المرجعية المحلية
ألقى سماحة الشيخ عبد المحسن النمر حفظه الله خطبة الجمعة تحدث فيها عن مفاخر النهج المرجعي عند الشيعة وآثار طرح فكرة المرجعية المحلية وانعكاساتها
اليكم نص الخطبة:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين خالق الخلق أجمعين باعث الأنبياء والمرسلين والصلاة والسلام على سيدهم وخاتمهم حبيب إله العالمين أبا القاسم محمد, وعلى آله الهداة الميامين الطيبين الطاهرين والعن الدائم على أعدائهم إلى قيام يوم الدين.
(وأن هذه أمتكم امة واحدة وأنا ربكم فاعبدون )
من خطبة لمولاتنا الزهراء سلام الله عليها التي خطبتها في مسجد رسول الله ً(ص) شارحةً مبينهً لحقائق الدين ومعانيه ومقاصده بما لم يسبق بمثل كلامها وبيانها وتفصيلها إلا كلام الله وكلام رسوله (ص) قالت عليها السلام ( فجعل الإيمان تطهيراً لكم من الشرك والصلاة تنزيهاً لكم عن الكبر والزكاة تزكيةً للنفس ونماءً في الرزق والصيام تثبيتاً للإخلاص والحج تشييداً للدين والعدل تنسيقاً للقلوب وطاعتنا نظاماً للملة وإمامتنا أماناً من الفرقة )
في قولها عليها أفضل الصلاة والسلام وإمامتنا أماناً من الفرقة مطالبَ عديدة ومقاصدَ سديدة تحتاج إلى بيانات و توضيح وأنا هنا أكتفي بالحديث عن جانب من جوانبِ هذا الأمان الذي تبينهُ الزهراء(ع) هذا الضمان من الزهراء (ع) بأن التمسك بإمامةِ أهل البيت هو الركن الأساسي والدواء الذي لا يقف أمامهُ داء في التجمع والوحدة وإتحاد الكلمة.
( إمامتنا أمانٌ): أي منجاةٌ وضمانٌ عن التفرق سأتحدث عن مفاخر هذا المعنى الفاطمي بما رأيناه و عهدناه وعرفناه في زماننا المعاصر.
مفاخر النهج المرجعي عند الشيعة:
النهج المرجعي: الذي أسسه أهل البيت صلوات الله عليهم أجمعين فرع من فروع هذا الأمان .
أولا :
هذا النهج أعاد الإسلام الى الحياة وأعاد الحياة إلى الإسلام
فبعد قرون وقرون من غربة الدين وضعفه وغفلة الأمة عن دينها وفقدانها لثقتها بإسلامها أعاد الله عز وجل بمنه ورحمته وفضله القوة والمنعة والحياة للإسلام بفضل مرجعٍ من مراجع هذه الأمة الإسلامية وإننا لا يمكن أن نفصل بين صحوة الأمة الإسلامية وحركةِ هذا الإمام العظيم الذي أعاد للأمة حياتها وفكرها ووجهها الإسلامي الناصع.
ثانيا :
أثبتت المرجعية بتوجيهاتها أن لهذه الأمة قدرةً وإمكانيةً على الوقوف في وجه غطرسة الأعداء وجبروتهم وان هذه الامة ليست ادون ولا اقل شانا من سائر الامم
وما قدمته الثلة المؤمنة في لبنان التي تنتمي الى الفكر المرجعي الصالح من مواجهتها لغطرسة إسرائيل وتجبرها إلا مفخرة من مفاخر هذا العطاء.
فإن فئة محدودة في قدراتها و إمكاناتها عدداً وعدةً استطاعت إذلال هذا العدو الإسرائيلي المغتصب مرة بعد أخرى
وهذه الأيام هي أيام ذكرى آخر حرب وآخر مواجهةٍ جرت بين هذه الثلة المؤمنة وبين إسرائيل ولا يزال العالم يبحث عن أسرار هذه القوة وأسباب هذه المنعة .
ثالثا :
جنبت المرجعية الإسلامية الواعية الصالحة والأطروحة السليمة الصحيحة لمذهب أهل البيت الأمة الإسلامية الانقسام والتمزق و الإقتتالات الداخلية فلم يعهد أن مرجعا من مراجع المسلمين أو عالما واعيا من علماء مذهب أهل البيت أو طائفة أو جماعة من أتباع أهل البيت دعوا إلى مواجهة أو صراع داخلي
وسوف يتضح للعالم يوما بعد يوم مقدار ما يبذله هؤلاء العلماء وما يبذله هذه الثلة الواعية التابعة للعلماء من جهود لحفظ هذه الأمة الإسلامية .
