في رحاب رمضان المبارك وذكرى النساء الخالدات الحلقة الأولى...!  فاطمة بنت أسد عليها السّلام

في رحاب رمضان المبارك وذكرى النساء الخالدات الحلقة الأولى...!   فاطمة بنت أسد عليها السّلام

تقلّد عرب الجاهليّة قبل بعثه رسول الله صلّى الله عليه وآله طوقَ عبوديّة الشيطان، وكانوا يتسابقون في القتل والغارة على بعضهم البعض، ويفتخرون بوأد

في رحاب رمضان المبارك وذكرى النساء الخالدات الحلقة الأولى...!

 فاطمة بنت أسد عليها السّلام

سيد صباح بهبهاني - فائز عبد الرضا المدائني

إطلالة البدر

تقلّد عرب الجاهليّة قبل بعثه رسول الله صلّى الله عليه وآله طوقَ عبوديّة الشيطان، وكانوا يتسابقون في القتل والغارة على بعضهم البعض، ويفتخرون بوأد بناتهم، بل تفاخروا بكثرة أمواتهم في قبورهم. وكان الشيطان يزيّن لهم تلك الأعمال المنكرة، ويحتبل عقولهم بأحابيله، ويضلّهم بأضليله، ويحجب عن فطرتهم ـ بوساوسه ومكره ـ تلألؤها وصفاءها ونصاعتها، كي لا تدعوهم ـ إذا غدت صافية خالصة ـ إلى عبادة الواحد الأحد الذي لا شريك له ولا وزير .

وكان ذلك زماناً قبع فيه الإنسان ( خليفة الله ) في قعر الظلمات، وتخبّط في مستنقعات الضلالة بعيداً عن ربّه، لا يُقيم وزناً لعِلمٍ ولا لمعرفة، ولا يستنكف عن تلويث نفسه بأقبح الرذائل والمعاصي.. زماناً وصفه ـ فأحسنَ وَصْفَه ـ أميرُ المؤمنين عليه السّلام، في قوله :

وأنتم ـ معشرَ العرب ـ <<على شرِّ دِين، وفي شرّ دار، مُنيخون بين حجارةٍ خُشنٍ، وحيّاتٍ صُمّ، تَشربون الكَدِرَ، وتأكُلون الجَشِب، وتَسفِكون دماءكم، وتَقطعون أرحامَكم؛ الأصنامُ فيكم منصوبة، والآثامُ بكم مَعصوبة >> (نهج البلاغة الخطبة 21).

وعاش في تلك الحقبة المظلمة من التاريخ أُناس تصدّوا لسيل الضلالة كالجبل الراسخ المنيع، ولم يلوّثوا فطرتهم التوحيدية السليمة بعبادة أصنام من الحجارة والخشب، ولم يُودعوا قلوبهم غير الله الواحد الأحد، أُناس لم تترك عليهم البيئة صبغتها، إذ أنِفوا لأنفسهم أن يتشرّبوا بآثارها وينطبعوا بنهجها، فبقيت قلوبهم طافحة بحبّ الله تعالى، عامرةً بالإيمان به سبحانه.

وكان من بين هؤلاء الموحّدين فتىً شريف لم ينزّه فطرته عن عبادة الأصنام والتفاخر الباطل والحروب والغارات والآثام فحسب، بل كان ـ فوق ذلك ـ يدعو ربّه الواحد الأحد في خلوته من أجل نجاة قومه من أعمال السفهاء، ويأخذ بأيديهم إلى سبل الهداية والرشاد .

وكان هذا الشاب من أحفاد إبراهيم الخليل عليه السّلام، وكان يقتفي أثر جدّه الخليل، ويجهد نفسه على صعيد الفِكر والعمل في اللَّحاق بخُطى جدّه الكبير .

كان هذا الشاب يُدعى << أسد >>، واسم أبيه الجليل << هاشم >>. ولم يَغِب عن بال << أسد >> بفكره ودرايته أنّ أفضل سُبل طمأنينة الروح والجسد بالنسبة إلى شاب في مُقتبل العُمر هو الزواج، ولذلك اغتنم ذات يوم فرصةً مناسبة فأخبر والديه برغبته في الزواج، فاستحسن أبوه رأيه ووعده أن يساعده على تحقيق ما أراد .

