د . عبد الغني عبود : ضرب التلاميذ في المدارس ضرره يفوق نفعه
هل يُـقر الإسلام العقاب البدني ضد التلاميذ ؟!
بعد موت تلميذ وتلف عين آخر على أيدي المدرسين
فجأة اجتاحت حمى العقاب البدني المدارس في مجتمعاتنا العربية والإسلامية وللأسف الشديد فإن العقاب البدني الموقع على التلاميذ وصل لمرحلة القتل والإصابة بالعاهات المستديمة ففي مصر توفي تلميذ يبلغ من العمر عشر سنوات إثر تعرضه للركل في قلبه من قبل مدرسه الذي فوجئ بالطفل ملقى على الأرض بلا حراك.
ولم تكد تمر أيام قليلة على هذا الحادث إلا وفوجئنا بمدرس يفقأ عين تلميذ من تلاميذه في إحدى مدارس مدينة الفيوم جنوبي مصر ومثلما حدث في المرة الأولى أقسم المدرس أنه لم يقصد ذلك وان الطفل هو الذى استفذه بمشاغبته أثناء الدرس كما قام مدرس بالاعتداء على ١٥ تلميذاً بيد "مقشة" في محافظة الغربية فأصابهم بكدمات في اليدين والفخذين بحجة إحداثهم حالة من الهرج داخل الفصل.
ويقول تقرير لمنظمة اليونيسيف الدولية أن العنف في داخل البيئة المدرسية ينتشر في عدد كبير من الدول العربية حيث تجيز الثقافة والعادات العقاب الجسدي ويُعتبر العنف النفسي أكثر أشكال التأديب شيوعاً في المدارس العربية فضلاً عن انتشار التأديب بالضرب وتشير الدلائل إلى أن أشكالاً عدة من عنف المدارس ما زالت تُمارس في دول عدة وعلى رغم حظر العقاب الجسدي في المدارس في بعض الدول إلاّ أنه ما زال يُمارس ولا تزال البلاغات تتوالى عن حالات عقاب جسدي في العديد من المدارس العربية وهو ما يطرح سؤالا مهما :
هل يُقر الإسلام العقاب البدني ضد التلاميذ وكيف نواجه تلك المشكلة ؟ شبكة التوافق الإخبارية وضعت السؤال على مائدة علماء الدين وخبراء التربية وعلم النفس والإجتماع ورصدت إجاباتهم في التحقيق التالي :
اسس تربوية
عن الأساليب الصحيحة للتربية والتعليم ويقول الدكتور عبد الغني عبود أستاذ أصول التربية بجامعة عين شمس : أن الهدف الرئيسي للعملية التربوية في مجال التعليم هو أن يقوم المدرس بمساعدة التلميذ على النضج بشكل يتناسب مع سنه وان يكمل الدور الذي تقوم به الأسرة في التربية بل تقويم الأخطاء التي تقع فيها إذا لم يكن أفرادها ذوي مستوي ثقافي مقبول حتى لا يعود التلميذ إلى تكرار السلوك اللاجتماعي أو الخروج على النظام المدرسي فإذا كان التلميذ في المدرسة لا اجتماعيا أو عدوانيا أو متمردا فإن وظيفة المدرسة بوصفها مؤسسة تربوية أن تعرف لماذا أصبح هذا التلميذ.
كذلك وأن تحاول بالوسائل البنائية التربوية تعديل سلوكه باستخدام الترغيب ثم الترهيب او الثواب ثم العقاب و إن لم يؤد الترغيب او الثواب إلي النتائج المرجوة منه القوة بطريقة معقولة للحصول على ذلك إذا لزم الأمر لأن العقاب البدني أو النفسي وان كان مفيدا في المدى القصير من حيث آثاره في تحسين الاستجابة إلا أن ضرره في المدى الطويل يفوق نفعه في المدى القصير ذلك لأنه يزرع في نفس التلميذ أن لا يقوم بواجباته أو المذاكرة إلا بالعقاب لا العقل و وفي بعض الأحيان يثير لديه ردود أفعال انتقامية خاصة أن العقوبة البد نية يوقعها المعلم وهو في حالة غضب, ومن ثم يدرك التلميذ أنها عقوبة ظالمة.
