النبي صلى الله عليه و آله ومجتمع النور

قال الله تعالى :{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيرا * وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُنِيراً}[1].
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد الخلق والمرسلين محمد بن عبد الله وعلى آله الطيبين الطاهرين، وبعد:
عباد الله أوصيكم ونفسي بتقوى الله.
بمناسبة ذكرى ميلاد النبي الأعظم سأتوقف قليلاً عند وصف النبي (ص) بأنه سراج منير، وأقول:
قال العلامة الطريحي في مجمع البحرين في تفسيره لهذا الوصف : أي يُهتدى بك في الدين كما يُهتدى بالسراج في ظلام الليل، أو يُمدّ بنور نبوتك نور البصائر كما يُمدّ بنور السراج نورَ الأبصار)[2].
لعل وصف النبي (ص) بالسراج المنير لا يحتاج إلى بذل جهد ولا تكلف ، لأن النور يطلق على الشيء بلحاظ دوره في طرد الظلمة أياًّ كان نوعها .
والنبي (ص) باعتباره المجاهد لأول والأفضل في طرد الظلمات عن الناس فسيكون وصفه بـ(السراج المنير) هو المنطقي والصحيح . وذلك لما بذله من جهود جبارة في سبيل الرقي بالبشرية من وهدات الشرك والتخلف والعصبية ... إلى آفاق العلم والسمو في العقل والجدان والسلوك من خلال التأكيد على :
1 - الأفكار السليمة
2 – المشاعر الراقية
3 – السلوك السوي
وهذه المجالات الثلاثة هي التي يكمن فيها رقي الإنسان إن هو عمل على ترشيدها وتنويرها، أو انحطاطه إن هو أهملها أو غض الطرف عنها قاصراً أو مقصراً .
إن الدين الذي بعث به رسول الله محمد (ص) إنما جاء ليُقوِّم :
1 - العقل، الذي به تصحح الأفكار .
2 – القلب، الذي به توجه المشاعر والعواطف الإنسانية وجهتها الصحيحة والنبيلة .
لينتج عن إصلاح هذين الجزأين الحيويين صلاحُ السلوك ونبله، لأنه لا يعدو كونه نتاجاً طبيعياًّ للقناعات العقلية والميول القلبية .
لذلك نجد النصوص الواردة عن علماء الإسلام الربانيين خريجي مدرسة النبي محمد (ص) ، أعني عترته الطاهرة (ع) الذين ينهلون من منابع هذه المدرسة الأصيلة ينثرون هذه البذور الطيبة ليصوغوا الإنسان الرشيد، وإليك هذا النص التنويري :
عن أبي عبد الله جعفر بن محمد، عن أبيه، عن آبائه، عن علي (عليهم السلام) قال : المؤمن يتقلّب في خمسة من النور : مدخله نور، ومخرجه نور، وعلمه نور، وكلامه نور، ومنظره يوم القيامة إلى النور )[3].
إذا تأملنا في النص الشريف وجدناه يشير إلى حرص المؤمن، الذي عمرت جوانبه بالإيمان، وهو الذي لا يدع فرصة خير إلا أمّها، ولا جادة شر إلا تجنبها، حرصه على :
أ - أن تكون خطواته محسوبة ومدروسة فـ(مدخله نور) ، لذلك فهو يدرس خياراته واختياراته قبل الإقدام عليها، سواء في ذلك الأعمال الصغيرة أو الكبيرة، وسواء كانت دينية أو دنيوية ...
ب – أن تكون نهايات أعماله حسنة، فليس كل من أقدم على عمل بنية حسنة، كان مدخله نوراً، وكان مخرجه نوراً، فالصلاة مثلاً قد نتمكن من تخليصها من الرياء عند أدائها وأثناءه، ولكن قد ينتهي بنا الحال إلى العجب الذي لا يقل خطراً على الصلاة من الرياء .