وشرع الأبوان يبحثان عن فتاة شريفة من أسرة كريمة تكون زوجة صالحة لابنهما، فعترا على بُغيتهما في فتاة تدعى « فاطمة » تنحدر من نسب عريق أصيل، ويشترك أجدادها من الأب والأم مع أجداد النبيّ صلّى الله عليه وآله في جدّه الأكبر << فِهْر >> (فاطمة بنت هرم بنت هرم بن رواحة بن حجر ، المصدر من شرح نهج البلاغة لأبن حديد 1 : 6 ، وبحار الأنوار  ،للمجلسي 35 : 182 ).

  

الخِطبة

ثمّ إنّ أبا أسد فاتَحَ أبا فاطمة وخطب منه ابنته فاطمة لابنه أسد، وتزوّج أسد من فاطمة قبل هجرة النبيّ صلّى الله عليه وآله بما يقرب من 60 عاماً، فرُزق منها ابنة وسيمة سمّاها << فاطمة >> أيضاً .

كان أسد يحب ابنته فاطمة كثيراً على الرغم من أنّ العرب كانوا في ذلك الوقت كما وصفهم القرآن لقوله تعالى : (وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ  )النحل /58 ولقوله تعالى  : (يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ) النحل / 59  . وكان من العرب من يئد بناته الصغار خوفاً من أن يلحقهم بسببهنّ العار إذا ما سُبين. وكان أوّل من سنّ ذلك فيهم: قبيلة << بنو تميم >>، فقد أرسل إليهم النعمان بن المنذر ـ حاكم العراق ـ جيشاً كبيراً فأغار عليهم ونهب أموالهم وسبى نساءهم، فأرسل إليه كبار بني تميم وفداً وسألوه أن يُطلق سراح بناتهم ـ وكان بعضهنّ قد تزوّج في الأسر ـ فخيّرهن النعمان بين العودة أو البقاء، فاختارت ابنة << قيس بن عاصم >> أن تبقى مع زوجها، فصدم ذلك هذا الشيخَ الكبير ـ وكان مقدّماً في قومه ـ فعاهد نفسه أن يَئد كلّ فتاة تولَد له بعد ذاك، ثمّ انتشرت هذه السنّة والطريقة بين قبائل العرب الأخرى ( أسد الغابة ، لأبن الأثير ـ ترجمة قيس بن عاصم).

  

المرأة قبل الإسلام

كانت المرأة يوم ذاك تُباع وتُشترى، شأنها شأن البضاعة، كائناً محروماً من جميع الحقوق الفرديّة والاجتماعية، حتّى من حقّ الإرث. وكان رجالات العرب يعتبرون المرأة في عداد الحيوانات، ويجعلونها في عداد لوازم المعيشة ومتطلّباتها. وكانت المرأة إذا طلّقها زوجها، لا يحقّ لها الزواج من غيره إلاّ بإذن منه، وإذنه مرهون ـ في الغالب ـ باسترجاعه المهر الذي دفعه إليها. وكانت المرأة ـ فوق ذلك ـ تنتقل وتورث كما يُورث أثاث البيت ولوازمه .

وعلى الرغم من هذا الجوّ الحاكم على محيط بلاد الحجاز، خالَفَ أسد ـ مدفوعاً بفطرته وإيمانه وتوحيده ـ هذه الأفكار وهذه الممارسات، وكان يغرس في قلب << فاطمة >> الصغير عقائدَ التوحيد، حتّى نشأت امرأة كاملة مؤمنة.. فكانت فاطمة بنت أسد من السابقات إلى الإيمان، وكانت امرأة طيّبة السيرة، لبيبة عاقلة، بصيرة بأمور آخرتها، ذكيّة، عفيفة، طاهرة. وكانت على ( الحنيفيّة ) دين النبيّ إبراهيم الخليل عليه السّلام، فلم تسجد ـ حتّى قبل الإسلام ـ لصنم قطّ ( رياحين الشريعة ، بالفارسية 3 : 6).

