالك بعيداً وتتأمل لافتة مكتوب عليها أسمك أو أن يصل الدور لك لتغادر المحلة .. وأشد الخوف أن ترى أسماً يشابه أسمك وأنت تغادر صباحاً لساحة المعركة ،عملك، فيصيبك نوعاً من الاشمئزاز من هذا الفأل السيئ حتى تفكر أن تترك العمل اليوم وتعود ولكن هيهات العودة ، لتستمر متبع طريق ميسمي في باب المعظم تبتعد به عن أزيز الرصاص ورائحة البارود المنتشرة من حفلة المساء الماضي .. وحتى رائحة الشواء ولكن للحم بشريّ !
ذكريات قليلة من مفكرة العراق الذي ألفته يد الإرهاب الذي كتبته بالدم النبيل لكل شهيد من أبناء العراق .. واليوم عندما ندخل محلتنا لا نجد تلك اللافتات التي تشير الى الحوادث المؤسفة ولا إلى شهيد سعيد إلا نادراً حتى لتثير الأستغراب في نفوسنا ولكن من له مثل قلوبنا وما عاصرته فتلك ليست سوى قطرة من بحر إزاء ما كنا نعانيه قبل سنوات !




تعليقات