سماحة الشيخ المصطفى: عاشوراء والحزن الرسالي

سماحة الشيخ المصطفى: عاشوراء والحزن الرسالي

ضمن فعاليات برنامج منقذ البشرية الثقافي الثالث لشهر محرم الحرام لعام 1431هـ كانت محاضرة الليلة العاشر بعنوان عاشوراء والحزن الرسالي لسماحة العلامة

سماحة الشيخ المصطفى: عاشوراء والحزن الرسالي

ضمن فعاليات برنامج منقذ البشرية الثقافي الثالث لشهر محرم الحرام لعام 1431هـ كانت محاضرة الليلة العاشر بعنوان "عاشوراء والحزن الرسالي"  لسماحة العلامة الشيخ حسين المصطفى   حفظه الله

افتتح سماحة الشيخ محاضرته بقول أمير المؤمنين: "عباد الله ، إن من أحبِّ عباد الله إليه عبدٌ أعانه الله على نفسه ،  فاستشعر الحزن ، وتجلبب الخوف فزهر مصباح الهدى في قلبه ، وأعدَّ القِرى ليومه النازل به ، فقرَّب على نفسه البعيد ،  وهوّن الشديد ،  نظر فأبصر ، وذكر فاستكثر ، وارتوى من عذب فراتٍ سُهّلتْ له موارده ،  فشرب نهلا ،  وسلك سبيلا جَدَداً "

بيّن سماحته بكثرة صيغ النداء في أدبياتنا الإسلامية ، واستقرب ثلاث أنواع منها :

الأولى : ( يا أيها الناس ) : وقد ورد هذا النداء كثيراً في القرآن الكريم ، ليدفع بالإنسان في خطّ استذكار إنسانيته ، وما يراد له أن يأخذ به.

الثانية : ( يا أيها الذين آمنوا ) : هذا النداء يراد به أن ينفتح الإنسان على إيمانه المتوج بالعقل والعمل والحركة ، باعتباره يتضمن معنى يثير فيه نوازع العمل ونوازع الإيمان أو ما يقوّي في داخلة تلك المسؤولية .

الثالثة : " عباد الله " : هذا النداء يحاول أن يستثير في الإنسان أحساساً في عبودية الله سبحانه وتعالى ، ويخاطب الناس من خلال هذه العبودية بحيث لا يغادر هذا الأفق ، بل يجعلون تحركهم في الحياة من خلال خطّ العبودية لله عز وجل ، وقد ورد في القرآن الكريم ما يشير إلى هذا المعنى في قوله تعالى ﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾ .

فقد نسبهم الله سبحانه وتعالى إلى نفسه ليقول لهم : إنّ ربكم هو السيد الذي لا يضطهد عباده ، وهو السيد الذي يغفر لعباده أخطاءهم ، وسيرحم ضعفهم ، ويرحم ظروفهم ، وكلّ ما يحيط بهم .

لذلك ينبغي على الإنسان المؤمن أن يكون حزنه حزناً رسالياً ، فإنّ علي بن الحسين ( ع ) يقول " إن الله يحب كلّ قلب حزين ، ويحب كلَّ عبد شكور " .

وأشار سماحة الشيخ في محاضرته إلى ثلاث نقاط  وهي :

النقطة الأولى : الحزن القاتل في الحياة .

النقطة الثانية : الحزن الرسالي .

النقطة الثالثة : كيف نقدم الحزن العاشورائي .

النقطة الأولى : الحزن القاتل في الحياة

بيّن سماحته بأن الإنسان بطبيعته يحزن إذا فقد عزيزاً ، ويحزن إذا ابتلي بخسارة معينة ، أو بمرض ما ، فإن الحزن عاطفة إنسانية وغريزة تحدث لكل إنسان ، بل تحدث لكل موجود ، حتى الحيوان يحزن كما يحزن الإنسان ، وهذه المواجهة مؤلمة وهي تعتبر أكثر مآسي الحياة وأشقّها على النفس .