ويدلّنا على توحيدها وسلامة فطرتها مناجاتُها العجيبة عند الكعبة حين ضَرَبها الطَّلْق ـ وكانت حاملاً بأمير المؤمنين عليه السّلام ـ في عصر كان معظم سادة العرب وكبرائهم يعبدون القمر والنجوم والأصنام، ويكفي في جلالة قدرها ما قيل في حقّها:

كانت فاطمة بنت أسد من فُضلَيات الهاشميّات، بَزَغتْ في عصرها شمساً في سماء الكمال تتنقّل في أبراجه. شَرَفُ حَسَبٍ، فكَرَمُ مَحتِدٍ، فمكارمُ أخلاقٍ، فذكاءُ قلبٍ، فرجاحة حِجى، فطهارةُ نفسٍ، فجمالُ ذاتٍ، ففضيلةُ صفات. تلك حِلية هذه السيّدة الجليلة، ولذا اختارها سيّد قريش ولم يستبدل بها سواها مدّة حياته ( شيخ الأبطح ، للسيد محمد شرف الموسوي 111) .

  

الزواج المبارك

مرّت على فاطمة بنت أسد في أحد أيّام مكّة الحارّة لحظات حسّاسة لا تُنسى، لحظات تمرّ بها جميع الفتيات في مثل هذه المرحلة من العمر، فقد تقدّم لخطبتها شابّ مؤمن موحّد يُدعى << أبو طالب >>، شاب ينحدر من سلالة كريمة ومَحتِد أصيل، وقيل لها بأنّ جدّه هو << عبد المطّلب >>، ومَن مِن فتيات مكّة ـ فضلاً عن رجالها ـ لم يَقرَع سمعها اسمُ عبد المطّلب، ومَن منهنّ لم تبلغها جلالة قدره وكرم نسبه .

وجرت مراسم العقد، فدعا أسدٌ الناسَ ليحضروا، فلمّا التأم عقد المجلس نهض فيهم أبو طالب، فالتفت إلى أسد وقال:

>> الحمدُ للهِ ربّ العالَمين، ربِّ العرشِ العظيم، والمقامِ الكريم، والمَشْعَرِ والحَطيم، الذي اصطفانا أعلاماً وسَدَنَةً وعُرَفاءَ خُلَصاءَ، وحَجَبةً بَهاليلَ، أطهاراً من الخَنى والرَّيْب، والأذى والعَيْب، وأقام لنا المشاعرَ، وفضَّلنا على العشائر، نُخَبَ آل إبراهيم وصفوته، وزَرعَ إسماعيل... وقد تزوّجتُ فاطمةَ بنت أسد، وسُقْتُ المهر ونفذف الأمر، فاسألوه واشهَدوا، فقال أسد: زوّجناكَ ورَضِينا بك، ثمّ أطعَمَ الناس ( الحجة على الذاهب إلى عدم إيمان أبي طالب ، للسيد فخار بن معد الموسوي 185 ، بحار الأنوار ، للمجلسي 35: 98).

والتأمّل في مضامين هذه الخطبة الغرّاء التي أُلقيت قبل هجرة النبيّ صلّى الله عليه وآله بما يقرب من 60 عاماً يُقرّ في النفس بأنّ قائلها موحّد حكيم لا يُلقي بالاً إلى ما يفتخر به قبائل قومه يوم ذاك من القتل والغارة والتكاثر بالأموال والأولاد وألخ...

وكان ذلك فضلاً جديداً في حياة فاطمة بنت أسد، فقد انتقلت إلى بيت زوج كريم موحّد هو أبو طالب عليه السّلام. وكان لهذا الزواج المبارك أثره الكبير الذي سيشهده العالم الإسلامي قريباً .

  

موجز عن أبي طالب

ينحدر أبو طالب من عائلة شريفة ذات نسب عريق، عُرفت باتّباع الحنيفيّة الإبراهيميّة، وبانحدارها من نبيّ الله إبراهيم الخليل عليه السّلام؛ فأبوه << عبد المطّلب >> الذي دانت له قريش بالفضل والسماحة والكرم والسؤدد، وكان لعبد المطّلب عشرة أبناء، منهم أبو طالب ( والد أمير المؤمنين عليه السّلام ) وعبد الله ( والد النبيّ رسول الله صلّى الله عليه وآله )، وهما لأمّ واحدة تُدعى فاطمة بنت عمرو بن عائذ بن عِمران بن مَخزوم ( إعلام الورى ، للطبرسي 1 :282 ، ب5 ،الحجة على الذاهب 158). فلمّا قُبض عبد المطّلب انتهت الصَّدارة إلى ابنه أبي طالب، فعُرف بشيخ الأبطح، وبشيخ قريش ورئيسها .

