النسيان في عالم الإنسان

النسيان في عالم الإنسان

الإنسان  ..الطيني النشأة ..المزيج الصلصالي .. الـُمسيّطر على الأرض منذ وطأها أبوه آدم عليه السلام ،خــلِـق من الأرض  وتكيّف وعاش فوق الأرض ، ُوُدفِن وعاد في أعماقها، مابرح يسايرها ويتلائم مع ظروفها ، ليظل الخليفة المهيمن عليها ، إنه مزيج من الماء والطين ، لكن بعـقـل ، إنه مخلوق معـقـد التكـوين لا يعرف مكنونه إلا صانعه ، فمهما تعـلمنا من العلوم ، ومهما تطببنا وشرّحَنا أجساد أسلافنا  سوف نظل نجهل أعماقه و خفاياه ، قال تعالى ( وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً ) (85)  سورة الإسراء .

لقد أمرنا الباري بمعرفة ما يجري داخلنا ، وما تحويه أعماقنا ، قال تعالى  ( فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ ) (5) سورة الطارق ،إنه أمر الهي بتسليط الضوء على جسم الإنسان وماهي خفاياه وأسراره ، وقال الإمام علي (عليه السلام ) : أتحسب إنك جرم صغير وفيك أنطوى العالم الأكبر .

حسب فهمي القاصر ، أحببت أن أهرج عن نعمة يتمتع بها الإنسان دون أن يعلم ، وهو يعتقد إنها سلبية بالنسبة له، سنتحدث عنها لاحقاً ، لأننا  بداية سنثرثر عن ماهية التكوين والتركيب الجسم الآدمي ، لذا سنبدأ الشرح فأرجوا التركيز.

 أرى إن منظومة جسم الإنسان خليط  مركب من مكونين هما :

( حسي ) و ( مادي )

 والحسي ينقسم إلى خطين :

 ( حسي داخل ) و ( حسي خارج )
 
أما المادي فمكون من خلـيطين :

 ( مائي وهو الماء ) و ( صلب وهو التراب )


بحثنا هنا سيركز على ( الخليط الحسي ) بالذات ،لكن لا يمنع أن نستطرد الحديث عن ( الخليط المادي ) ،فالمادي هو الشكل الذي نراه أمامنا ،إنه جميع أجهزة الجسم ( الخارجية ) و( الداخلية ) بشتى أشكالها ووظائفها .

بداية التكوين :

إنه وبقدرة الله عز و جل ( كن فيكون ) صنع وَحَور نشأته الأصلية أي ( آدم ) من صلصال الطين والماء ،إلى أمشاج لحمية التكوين ،قال تعالى بسم الله الرحمن الرحيم : {خَلَقَ الْإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ} (14) سورة الرحمن ،وقال أيضا : {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ} (26) سورة الحجر.

فجعل منه رجل وامرأة ( آدم وحواء ) ،قال تعالى : ( إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ (59) سورة آل عمران ،ثم أستمر الإنسان بالتكاثر وحفظ النوع ،عن طريق التـزاوج ،بوضع ماء الرجل في رحم المرأة ليعلق مع بويضتها : قال تعالى ( ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ) (14) سورة المؤمنون.

والتكوين التركيبي لداخل وخارج الإنسان المادي ذو وجهين :
 ( مائي في خليط الدم ،ليّن في الشحم ،رطب في اللحم ) أو
( ترابي في قساوة العظام ،عصابي في الغضروف ،يابس في الشعر)

يتربع في قمة الإنسان ،الرأس ،ويتوسطه البطن ،وفي  أسفله تحمله الأقدام ،وجوهر رأسه الدماغ ،ومركزه المخ وهو اللب الذي يشير إليه القرآن بأولوا الألباب ،وبه جزء الذاكرة وعكسها ( النسيان ) ،إنه القسم الملاييني الخلاياً ،الذي يتكون من تعقيدات دقيقة جداً بحيث لا توصف ،..... إنها الإبداع الرباني في الخلقة ،.....إنها


تتحدث عن قدسية وعظمة المكان بين الكاف والنون ،إنها دليل على وجود خالق عظيم يقل للشئ ( كن فيكون ).