وقد تطرّق سماحته إلى مشهد عظيم من مشاهد الحزن ورد في القرآن الكريم ، وهو حزن يعقوب ( ع ) : ﴿ وَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَىٰ عَلَىٰ يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ ﴾ ، وقوله تعالى : ﴿ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ ﴾ كناية عن العمى حيث كان يعقوب ( ع )  يبكي بين الحين والآخر ، ولكنه يخفي حزنه ، ما جعل له تأثيراً في النفس أكثر من إظهاره ، ولو مرّ بالإنسان مثل هذا الموقف لكان في حال من الثورة والهيجان ما لا يمكن ضبطه ، وقد يقع في براثن الشيطان ، إلا يعقوب ( ع ) ﴿ فَهُوَ كَظِيمٌ ﴾ فقد كظم غيظه وحزنه وألمه .

أكدّ سماحة الشيخ المصطفى بعد ذلك على أنّ دراسة ظاهرة الحزن تساعد على نشر ثقافة التعامل معه ، بحيث يمكن الإنسان أن يتبع السبل الملائمة ليتغلّب على حزنه  ، ويتمكن من معرفة الأساليب الصحيحة لمساعدة الآخرين في تخفيف أحزانهم .

• ما هي عواقب المبالغة في الحزن ؟ وكيف يتم التخفف منه ؟ 

أشار سماحته إلى عواقب المبالغة في الحزن:

O الاكتئاب : فقد يصيب الإنسان الاكتئاب مدة من الزمن .

O زيادة معدل الشكاوي البدنية : ( الآم في المعدة ، في الظهر ، فقدان الشهية ، عسر الهضم ... وغير ذلك من الشكاوي البدنية ) .

O قد يكون هنالك ضعف في البناء الاجتماعي يصل به أحياناً إلى تفكك العائلة الواحدة .

ثم تطرّق سماحته إلى السبل التي يمكن أن تخفّف الحزن :

O  الإفصاح عن المشاعر : بأن يعبّر المكروب عن انفعالاته سواء كانت إيجابية أو سلبية ، حتى لا يصبح الأسى مزمناً .

O المساندة الاجتماعية : المساعدة التي يقدمها الآخرون للمكروب وخاصة من الأهل ، سواء كانت مساعدة لفظية أو تكون أدائية أو من خلال زيارة أو المسامرة معه . كما أشار سماحته إلى مسألة فقهية وهي " استحباب تقديم الطعام من قبل الآخرين إلى ذوي المصاب وإطعامهم ثلاث أيام " .

O التخلّي عن مظاهر الحداد : إن الالتزام بمظاهر الحداد يزيد في الحزن ، لأن هناك علاقة بين مظاهر الحداد وبين الحزن .

O الاقتداء : من خلال مقارنة المكروب بمن سلفه من المكروبين ، وخاصة الآلام التي تشغل البشر .

O إدراك الجوانب الإيجابية في الموقف ، وكما أشار القرآن الكريم ﴿ وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ﴾ .

O كثرة الممارسة الدينية خاصة قراءة القرآن ، لأن قراءة القرآن فيه شفاء للناس ، وشفاء معنوي وشفاء فكري .

النقطة الثانية : الحزن الرسالي :

أوضح سماحة الشيخ أنّ ظاهرة الحزن هي ظاهرة غير محببة إلى النفس ، حيث ورد في بعض النصوص التعوّذ من الحزن .

فقد روى الصدوق في الفقيه أنّ رسول الله ( ص ) كان يقول بعد صلاة كل فجر : " اللهم إني أعوذ بك من الهمّ والحزن والعجز والكسل والبخل " ... وأشار إلى أنّ هذا النهج لا يتعارض مع الرواية القائلة : " إنّ الله يحب كل قلب حزين " القلب الذي يعيش الإحساس بالله عز وجل ، يعيش حزن الحب والشوق لله ، فـ " الحزن شعار المؤمنين " كما يقول الإمام علي ( ع ) ، ويقول أيضاً " إنّ من أحبّ عباد الله إليه عبدٌ أعانه الله على نفسه فاستشعر الحزن .. " يعني حمّله المسؤولية وأعانه عليها .