وكان لأبي طالب الدَّور الكبير في رعاية النبيّ صلُّى الله عليه وآله وكفالته صغيراً يافعاً، وفي الدفاع عنه ومؤازرته شاباً، وكان يحرسه خِيفةَ أن يغتاله أعداؤه، ويُنيم أبناءه في فراشه، خاصّة في فترة المقاطعة والمحاصرة في شعِب أبي طالب. ويكفي في معرفة دوره الكبير في المحاماة عن رسول الله صلّى الله عليه وآله أنّ أبا طالب لمّا توفّي، هبط جبرئيل عليه السّلام على النبيّ صلّى الله عليه وآله فأمره بالخروج من مكّة قائلاً: يا محمّد! اخرُج عن مكّة فما لكَ بها ناصر بعد أبي طالب ( بحار الأنوار 35 : 11 ـ112). وقد قال الصادق المصدّق صلّى الله عليه وآله: لَم تَزَل قريشٌ كاعّةً عنّي حتّى تُوفّي أبو طالب (الحجة على الذاهب 261 ).

ومن المؤسف أنّ هذه الشخصيّة العظيمة قد تعرّضت لهجمات ظالمة من قِبل أعداء أمير المؤمنين عليه السّلام الذين وَتَرهم في الدِّين، فأشاع بعضُهم ـ مع صراحةِ أبيات أبي طالب في الإيمان بالنبيّ صلّى الله عليه وآله والإقرار بما جاء به ـ أنّه مات ولم يؤمن!

وقد روي عن الإمام زين العابدين عليه السّلام أنّه سئل عن أبي طالب: أكان مؤمناً ؟ فقال: واعَجَباه! أيطعنون على أبي طالب أو على رسول الله صلّى الله عليه وآله، وقد نهاه الله أن يُقرّ مؤمنةً مع كافر في غير آيةٍ من القرآن  لقوله تعالى : ( وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ  ) الممتحنة /10)  ؟!

ولا يشكّ أحد أنّ ( فاطمة ) بنت أسد من المؤمنات السابقات، وأنّها لم تزلْ زوجةً لأبي طالب حتّى مات أبو طالب رضي الله عنه ( الحجة على الذاهب 123ـ124 ).

وسنتعرّض ـ بإيجاز ـ لبيان عظمة هذه الشخصيّة الجليلة :

شفاعة أبي طالب

روي عن أمير المؤمنين عليّ عليه السّلام أنّه قال: لو شَفَع أبي في كلِّ مُذنبٍ إلى وجه الأرض، لَشَفَّعه اللهُ فيهم ( بحار الأنوار ، للمجلسي 35 : 110).

استسقاؤه لأهل مكّة

أصاب أهلَ مكّة جفافٌ وقحط في إحدى السنين قبل البعثة النبويّة، فلجأوا إلى أبي طالب ليستسقي لهم، فتوسّل إلى الله تعالى بالنبيّ صلّى الله عليه وآله ـ وكان حينذاك صبيّاً يافعاً ـ فسقاهم الله تعالى ( السيرة الحلبية ، للحلبي 1 : 125 ، الحجة على الذاهب 313 ـ 315).

كفالة أبي طالب لرسول الله صلّى الله عليه وآله

كَبِرَت سنُّ عبد المطّلب جدّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وأحسّ باقتراب أجله، وكان هاجسه وهمّه الذي يشغله أمر كفالة النبيّ صلّى الله عليه وآله ـ وكان يوم ذاك في الثامنة من عمره الشريف ـ فجمع أبناءه ذات يوم وسألهم: أيّكم يكفل محمّداً بعدي ؟ فردّوا: هو أعلمُ منّا، فليختَر منّا مَن يشاء! فالتفت عبد المطّلب إلى النبيّ صلّى الله عليه وآله وقال له: يا محمّد، إنّ جدّك راحلٌ إلى الآخرة عمّا قريب، فاختَرْ مِن أعمامك أو عمّاتِك مَن يَكفُلك ويقومُ بأمرك بعدي. فتطلّع النبيّ صلّى الله عليه وآله إليهم ثمّ أشار إلى أبي طالب، فقال عبد المطّلب لأبي طالب: يا أبا طالب، لقد عَهِدتُ فيك دِينَك وأمانتك، فاكفُلْ محمّداً كما كفلتُه، وارعَه كما رَعَيتُه .