وأوضحت الدراسات الميدانية المقارنة التي أجريت علي الجريمة والعقاب أن العقاب البدني خاصة لم يفلح قط كوسيلة البدنية أو النفسية تفقد تأثيرها بمجرد توقيعها وأشار إلى أن علماء الانثروبولوجيا و التربية توصلوا إلي أن أزمة المراهقة لا وجود لها في المجتمعات البدائية بسبب علاقة الفهم والتسامح التي تشيع في هذه المجتمعات بين الآباء و الأبناء وبين التلاميذ والمدرسين لأن الأطفال الذين يتربون في ظل فلسفة أسرية ديمقراطية عادة ما يكونون ان أكثر حيوية وجرأة و استعدادا للزعامة ووضع خطط أعمالهم بأنفسهم أما الأسرة او المدرسة التي تلجأ إلي العنف والقسوة في تربية أطفالها, فهي تجعل الابناء تعساء في دراستهم بل وأزواجا فاشلين في المستقبل لافتقارهم إلي الصحة النفسية السليمة التي تؤهلهم للقيام بدورهم في الحياة بشكل طبيعي .
ولهذا أدعو المعلمين في المدراس أن يكفوا نفسه عن عقاب تلاميذهم بدنيا أو نفسيا وخاصة في بداية التعامل مع طلابهم لظنهم ان هذا مظهر قوتهم مع انه في الحقيقة مظهر وعلامة ضعف لأنهم فشلوا في التقويم باستخدام العقل الذي ميز الله به البشر دون بقية المخلوقات .
رعاية نفسية
ويرى الدكتور سيد صبحي أستاذ الصحة النفسية بجامعة عين شمس ان قيام منظومة التعليم على العنف يدل على تخلفها وأنها لن يؤدي إلى وجود تلاميذ أسوياء بل انه سيخلق إنسانا جبانا متخلفا غير قادر على اتخاذ قرار بل وغير قادر على السير في الحياة بدون إرهاب نفسي يصل إلي درجة العنف مهما كان سنه كبيرا ولكن للأسف فان من يلجاون للضرب سواء من المعلمين أو الأهل فهم في الحقيقة تربوا على هذا الأسلوب المتوحش والعدواني ولهذا لديهم يقين بأن أطفالهم لن يفهموا إلا بالضرب ويغفلون جانبا هاما جدا هو ان التلميذ سيفقد جزء هاما من شخصيته نتيجة الخوف والقلق والارتباك ولهذا فنحن في حاجة ماسة إلى تغيير ما في عقول الآباء والأمهات قبل المدرس .
ولهذا أن استخدام العنف بكل صوره بدءا من التعنيف باللسان الي الطرد من الحصة وصولا إلي الضرب باليد ويصل قمته حين يصل إلي العصا التي هي أسوأ مؤشر للعنف لها فيها من قهر الذي سيؤدي الي هزة نفسية لدي التلميذ فيفكر في وسائل هروبية لتجنب العنف عن طريق الكذب والتحايل .
ويشير إلى أن الدراسات الميدانية تؤكد ان الطفل حينما يعيش علي التشجيع يتعلم الأقدام والثقة بالنفس وحينما يعيش المد يح يتعلم التقدير والإعجاب وحينما يعيش المساواة يتعلم العدالة وحينما يعيش على الأمن يتعلم الثقة بالنفس وحينما يعيش على الاستحسان يتعلم تقبل الذات وحينما يعيش على القبول والصداقة يتعلم كيف يحب في هذا العالم وحينما يعيش التسامح يتعلم الصبرو لكن حينما يعيش الطفـل على السخرية يتعلم الخجل وحينما يتعلم الادانة يتعلم الاتهام وحينما يعيش على الشعور بالإثم يتعلم الشعور بالذنب وحينما يعيش الطفـل الشعور العداء يتعلم العنف فمثلا في مرحلة رياض الأطفال يجب ان تكون أشبه بحديقة الأطفال الذين هم مثل نباتات الحديقة يجب ان نتولاها بالعناية الفائقة لتنمو وتزدهر وان نهتم بقيمة اللعب والخبرات الحسية بالأشياء كأساس لتعلم الطفل وتتضمن مبادئه إعداد الأطفال ليعبروا عن ذاتهم وينموا شخصيتهم ويشاركون اجتماعيا .
وينهي كلامه بالتأكيد على أن العقاب المستمر للمتعلم يؤدي إلى قيام المتعلم بالتنفيذ الآلي للأوامر والتعليمات دون حماس نتيجة للخوف من العقاب وليس حبا في العمل ذاته وقد يولد العقاب النزعة العدوانية لدي المعاقب وقد يدفع بعض المتعلمين إلى التمرد علي النظام وزيادة نسبة الغياب إضافة إلى انه يصيب المتعلم بحالة من التوتر والقلق ويؤدي إلي كراهية بعض المعلمين وكراهية المدرسة بشكل عام ويؤدي إلى تثبيت السلوك غير المرغوب فيه بدلا من إزالته .