نعم: اليوم نحن نعيش تحت ضوضاء إعلامية كاذبة تنسب إلى بعض المؤمنين وإلى بعض رجال الدين والعلماء أنهم هم سبب الاضطراب والقتل في العراق على وجه الخصوص وسوف تنجلي هذه الأكاذيب وتزول إنشاء الله تعالى وتتضح حقيقة الأمور أن دعوة علماء الدين لم تكن في يوم من الأيام إلا لحفظ دماء المسلمين واتحاد كلمتهم .
رابعا ً:
تمثل الأطروحة المرجعية بنظمها وضوابطها ومنهجها نظاماً شعبياً تخصصياً يعتمد حرية الرأي والاستقلال في الموقف والدمج بين دور أهل الخبرة والاختصاص و الفقاهة من العلماء وبين وعي الأمة وإدراكها واختيارها الصحيح والسليم فإن هذه الأطروحة المرجعية تمثل اليوم نموذجاً حياً معاصراً للتدين العقلائي المتحضر والواعي بل إنها تشكل نواة لأمل الأمة الإسلامية في الجمع بين الحفاظ على اصول الدين وقواعده دون تفريط في مبادئه وأسسه وبين التعايش والتآزر بين سائر فئات المجتمع ورعاية مصالح الامة وتطورها
وتقدمها .
ان هذا النموذج ليس فقط هو أمل للإسلام وليس فقط هو أمل للأمة الإسلامية بل هو أمل الإنسانية جمعاء.
ومن هنا فإننا لا نتعجب أن نجد عيون وآذان ووسائل وأدوات الحساد والبغاة تتجه لهذه الأطروحة النموذجية الكاملة لإيجاد ثغرة هنا أو ثغرة هناك.
وخلال العقدين او الثلاثة الماضية شنت هذه الجهات اشكال شتى من محاولات توهين واضعاف هذا الوجود
باءت كلها بالفشل والحمد لله وارتدت على اصحابها نكالا ونقمة
المرجعية المحلية معناها واثارها :
واليوم تظهر لنا هذه المحاولات بثوب جديد وحلة مزركشة
خلال الفترة الماضية خرجت بعض الدعوات إلى محاولة تشتيت وتمزيق هذه الوحدة . إن هذه الدعوة المسماة بالدعوة إلى المرجعية المحلية تحتاج إلى وقفة منا لندرك ما لمقصود بهذا الأمر والى أين يتجه أمثال هذه الدعوة .
أولا لابد أن نفرق بين حب الإنسان لأهلة ووطنه ومجتمعة وأمنيته أن يرى من أهل بلده و ومجتمعه من يبلغ أعلى درجات العلم والنجاح في الجوانب العلمية الحديثة كمهندسين وأطباء وعلماء وأن يبلغوا كذلك أعلى درجات العلم الديني وأعلى درجات الفقاهة وأن يصلوا إلى حد المرجعية , وإننا لا ننسى علمائنا الأعلام في بلادنا الحبيبة الذين أعطوا الأمة الإسلامية وأعطوا الإسلام من المفاخر العلمية ومن العطاء الديني ما سوف يبقى أثره على مر الدهور ,لكن هذا المعنى لا يمت إلى أطروحة المرجعية المحلية بصلة أو على الأقل يختلف تماما عما يريده أعداء الله وأعداء الدين و أعداء الإسلام , إن المقصود بالمرجعية المحلية التي تطرحها وسائل الإعلام ذات المقاصد غير الشريفة : هو تمزيق هذه الأمة الإسلامية الشيعية إلى مجموعات هنا ومجموعات هناك وأن يعتبر في كل أهل بلد شرائط في اختيارهم للمرجع بحيث يصبح مرجع هذا البلد يشترط يكون من أهل ذلك البلد ومرجع البلاد الأخرى من أهل تلك البلاد الأخرى فيتحول التشيع الذي هو مفخرة هذه الأمة ومفخرة الإسلام إلى تشيعات والمرجعية إلى مرجعيات .
ان هذا المعنى الذي تطرحه بين الحين والحين وسائل الإعلام وجهات اخرى يعني إدخال عنصر جديد في عناصر اختيار المرجعية : هذا العنصر هو كون المرجع ينتمي الى نفس البلد او الدولة التي تنتمي اليها
ان المرجعية المحلية بهذا المعنى الذي تطرحه وسائل الاعلام انما هو كالحية ملمسها ناعم وفي جوفها السم الزعاف .