ثمّ حلّ اليوم الذي فارق فيه عبد المطّلب الحياة، فأخذ أبو طالب ابن أخيه محمّداً صلّى الله عليه وآله إلى بيته، وكان يرعاه هو وزوجته فاطمة بنت أسد، وكان النبيّ صلّى الله عليه وآله يناديها بـ << أمّي >> ( الخرائج والجرائح ، للقطب الراوندي 1 : 138). وهكذا أنس النبيّ صلّى الله عليه وآله بعمّه أبي طالب، ووجد فيه خير مأوى ومُعين يذكّره بأبيه عبد الله، وكان أبوه عبد الله وعمّه أبو طالب لأمّ واحدة .

دفاع أبي طالب عن رسول الله صلّى الله عليه وآله

لم يدّخر أبو طالب وسعاً في الدفاع عن ابن أخيه النبيّ صلّى الله عليه وآله، حتّى بلغ به الحال أن كان يُنهضه من فراشه ليلاً فيُرقِد ابنَه عليّاً في موضعه خشيةَ أن يغتاله أعداؤه وهو نائم وتحمّل أبو طالب من أجل الدفاع عن النبيّ صلّى الله عليه وآله المشقّة والمعاناة في شِعب أبي طالب، ونافح عنه بأشعاره المُنبئة عن إيمانه وثباته ( من أشعار أبي طالب ـ الحجة على الذاهب 241 ـ ليعلم خيار الناس أن محمداً * نبي كموسى والمسيح أبن مريم * أتانا بهدي مثل ما آتينا به فكل بأمر الله يهدي ويعصم).

  

عناية فاطمة بنت أسد بالنبيّ صلّى الله عليه وآله

وكانت فاطمة بنت أسد تُعنى بالنبيّ صلّى الله عليه وآله عناية خاصّة وتُؤثِره على أولادها. وعُرف عنها أنّ أبا طالب لمّا أتاها بالنبيّ صلّى الله عليه وآله بعد وفاة عبد المطّلب وقال لها:

اعلمي أنّ هذا ابنُ أخي، وهو أعزّ عِندي من نَفسي ومالي، وإيّاكِ أن يتعرّض عَلَيه أحدٌ فيما يريد .

فتبسّمت فاطمة ( بنت أسد ) من قوله، وكانت تؤثره على سائر أولادها ـ وكان لها عقيل وجعفر ـ فقالت له :

توصيني في وَلدي محمّد، وإنّه أحبُّ إليّ من نفسي وأولادي ؟!

ففرح أبو طالب بذلك ( بحار الأنوار ، للمجلسي 15 : 383 ـ ضمن حديث)

وعلى الرغم من تصريح هذه الرواية بأنّ فاطمة بنت أسد كانت ذات أولاد عند كفالتها للنبيّ صلّى الله عليه وآله، فإنّ بعض الروايات تدلّ على أنّها لم تكن ذات ولد حينذاك، وأنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله رأى رغبتها في الولد، فقال لها :

يا أُمّه، قرِّبي قُرباناً لوجه الله تعالى خالصاً، ولا تُشركي معه أحداً، فإنّه يرضاه منكِ ويتقبّله ويُعطيك طلبتَكِ ويُعجّله، فامتثلتْ فاطمة أمره وقَرَّبتْ قرباناً لله تعالى خالصاً، وسألَتْهُ أن يرزقها لداً ذَكَراً، فأجاب الله تعالى دعاءها (بحار الأنوار 35:40 ، حديث 38 ـ الباب الأول ـ ضمن حديث ).