وقال بأنّ استشعار الحزن هو عبارة عن تراكم معرفي وألم وإحساس بالآخر ، فالذي يحمل القلب الحزين ويعيش الحزن لآلام الناس ومشاكلهم ومآسيهم فالله عز وجل يحب ذلك القلب .

ولذا نجد في قصة نبي الله يعقوب ( ع ) حينما قالوا له أبناءه إن ذكرك المستمر ليوسف سيجعلك من الهالكين ، فقال لهم يعقوب ( ع ) : ﴿ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾ ، للدلالة على أن الإنسان الحصيف يمكنه أن يرى الإشارات من بين ظلال الأحداث . إنّ هناك سراً عند نبي الله يعقوب ، وهو أنه لم يمت الأمل في نفسه ، وكان قويّاً في حزنه ، لأنه كان يؤمن بالله ومن يؤمن بالله لا ييأس ، لأنّ اليأس يوصل بالإنسان إلى حالة الكفر .

كما أشار سماحته إلى موقف النبي محمد ( ص ) حينما خرج من الطائف وقد أصابه الكرب وأدميت قدماه الشريفتان ، والتمس حائطاً ورفع بصره إلى السماء وهو يطلب العون والمدد من الله عز وجل فدعا ربه بقلب حزين : " اللهم إليك أشكوا ضعف قوتي ، وقلة حيلتي وهواني على الناس يا أرحم الراحمين ، أنت رب المستضعفين وأنت ربي ، إلى من تكلني  ؟ إلى بعيد يتجهّمني ، أم إلى عدوِّ ملكته أمري ... " .

كما تطرَّق إلى المأساة التاريخية التي مرّت عليها قرون متقادمة وهي مأساة عاشوراء والحزن عليها، فإن هذا الحزن يحتاج إلى تسويغ ليكون عنصراً فاعلاً في الحياة ، لكي لا يكون الحزن ذاتياً بل حزناً ينفتح على كلّ مواقع المأساة في حياتنا .

وأكَّد سماحته على ضرورة حبِّ الحسين والأئمة المعصومين عليهم السلام لأنهم حملوا رسالة الإسلام ، وجاهدوا في سبيل الله عز وجل ، ولأنهم أعطوا كل شي يملكونه لله عز وجل .

إن الإمام الحسين ( ع ) أراد الإصلاح في الأمة ، لا الإصلاح في العائلة أو القرية ، الإصلاح على مستوى الأمة كلها لا على مستوى الوطن الذي يتأطّر فيه الإنسان ، فانطلق ( ع ) ليقول لنا : فكرّوا في قضايا أمتكم من خلال الإسلام الذي حمله جدّي رسول الله ( ص ) وأصلحوا ما فسد فيها .

وقال بأنّ حزن أهل البيت ( ع ) كان حزناً إسلامياً ، حزناً يعيد للأمة الغارقة في متاهات الدنيا معنى رسالياً ، وأن حزن الزهراء ( ع ) على أبيها كان حزناً رسالياً ولم يكن حديثاً عاطفياً ، لأنها كانت مجسّدة لرسالته .

ولم نجد موقفاً شخصياً من حزن أمير المؤمنين ( ع ) حينما أُخذت مقاليد الخلافة منه ، بل أكّد على رسالته : " لَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنِّي أَحَقُّ النَّاسِ بِهَا مِنْ غَيْرِي ، وَوَاللهِ لَأُسْلِمَنَّ مَا سَلِمَتْ أُمُورُ الْمُسْلِمِينَ وَلَمْ يَكُنْ فِيهَا جَوْرٌ إِلَّا عَلَيَّ خَاصَّةً الْتِمَاساً لِأَجْرِ ذَلِكَ وَفَضْلِهِ وَزُهْداً فِيمَا تَنَافَسْتُمُوهُ مِنْ زُخْرُفِهِ وَزِبْرِجِهِ " .