طبعا تختلف هذه الاطروحة تماما عما يحدث في بعض الفترات من تعدد المرجعية الناشئ من اعتقاد مجموعة من العلماء والمقلدين ان هذا المرجع اعلم او اقدر على تشخيص الاحكام الشرعية واستنطاق النصوص واخرون يعتقدون انه ذلك الاخر
النتائج المتوخاة التي يأمل هؤلاء في الوصول اليها عبر هذه الأطروحة:
أولاً:
هذه الأطروحة تؤدي إلى التفريط في قدسية الأحكام الشرعية بنحو يقيني
الروايات المنقولة عن اهل البيت عليهم السلام تجعل العنصر الاساس للفقيه الصالح للمجعية هو الحفاظ على الشريعة المقدسة واحكامها
صفات الفقهاء كما في التوضيع الصادر عن الإمام الحجة (عج) ( وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله )
وفي المروي عن الإمام العسكري (ع) عن جدة الإمام الصادق (ع) انه قال : (فأما من كان من الفقهاء صائناً لنفسه حافظاً لدينه مخالفاً على هواه مطيعاً لأمر مولاه فللعوام أن يقلدوه)
فمن هذه الروايات وغيرها ومن المرتكزات العقلية القاطعة فقد استنبط الفقهاء ضوابط للمرجعية وليس من هذه الضوابط ولا يعتبر منها أن يكون تابعا لبلدٍ معين , إن في التمسك بهذه الأطروحة تضييعا حتميا مقصودا لقدسية الأحكام الشرعية.ا
ثانياً:
إن هذه الأطروحة سوف تؤدي إلى انقسام في الساحة الشيعية , فإن التاريخ قد نقل لنا أنه في فترة من الفترات قد حدث انقسام داخل المدرسة الشيعية لاختلاف حول مبنا فكري وربما استمر هذا الختلاف بين حدة وانحسار الى زمان طويل
كمثال على ذلك الخلاف المعروف بين ألإخبارية والأصولية او غيره من الامثله
وإننا اليوم نعتب على بعض أصحاب المدارس الأخرى لأنهم فرطوا ا في الأحكام الشرعية بسبب بعض الاعتبارات كأن يكون المرجع من هذه الأسرة أو أن يكون المرجع يحمل فكرة أو اعتقادا معيننا
ان هذا العتاب الذي نحمله على هؤلاء الأخوة قد أدى إلى تقسيم المجتمع والاتجاه الشيعي إلى قسمين
أما هذه الفكرة فلا أدري إلى كم سوف تقسم الشيعة لأن بلاد المسلمين عديدة ومناطق الشيعة فيها كثيرة فربما يأتي اليوم الذي يكون عندنا ستة عشر أو سبعة عشر أو ثمانية عشر تجمعا وانقساما شيعيا اذا نحن صدقنا وانطلت علينا هذه الاطروحة.
ثالثا :
إن هذه الأطروحة تؤدي إلى إحياء عصبيةٍ جديدة في داخل الفكر الشيعي
ودخول هذه النزعة كعنصر نفسي في تركيبتنا الثقافية يفقد المرجعية والبحث لتحقيقها طهارة الهدف والغاية
اننا لا نرضى لانفسنا ولا لغيرنا تلويث غاياتنا الدينية الطاهرة النبيلة بغايات ومقاصد ومكاسب ضيقة
علينا أن نتعظ مما جرى على الأمة الإسلامية العربية . قبل خمسين أو ستين سنه كانت الأمة الإسلامية والعربية أمةً واحدة وبلداً واحداً وان اغتصبها المحتل ولكن حينما تم التقسيم المشؤوم المعروف بالمعاهدة البريطانية الفرنسية في تقسيم هذه الأمة عبر معاهدة (سايس بيكو) أصبحنا نرى الآن الشام شام ومصر مصر والعراق العراق وفلسطين فلسطين وإنشاء الله لا يصل الأمر إلى تقسيم التشيع إلى هذا النحو من التقسيم. فهل نسعى بارادتنا الى( سايس بيكو للمرجعية)
رابعا:
إن أمل الإسلام في تماسك الامة وتازرها هي هذه النواة الحية المتبقية كحصن حصين للامة . هذا النهج الذي تبنته المرجعية الشيعية هي التجربة الوحيدة التي نامل ان تنجح لينضم اليها سائر فئات العالم الاسلامي ويحذوا حذوها .
ان القضاء على هذه التجربة هو قضاء على النهج نفسه لعدم وجود ما تبقى للامة من قدوة غيرها
الم تقل فاطمة (ع) مخاطبة الأمة بأسرها (إن الله جعل إمامتنا أمان من الفرقة ) إن التمسك بهذه النعمة نجاةٌ لنا أتباع أهل البيت بل نجاة للعالم الإسلامي بأسره.
خامسا :
إن قبولنا هذا المعنى بهذه الطريقة التي سوق لها الإعلام مرة بهذه الكيفية ومرة بتلك الكيفية هي اعتراف بقبولنا بتدخل وسائل الإعلام ومن يقف خلف وسائل الإعلام ومراعاة لهذا الذوق وتلك الرغبات وفتح باب لتوجيه دفة العالم الإسلامي وبتوجيه حامي الحصن الحصين الذي هو المرجعية .
نسأل الله عز وجل بحق النبي وآله صلوات الله وسلامة عليهم أجمعين, أن يعجل لولية النصر والفرج والعافية وأن يحفظ لنا ديننا ويحفظ علمائنا ومرجعياتنا ويصون الإسلام ويدفع عنه شر الظالمين والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين




تعليقات