وفي المقابل هناك العديد من الآثار الايجابية فهو يسهم في إحساس الطالب المخطيء بتقصيره أو إهماله فلا يعاود ما اقترف أو يعود إلى ما عمل كما انه يحقق النظرية الوقائية أي حماية المجتمع المدرسي من الانحراف السلوكي لبعض التلاميذ فالعقاب لهم وسيلة لهدف أسمي والعقاب يمثل ردعا للآخرين حتى لا يصدر عنهم أي انحراف سلوكي و ينبغي أن تكون هناك شروط للعقاب منها: العدالة من حيث التأكد من قيام التلميذ بفعل يستحق العقاب وأن يتناسب نوع العقاب مع نوع الخطأ في السلوك وأن يتماثل جميع المخطئين في توقيع نفس العقوبة عليهم وتقدير ظروف المعاقب وحالته النفسية والصحية وعدم الإسراف في العقاب أو التهديد به حتى لا يفقد قيمته وأن يحدث بعد ارتكاب الخطأ مباشرة حتى يدرك التلميذ سبب عقابه, وألا يكون من الضعف بحيث لا يجدي أو من الشدة بحيث يشعر التلميذ بالظلم أو من النوع الذي يجرح الكبرياء.
العقاب البدني بحدود
وعن رأى الدين في هذه القضية يقول الدكتور محمد أبو ليلة الأستاذ بجامعة الأزهر : العلاقة التى تربط بين المعلم والتلميذ يجب أن تظل دائما علاقة الود والإحترام المتبادل لأن تلك العلاقة لو تحولت لعلاقة ضارب بمضروب فإن التلميذ لن يقبل من معلمه أى معلومة والمعلم سيفشل فى التواصل مع التلميذ ومن هذا المنطلق لا يجوز للمدرس أن يضرب تلميذه لمجرد وقوع أى مخالفة بسيطة منه وإنما يلجأ إلى الضرب بأى حال من الأحوال لأن الأصل في معاملة التلاميذ اللين والرحمة بهم ومن الممكن أن يتدرج المعلم من الأخف إلى الأشد إن لم ينفع اللين بشرط أن يكون الغرض من تلك الشدة حسن التربية فعلى المدرس أن يرشد الطالب إلى الخطأ بالتوجيه فقد ورد فى الأثر عن عمر بن أبي سلمة رضي الله عنه أنه قال :" كنت غلاماً في حجر الرسول صلى الله عليه واله وسلم وكانت يدي تطيش في الصحفة - تتحرك في وعاء الطعام فيأكل من عدة أماكن- فقال لي رسول الله صلى الله عليه واله وسلم : يا غلام سم الله وكل بيمينك وكل مما يليك " .
ويضيف : منع العنف بين المدرس وتلاميذه لا يعنى أنه لا يجوز للمدرس استخدام أساليب عقابية أخى فيجوز له أن يوبخ الطالب المخطئ بالكلام الهادئ أولاً ويجوز أن يعنفه بشدة فإذا لم تفلح هذه الأساليب ولم تأت بالثمرة المرجوة منها فحينئذ يجوز استعمال الضرب الخفيف كوسيلة من وسائل التربية وتقويم السلوك عملا بالحديث الشريف الذي قال فيه الرسول صلى الله عليه واله وسلم : " مروا أبناءكم بالصلاة وهم أبناء سبع واضربوهم عليها وهم أبناء عشر " وبلا شك فإن العلاقة بين المدرس والتلميذ هي علاقة أشبه ما تكون بالعلاقة بين الأب وابنه ولكن الضرب الذي أقصده هنا ليس الضرب المبرح الذي يؤذي الطالب في بدنه ويترك أثارا سلبية عليه وعلى نفسيته فالضرب المقصود هنا هو الضرب غير المبرح وغير المؤلم ولا يجوز الضرب على الوجه أو الرأس أوالمواضع الحساسة من الجسم حتى لا يلحق الضرر بالمضروب كما يجب ألا يترك المدرس نفسه فريسة للغضب وهو يعنف تلميذه حتى لا يتسبب الغضب في فقدانه السيطرة على نفسه وبالتالي قد يؤدى ذلك إلى إصابة التلميذ المضروب بإصابات بالغة لكن يجب أن يتذكر كل مدرس أو معلم أن الصحيح هو أن يستخدم القدوة الحسنة و الموعظة الحسنة أو الترغيب و الترهيب في تعليم وتلاميذه وتربيتهم .