فالواجب على المؤمن والحريص على إيمانه أن يفكر في الخروج والفراغ من العمل بسلام، كما دخل فيه بسلام، لتكون دواعي إقدامه خيّرة، ولئلا يفسد ما أحسن من عمل .
جـ - ولكي يتمكن من ذلك فهو بحاجة إلى أن يعرف طبائع الأمور . الأمر الذي يفرض النهَل من ينابيع صافية لا تشوبها شائبة ولا يكدرها شيء . لذلك فإن المؤمن (علمه من نور) . وهذا العلم هو الذي يجعل أناساً في الأعالي، وآخرين في أسفل سافلين، لأن الإنسان بـ(العلم) وبـ(الإيمان) يحلِّق في عالم التكامل الإنساني، فيحسن التصرف في الملأ والخلأ ، قال تعالى :{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا : إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ ! فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ . وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا ! فَانْشُزُوا . يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ}[4].
د – وإذا حاز المؤمن (العلم) فقد مُلئ باطنُهُ بالحكمة {وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً}[5]، لذلك تتجلى هذه الحكمة في منطقه الذي يعبر عن مواقفه في السراء والضراء، ومن ثم كان (كلامه نور) .
جـ - وإذا وُفق الإنسان أن يجمع إلى إيمانه : حسنَ الاختيار بمدخل النور، وحسنَ الانتهاء بمخرج النور، مستلهماً في ذلك من العلم الذي هو نور، متطبعاً بكل ذلك لاستقرار ذلك كله في ذاته متجلياً في منطقه وكلامه، فإن مآله إلى أن يلقى الله راضياً مرضياً بأن يكون منظره إلى النور . وما أحسنها من عاقبة {خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ}[6].
ونجد هذا المضمون على اختلاف في التعابير وتنوع في الإجمال والتفصيل في الكثير من النصوص، ولا بأس بأن نؤيد ما ذكرنا برواية نفيسة عن صاحب هذه الذكرى، حيث روى الشيخ المفيد ( رحمه الله ) بسنده عن الإمام موسى بن جعفر، عن أبيه، عن آبائه صلوات الله عليهم أنه قال : قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : أربع من كنّ فيه كتبه الله من أهل الجنة : من كان عصمتُهُ شهادةَ أن لا إله إلا الله وأني محمدٌ رسولُ الله . ومن إذا أنعم الله عليه بنعمة قال : الحمد لله . ومن إذا أصاب ذنباً قال : أستغفر الله . ومن إذا أصابته مصيبة قال : إنا لله وإنا إليه راجعون )[7].
والرواية تبين معالم الحكمية النظرية والعملية التي ينبغي للمؤمن أن يتحلى بها فلا يقدم ولا يحجم إلا من خلالها .
فالخصلة الأولى : توضح منطلقات المؤمن وأسس أعماله، وهي ما تشكل عصمته من كل خطر، وهي شهادة أن لا إله إلا الله والإيمان بأن محمداً رسول الله، لأن ذلك حق لا مرية فيه، ولا مجال للمكابرة أمامه .
الخصلة الثانية : موقفه من النعم التي لا تصل إلينا إلا من الله ولا نصل إليها إلا بالله، فالشكر له وله المنة علينا {وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ}[8]. فعليه أن يبذل الجهد في سبيل تحصيل الرزق ونيل المنافع، ولكن ليس له أن يعتقد ما وقع في خلد قارون حيث اختلط عليه الحابل بالنابل فقال {إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي}[9] لأن ذلك مدعاةٌ لقلة الشكر والغفلة عن ولي النعمة .
الخصلة الثالثة : معالجته لما يمكن أن يبدر منه الأخطاء والخطايا .