إن الرؤيا لدى الإنسان ليست محصورة بالعين ،فيمكن للإنسان أن يرى بعدة وسائل ،كالعين و الأذن و اللمس !!

1- فبالعين يرى صورة معكوسة للأشكال والألوان معاً ،والتي تقع عليها عيناه ،وذلك بعد تسليط الضوء عليها .

2- وبالأذن تتشكل صورة مركبة في مخيلته من خلال سماعها أو سماع أبعادها ،فيعيد تركيب شكلها في ذهنه ،وخاصة إذا كانت اختزلت من قبل في ذاكرته كأبعادها وصوتها معاً.

3- وباللمس يمكن أن يرى حدود وأبعاد الأشياء بلمسها بيده أو رجله أو حتى بخده ،فيركب صورتها في مخيلته .

* الثانية والثالثة ،هي ما تبقى للمكفوفين الذين لا يبصرون بعيونهم ،كما يقول العوام  ( يبصرون بقلوبهم ).

 معلومات الوارد  و  إشارات الصادر

لنعود إلى جوهر موضوعنا ( الخليط الحسي ) كما ذكرنا آنفاًَ ،وانقسامه إلى :

( حسي داخل  .......... من داخل وخارج الجسم )
( حسي خارج .......... إلى داخل وخارج الجسم )

فالمقصود بالحسي هي جميع الإشارات والمعلومات الحسية التي لا يمكن رؤيتها بالعين ،وهي الواردة ( حسي داخل ) والصادرة ( حسي خارج ) إلى (( مركز إدارة الإحساس والأوامر العـليا )) الموجود في رأس أعلى مستوى من جسم الإنسان الطيني ،وهو ( جهاز الدماغ ) ويتكون من ثلاثة أعضاء أو أقسام : ( المخ ) و ( المخيخ ) و (النخاع المستطيل ).

الحسي الوارد :

إنها إشارات كهربائية ُتبرمج وُترسل إلى المخ بعد مشاهدة وسماع ولمس ( تحسس ) الأشياء من حولنا وترجمتها إلى معلومات دقيقة وحساسة داخل خلايا قسم الذاكرة في المخ ،بحيث تصنف بطريقة الملفات المليونية حسب الوصول الزمني ،......... إنها أرشيف رباني يرتب المعلومات كذاكرة تتابعية ،واحدة تلو الأخرى ( بنظام الأدراج ) حتى تتجمع لدى الإنسان مجموعة كبيرة من الملفات ( كالملفات الصفر " الفولدرز " ) تباعاً على حسب المعلومات التي تصدر من داخل الجسم إلى داخله أو من خارجه إلى داخله ،وُيصنف تدرجها ،حسب التاريخ الزمني الذي وصلت فيه إلى قسم الذاكرة  (كررنا الشرح لترسخ المعلومة)  .

الحسي الصادر :

إنها إشارات كهربائية على هيئة معلومات ( أوامر) تخرج من الدماغ إلى باقي أعضاء الجسم : كالعضلات للحركة ،وفتح العين وغلقها ،والمشي ،وانحناء الظهر وحركات المفاصل ،وقذف الحيوانات المنوية عند الجماع ،وسيل اللعاب عند الأكل والكلام ،وحركة اللسان البهلوانية لتقليب الأكل ونطق الحروف ،ورد فعل قوات الحرس الوطني في الدم ( كريات الدم البيضاء )  للدفاع عن الجسم .......وغيرها الكثير


أمثــلـة :

من داخل أجهزة الجسم إلى قسم الذاكرة في المخ :

كوصول إشارات إلى المخ بارتفاع السكر في الدم ،أو وجود أجسام غريبة في الدم ،أو وجود جرح في اليد أو القدم ،أو ضعف الدورة الدموية ،عندها ستصدر أوامر إلى الأجهزة المعنية ،كالتحكم في فرز الأنسولين من غدد لانجرهانز في البنكرياس ،أو تحفيز وسائل دفاع الجسم في الدم للعمل ،أو إيقاظ الصفائح لتوقف نزف الدم ليخثر ويقف ،أو حث عضلة القلب لتعمل بجهد أكثر لتضخ دم أكثر .