النقطة الثالثة  : كيف نقدم الحزن العاشورائي ؟

  أكّد سماحة الشيخ على أن الإمام الحسين ( ع ) ومعه بقية الأئمة عليهم السلام كانوا أصحاب رسالة ، لهذا فإن معيار المحبة والإخلاص لهم إنما يتحدد من خلال الإخلاص للمبادئ والرسالة التي بذلوا التضحيات من أجلها ، كما أكد سماحته على حفظ أجواء العزاء والذكرى دون أن يعني ذلك أن تتوقف حياتنا وتتجمد حركتنا التي لا بد لها أن أن تمتدّ في خطّ الحسين ( ع ) وثورته الإصلاحية ، فالحزن الذي يتمثل في عاشوراء هو حزن الإنسان الذي يتفاعل مع قضايا مأساته ، سواء كانت هذه المأساة في التاريخ أو كانت هذه المأساة في الواقع من دون أن تصل إلى الصراع أو الخلاف .

 كما شدّد سماحته على الطريقة التي تتعلق بالاحتفال بعاشوراء الإمام الحسين ( ع ) وأسلوب تعبيرنا عن الحزن الهادف والمصاب الذي يتناسب وحجم مسؤوليتنا مع الحسين ( ع ) ، حيث أشار إلى أن هناك أسلوباً فنياً عصرياً ، يندمج مع الأسلوب الفني التقليدي. وذكر الأسلوب الذي نهجه أهل البيت ( ع ) في صور الإحياء ، ومن أهمها : البكاء ، مجالس الذكر ، أو زيارة الإمام الحسين ( ع ) ، وورود النصوص الكثيرة عن قيام أهل البيت ( ع ) بالبكاء على الحسين ( ع ) خصوصاً .

وذكر سماحته موقف الإمام زين العابدين ( ع ) مع مولى له " جعلت فداك إني أخاف عليك أن تكون من الهالكين ! ، فقال الإمام ( ع ) - وهو نفس منطق يعقوب - : " إنّما اشكوا بثي وحزني إلى الله واعلم من الله مالا تعلمون ، إني لم أذكر مصرع بني فاطمة إلاّ خنقتني العبرة " ؛ ملفتاً سماحته بأنّ الإمام ( ع ) أضبط الناس ، وأقدر الناس على ضبط مايجيش شعورهم ، ولكن الإمام أراد أن يؤكّد ويعمّق هذه القضية لتبقى وتخلد .

كما شدّد سماحته في نهاية محاضرته على أنّ الهدف من أحياء الذكرى لايقتصر على عادة معينة أو إحياء الروتين فقط، بل إن المطلوب من خلالها هو خلق التفاعل الشعوري والعاطفي لإحياء القيم الإسلامية التي جاء بها رسول الله ( ص ) واستشهد من أجلها الحسين ( ع ) .

وبين سماحته موقف أهل البيت ( ع ) من مجالس عاشوراء ، حيث أرادوا لها أن تتحرك تحت قاعدة " أحيوا أمرنا " ولا أمر لهم إلا الإسلام والعدل ،  ولا أمر لهم إلا الكلمة  الصادقة .. ، فقد كان الإمام الحسين الحزين مع ربه ، وكان قلبه ووجدانه يراقب هموم أمته . مستشهداً بجواب الإمام ( ع ) الحاسم حينما عرضت عليه البيعة ليزيد حيث قال ( ع ) : " على الإسلام السلام إذ قد ابتليت الأمة براع مثل يزيد " .

ولعلَّ أعظم مظهر للإنسان الرسالي هو الحسين ( ع ) ، فإنه على كثرة ما تكلّم في الجوانب السياسية والاجتماعية وغيرها منذ خروجه من المدينة حتى كربلاء ، إلاّ إنّ أعظم كلمة للحسين ( ع ) قالها عندما تلقى دم طفله الرضيع ( ع ) فقال : " هوَّن ما نزل بي أنه بعين الله " ، فمادام الله يراني ومادمت في طاعته ، وأنا أتألم في سبيله فذلك هيّن عليّ .

السلام على الحسين وعلى علي بن الحسين وعلى أولاد الحسين وعلى أصحاب الحسين

تعليقات

الرجاء كتابة الكود الذي تراه في الصوره:



دخول | » هل انت مشترك جديد؟ سجل الان

تذكرني