الدروس الخصوصية
من جانبه يشير الشيخ فرحات المنجي الداعية الإسلامي المعروف إلى أن العنف المدرسي انتشر للأسف الشديد في ظل الخلل الذي أصاب العملية التعليمية برمتها وأصبح المدرس جل همه إنهاء الوقت المخصص للمدرسة بأي شكل للتفرغ لمسيرة الدروس الخصوصية كما ان المدرس أصبح الأن يعاني من الضغط النفسي الشديد بحكم خروجه من منزله منذ السادسة صباحا ولا يعود إلا بعد منتصف الليل من رحلته الطويلة بين المدرسة ومنازل التلاميذ الذي يعطيهم الدروس الخصوصية وبالتالي أصبح الوقت الذي يستريح فيه المدرس وقت قصير يجعله يعاني من التوتر الدائم ولهذا سرعان ما يفقد أعصابه مع اول مشاغبة يشعر بها داخل الفصل من تلميذ أو أكثر ويأتي عقابه بصورة مبالغ فيها في الكثير من الأحيان.
أما لو كان المدرس قد خرج من منزله بعد نومه عدد ساعات كافية وشعوره بالأمان النفسي والاجتماعي والقناعة بما رزقه الله فسوف تأتي ردود أفعاله على مشاغبة التلاميذ عقلانية ومناسبة للحدث وبالتالي لم نكن لنشاهد أو نسمع عن حالات وفيات التلاميذ داخل المدارس أو إصاباتهم تلك الإصابات الجسيمة التي نسمع عنها بين الحين والآخر .
ويضيف الشيخ المنجي : حل تلك المشكلة من وجهة نظري يتم على خطين متوازيين أولا مكافحة الدروس الخصوصية ونشر قيم القناعة بما قسمه الله للإنسان من رزق بين كل طوائف المجتمع ومنها طائفة المدرسين حتى يتوقف المدرس عن الهرولة وراء الدروس الخصوصية لما يجنيه من ورائها من أرباح طائلة وبما لها من تأثير سلبي على صحته وأعصابه بعكس المؤمن القانع بما رزقه الله حيث يكون عميق الإحساس بما من الله عليه من نِعم، فهو يرى نِعم الله عليه في عافيته يراها في ولده يراها في مطعمه ومشربه، يراها في مسكنه، يراها في هدوء نفسه وسكينتها يراها في هداية الله له للإسلام، يراها في كل شيء حوله، وهذا الإحساس بالنعم يمنحه شعورا بالرضا بما قسم الله له من رزق، وما قدر له من مواهب، وما وهب له من حظ وكل ذلك ينعكس على أسلوبه في العمل فإذا كان بائع لا يغش زبائنه وإذا كان مدرس لا يكون عنيفا مع تلاميذه ولا فظا ولا غليظ القلب بل يكون رقيقا ومقدرا لرسالته السامية ومسؤوليته عن تخريج أجيالا واعية تخدم الأمة والإسلام خير خدمة .
وبعيدا عن نشر قيم القناعة علينا ايضا أن نوجد اليات للثواب والعقاب للتلميذ والأستاذ في آن واحد حتى يدرك كل منهما انه إذا أدى ما عليه من واجبات فإنه سينال الثواب المقابل لهذا فالمدرس سيبذل قصارى جهده حينذاك من أجل تعليم تلاميذه دون اللجوء للعنف المفرط فيه لإدراكه أن العنف لن يجر عليه إلى الخسارة وكذلك التلميذ سيفعل ما يستطيع من أجل الفوز بالثواب ولن يلجأ للمشاغبة وحتى إذا كان لدينا القلة ممن يلجأون للمشاغبة فإن أساليب العقاب المختلفة بعيدا عن الإيذاء البدني المفرط فيه ستكون كافة لردع من تسول له نفسه الخروج عن النظام العام .




ثلاثة من أولادي طلبة وقراري نحوهم
“نحن الآباء لن نسمح للمدرسين باظهار عقدهم النفسية على أبناءنا - حماية أولادنا أهم من الطعام والشراب”
أب
تعليقات