فالمؤمن لا يكابر بل يتواضع للحق، فإذا بدر منه خطأ في حق الله أو في حق نفسه أو في حق غيره سرعان ما يعالج ذلك بالندم على ما اقترفه والعزم على عدم العود فيه، وهذا ما نسميه في ثقافتنا وأدبياتنا بـ(التوبة) . بل إن المؤمن كثير الانشغال والاهتمام بالنظر في أعماله من خلال محاسبته نفسه ليلحق بالركب النبوي السامي المحلق إلى القمة في التكامل، والذي يرضى لنفسه سفاسف الأمور .
لذلك فإنه إذا وقع في ما لا يرضاه له ربه (استغفر الله) و (تاب إليه) .
أسوته في سعيه الحثيث نحو التكامل سيد الخلق رسول الله الذي مع ما وعده ربه بقوله {وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى}[10]، الذي يعني ضماناً للمستقبل ووعدَ حقٍّ لا يتخلف في الرضا الإلهي، ومع ذلك فإنه كان يستغفر سبعين مرة[11] ، هذا وهو المعصوم الذي لا يقع في خطأ فضلاً عن خطيئة .
الخصلة الرابعة : موقفه مما لا بد من وقوعه في عالم الدنيا، الذي هو عالم التزاحم والتضاد بين المصالح، فإذا تحققت لك مصلحة فهي في كثير من الأحيان على حساب آخرين فـ(مصائب قوم عند قوم فوائد) .
فكيف يقاوم المؤمن فجيعته بعزيز، أو خسارة مالية كبيرة ونحو ذلك ... ؟
إنه يدرك أن الله سبحانه امتحن الأغنياء بالشكر والفقراء بالصبر، لأن الوجدان لا يعني رضا الله، كما أن الفقدان لا يعني سخطه، بل إن الأمر برمته ليس إلا امتحاناً لهؤلاء وأولئك، قال تعالى :{وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الأَمْوَالِ وَالأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ}[12] . وإلى ذلك فإن القادر على دفع الضر ورفعه إنما هو الله وحده {ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ}[13].
* * *
من كل ذلك نستوعب كيف أن رسول الله (ص) هو (السراج المنير) . ولعل المتتبع للكتاب والسنة والفكر الإسلامي الأصيل وما أنتج كل ذلك من تراث إنساني لا نزال نتفيأ ظلاله الوارفة سيكون في غنى عن ذكر الشواهد على المسيرة التنويرية التي ابتدأها رسول الله (ص) ولم تنته به؛ لأن طبائع الأمور تفرض أن تتواصل المسيرة لأن الإنسان هو الإنسان لم يختلف بعد الرسول (ص) عنه بعده (ص) .
ومن ثَمَّ جاء هذا الوصف بعينه لخلفاء الرسول (ص) والأئمة من بعده (ع) الذين ساروا على دربه من اصطفاهم الله لهداية خلقه، قال تعالى :{ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ}[14].
[1] سورة الأحزاب : الآيتان 45-46.
[2] مجمع البحرين مادة (سرج) .
[3] كتاب الخصال للشيخ الصدوق، باب الخمسة.
[4] سورة المجادلة : الآية 11.
[5] سورة البقرة : الآية 269.
[6] سورة المطففين، الآية: 26.
[7] أمالي المفيد ج1 ص 76.
[8] سورة النحل : الآية 53.
[9] سورة القصص : الآية 78.
[10] سورة الضحى : الآية 5.
[11] انظر : مستدرك الوسائل ج 5 ص 374.
[12] سورة البقرة : الآيتان 155- 156.
[13] سورة النحل : الآية 53.
[14] سورة فاطر : الآية 32.




Hu0kWB cxkpnfaspvwk, ecsjmtkkvsij, [link=http://dyheausluaqa.com/]dyheausluaqa[/link], http://nhqpgufjkzhz.com/
cheap accutane online 32831 buy prednisone on-line pammag xanax valium 8]
purchase cialis =-DDD generic viagra :-O xanax 289
buy brand name meridia uaqd buying accutane %)) overnight phentermine %O tramadol >:)) buy price valium 692061
تعليقات