ويمكن الجمع بين هاتين الروايتين بأنّ كلام النبيّ صلّى الله عليه وآله قد تقدّم على زمن كفالة أبي طالب له صلّى الله عليه وآله، وينبغي الالتفات إلى أنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله كان يَكبُر أميرَ المؤمنين عليه السّلام بثلاثين عاماً، ممّا يستوجب أن يكون عمره مماثلاً لعمر طالب ولد أبي طالب، ولابدّ إذاً أن يكون عقيل وطالب ـ على أقلّ تقدير ـ قد وُلدا في زمن كفالة فاطمة بنت أسد رسولَ الله صلّى الله عليه وآله .

وعلى أيّ حال ـ فقد اعتَنَت فاطمةُ بنت أسد بالنبيّ صلّى الله عليه وآله عناية فائقة، وأولَتْه رعايتها وحبّها، وكانت تُؤثِره على أولادها في المطعم والملبس. وقد أشار الإمام الصادق عليه السّلام إلى ذلك بقوله: << كانت ( فاطمة بنت أسد ) مِن أبَرِّ الناسِ برسول الله صلّى الله عليه وآله >> ( أصول الكافي ، للكليني 1 : 453 حديث 2).

وكانت تغسّله وتدهن شَعره وتُرجّله، وكان النبيّ صلّى الله عليه وآله يحبّها ولا يناديها إلاّ بـ << أمّي >> ( بحار الأنوار 35 :83 ، حديث 26) .

فلمّا جاءه أميرُ المؤمنين عليه السّلام مضطرباً بعد ذلك بسنين، سأله النبيّ صلّى الله عليه وآله عمّا به، فقال: أمّي ماتت. قال: فقال النبيّ صلّى الله عليه وآله: وأمّي واللهِ، ثمّ بكى وقال: وا أمّاه! ( بحار الأنوار 35 : 81 ، حديث 23 ).

وينبغي أن لا ننسى أنّ لعلائم النبوّة التي كانت فاطمة بنت أسد تشاهدها في محمّد صلّى الله عليه وآله وهو صبيّ صغير، الأثرَ الكبير في المحبّة الخاصّة التي انطبعت في قلب فاطمة، ممّا جعلها تكثر إكرامه ورعايته. ومن تلك العلامات والكرامات: ما شاهدته في بستان دارها .

قالت: كان في بستان دارنا نَخلات، وكان أوّل إدراك الرُّطَب، وكان أربعون صبيّاً من أتراب محمّد صلّى الله عليه وآله يدخلون علينا كلّ يوم في البستان ويلتقطون ما يسقط، فما رأيت قطّ محمّداً أخذ رُطبةً من يدِ صبيّ سَبَقَ إليها، والآخرون يختلس بعضُهم من بعض. وكنتُ كلّ يوم ألتقط لمحمّد صلّى الله عليه وآله حَفنةً فما فوقَها، وكذلك جاريتي. فاتّفق يوماً أن نَسيتُ أن ألتقط له شيئاً ونَسِيَتْ جاريتي، وكان محمّد صلّى الله عليه وآله نائماً، فدخل الصِّبيان وأخذوا كلّ ما سقط من الرطب وانصرفوا، فنمتُ ووضعتُ الكُمّ على وجهي حياءً من محمّد إذا انتبه .

قالت: فانتبه محمّد ودخل البستان، فلم يَرَ رطبةً على الأرض فانصرف، فقالت له الجارية: إنّا نَسِينا أن نلتقط شيئاً، والصِّبيان دخلوا وأكلوا جميع ما سقط .

قالت: فانصرف محمّد صلّى الله عليه وآله إلى البُستان، وأشار إلى نخلة وقال: أيّتها الشجرة أنا جائع. قالت: فرأيتُ الشجرة قد وَضَعتْ أغصانَها التي عليها الرُّطب حتّى أكل منها محمّد صلّى الله عليه وآله ما أراد، ثمّ ارتفعتْ إلى موضعها ( الخرائج والجرائح للراوندي 1 : 138 ـ 139 ، حديث 225 ، بحار الأنوار 35 : 83 ـ 84 ، حديث 26).

  

رؤيا صادقة
triphone 2010. Oct 28.

QNcX85 folwcslakyud, vnyzizivvulf, [link=http://jbpchnuwhxqw.com/]jbpchnuwhxqw[/link], http://fheparzbwpfv.com/

تعليقات

الرجاء كتابة الكود الذي تراه في الصوره:



دخول | » هل انت مشترك جديد؟ سجل الان

تذكرني