أما من خارج الجسم إلى قسم الذاكرة في المخ :

أحتمال تعرض الجسم لضربة خاطفة أو إقتراب جسم حار عند اليد ،فيصدر المخ بقسم الذاكرة بسرعة لا توصف معلومات لقسم التحليل ،إن هذا الجسم ضار بالإنسان فيعطي إشارات معلوماتية إلى عضلات اليد بسحب اليد أو الأصبع أو الرجل بسرعة برقية كرد سريع لتلافي الضرر.!

أيضاً كوقوع بصرك على ليمونة وأنت تتكلم في موضوع جانبي ،آو وقوع صوت موسيقى على أذنك وأنت تخاطب زوجتك أو نائم أو تكتب ،أو مشاهدة أحدهم يتثاءب ( نعسان ) هل تعلم ما ذا سيحدث حينها .

سوف تصل إشارات معلوماتية عن طريق الرؤية ( الليمونة ) أو السمع ( الموسيقى ) إلى قسم الذاكرة فيحللها بسرعة برقية ،فينتج عن ذلك ردة فعل بمساعدة المخيخ ( القسم الصغير تحت المخ ،ولونه أسمر بعكس المخ فهو أكبر ولونه أبيض ) ،فتحدث (( عملية الطابع التلقائي )) مباشرة وبسرعة خاطفة كرد فعل ،فيسيل لعابك في تجويف الفم لمشاهدة الليمونة مباشرة ،وتحريك إصبعك الإبهام لرجلك اليمنى أو اليسرى ،وستتثاءب أنت أيضاً ،والغريب إنك لم تأمر بهذا ولا تشعر به إلا فجأة يحدث !!.

عزيزي : لقد تكلمنا بإسهاب عما يجري في رأس الإنسان من إشارات ،وعلاقتها ودورها في ذاكرته ،الأن سنتكلم عن النسيان في عالم الإنسان ،وهو محور حديثنا .

سؤال : هل النسيان نعمة أم نقمة على الإنسان ؟

في الحقيقة النسيان نعمة أكثر مما هو نقمة ،....... فلولا النسيان لتراكمت على رؤوسنا قضايا جمة في آنٍ واحد،مؤثرة وغير مؤثرة ،فلن نستطيع العيش ونحن نتذكرها في حينها ،ولن نستطيع أن نركز أو نأكل أو نتكلم .

ستكتم أنفاسنا ،...... إنها كمن يصيح بكل قوته عند آذاننا مستخدماً ،بوقاً بكبر فوهة بركان ،حينها سنتذكر كل المصائب التي مرت علينا ،حتى الم الختان سيتذكره الرجل حتى يهرم ،وخرم الأذن ستتذكره الأنثى حتى تشمط .

سؤال : هل كل إنسان معرض للنسيان ؟

نعم ،ماعدا المعصومون من أبناء آدم ،الذين ُكرموا بعدم النسيان والسهو ،أما الناس العاديون فمعرضون للنسيان والسهو ،ولكن سيأتي يوم ُتسترد الذاكرة في حينها ،وذلك عند الحساب قال تعالى : {وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى} (23) سورة الفجر،وقال أيضاً :{يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَانُ مَا سَعَى} (35) سورة النازعات

سؤال : كيف يحدث النسيان ؟

النسيان هو عبارة عن غبار ذهني يمنعنا ويحجبنا عن إظهار ملفات الماضي ،فتحل محلها ملفات الحاضر،أي وجود معلومات حديثة ستحل في ذاكرتنا ،ستـزيح ذاكرة أقدم منها إلى الوراء ( الدرج الخلفي الذي يليه ) ،وهكذا معلومة تحل مكان أخرى ،حتى تصبح معلومة ( موت قريب أو عزيز ) وقعت فجأة على أي إنسان كالصاعقة ،فيصاب بالحزن والأسى ،لكن بمرور الزمن ،وبتراكم المعلومات في مخ الذاكرة ،يصبح الإنسان قريب أكثر من آخر ملفات لديه ،ولهذا الإنسان عندما يحاول استرجاع معلومات قديمة ،لا إرادياً يقف بتركيز ويحرك رأسه بأصبعه محاولة منه باسترجاع ملف قديم ،...... ومن الداخل يحرك عقله ( المخ ) بنك المعلومات لديه ،وتأتي أوامر للأرشيف باسترجاع ( رقم شفرة مثلاً ) ،فيأتي بها المخ من الخلف للتحديث الأرشيفي فتصبح أول ملف في أدراج الذاكرة ،فعندما نرى صورة أو كتابة ،أو نسمع صوتاً ،سوف يسترجع المخ من الأرشيف تفاصيل كاملة عن ملفه .

سؤال : ماهي أسباب النسيان ؟

هو عدم القدرة في جلب ملف ذاكرة قديم من آخر الترتيب في المخ إلى مقدمة الأرشيف بسبب :

أولاً : تلف وفقدان الملفات القديمة بإصابة حادث أو أعاقة .
ثانياُ : ضعف أو ضمور محطات أو سكك الأوامر في المخ لطلب تلك الملفات في الأرشيف .
ثالثاُ : إصابة الإنسان بصاعقة معلوماتية مؤقتة تسبب لخبطة في المعلومات لدية ( كخبر سيئ ،أو موقف مخيف.

رابعاً : عدم وجود الملف أصلاً في الأرشيف ،أي البحث عن معلومة ليست موجودة ،وملفها فارغ .
خامساً : الشيطان لعنه الله ،قد يتسبب بشغل الإنسان ونسيانه عدة قضايا في ذاكرته ،ليقع به إلى الهاوية والرذيلة ،قال تعالى : {قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا} (63) سورة الكهف

سؤال : ما الفرق بين السهو والنسيان ؟

السهو : هو قفز ملف معلومة قبل أخرى في الأولوية . كتقديم ذاكرة قبل ذاكرة أخرى ،والإثنتان في مخيلته ،وكان الإنسان ينوي عملهما بالترتيب ،فيقع في لخبطة ،ويفقد أحداهما.

سؤال : هل كل الحيوانات تنسى ؟

الحيوانات لا تعرف النسيان ،وذاكرتها قوية أضعاف مضاعفة لذاكرة الإنسان... بل عشرات المرات بل أكثر من ذلك بكثير ،لكن عدم تشغيلها للعقل ،أدى إلى عدم التمييز ،بين الحاضر والماضي ،وهذه رحمة من الباري ،و إلا سوف تفترسنا أو تقتلنا بعض الحيوانات بمجرد المزاح معها أو ضربها أو ذبح أحدها أمام أخيه .

أما بعض الحيوانات والطيور ،فقد أعطيت خاصية تذكر أشياء خاصة بحمايتها وحفظ نوعها ،وهذا جزء من منظومة فطرتها ومسيرة تكوينها ،كاستخدام الذاكرة في هجرة الطيور والأسماك عدة آلاف من الأميال ،وذاكرة النمل والنحل وكثير من الحشرات التي تبتعد عند مملكتها عدة أميال ،كي تعود دون عناء ،........... وذاكرة الكلاب أعزكم الله قوية جداً ،بحيث تتعاون مع حاسة الشم تلقائياً لتحدد رائحة جسم أو شخص ماء ،مر من أمامه ،فتكون شفرة رائحته مخزنة في ذاكرته لعدة شهور أو حتى سنوات  !!

فسبحان ربي وجلت عظمته ،وزانت حكمته حيث لم يعطينا قوة ذاكرة الدواب ،فجعل النسيان نعمة جليلة ،تنسينا هم الدنيا وتصدعها ،فلولاها لبكينا أحبتنا ليل نهار ،ولطمنا خدودنا على فقد أعزائنا ،ولولاها لذقـنا مرارة الفراق حتى يحين اللقاء ،ولولاها لم يصفح الأب لأبنه والأخ لأخيه لخطأ قديم ،ولولاها لحقدنا على أنفسنا التي تغوينا وترمينا في مهالك الشيطان ،ولربما  أنتحـرنا لأننا لن نغفر لأنفسنا لإفتقارنا للرحمة والحلم .

كلما نظرت  إلي عاهات  عقول  الضالين
تذكرت عظمة نعمة  الله  على المؤمنين

تعليقات

الرجاء كتابة الكود الذي تراه في الصوره:



دخول | » هل انت مشترك جديد؟ سجل الان

تذكرني
إستبيان
ما سبب انقسام مجتمعنا على توحيد رؤية الهلال؟
الإستبيانات
كاريكتور التوافق
اختلاف رؤية الهلال عربيا
title